قررت المحكمة الإدارية بالبيضاء، يوم الثلاثاء 10 يناير 2006، وقف تنفيذ القرار المتعلق بطرد تسعة طلبة مناضلين بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وذلك حتى يتسنى لهم المشاركة في امتحانات الدورة الأولى. تم اتخاذ هذا القرار بعد أن لجأ الطلاب المعنيون إلى القضاء الإداري لإبطال قرار الطرد، الذي اتخذ في حقهم بسبب انتمائهم السياسي ونشاطهم النقابي، حيث ينتمون لجماعة العدل والإحسان، وينشطون في المنظمة الطلابية، التي اعتاد الطلاب وصفها بـ”العتيدة”، نظرا لما لها من تاريخ نضالي حافل.

رغم أن قرار المحكمة هو قرار لوقف التنفيذ دفعا لما يمكن أن يصيب الطلاب من ضرر، خاصة والامتحانات ترتبط بزمن محدد، وليس قرارا بإبطال الطرد، إذ ستواصل المحكمة النظر في موضوع القضية المعروضة عليها، يوم 30 يناير 2006. رغم ذلك، وفي انتظار القرار النهائي للمحكمة، الذي نرجو أن ينصف الطلاب، نسجل أن قرار 10 يناير 2006، يكتسي أهمية خاصة، وسيبقى موشوما في الذاكرة الطلابية لعدة اعتبارات منها:

أولا: إنه أول قرار من نوعه في تاريخ الحركة الطلابية المغربية ينصف الطلبة المناضلين، فقد لجأ الطلبة مرات متكررة للقضاء من أجل إنصافهم، إلا أن الاعتبارات السياسية تكون دائما أقوى من مبادئ العدالة. لقد ارتكِبت جرائم كثيرة في حق الطلبة خاصة بعد إصدار الدورية الثلاثية سنة 1997، حيث طُرد مناضلون، ومُنع آخرون من متابعة دراستهم العليا، ولا يزال بعض الطلبة يشهدون بعاهاتهم على وحشية ما اقترفه البوليس السري والحرس الجامعي في حقهم من مجازر في غاية الوحشية، ولعل الطلبة لا ينسون عبد العزيز العلوي، الذي أصيب إصابات خطيرة في رأسه، والذي قرر الأطباء انتظار موته بعد أن طالت غيبوبته، إلا أن الله عز وجل شاء غير ذلك. ولا ينسون من كسرت أطرافهم الأربعة عدة كسور، أقصد بالذكر عبد الرحيم داموم وعز الدين البكيري….

وكان الطلبة المستضعفون كلما لجؤوا إلى القضاء تُرفض طلباتهم بمبررات واهية، في الوقت الذي كانت تقبل فيه دعاوي ضدهم، ليزج بالعشرات منهم في السجون، ومع توالي المحاكمات الصورية حفظ الطلبة صك الاتهام كما حفظوا مقرراتهم، “إهانة أو الاعتداء موظفين أثناء مزاولة مهامهم، تكسير زجاج المدرجات، عرقلة النظام العام داخل المؤسسة…”.

قد يقول قائل أن قرار المحكمة الإدارية بوقف التنفيذ لم يأت بجديد، لأنه، فقط، استند لما نصت عليه المادة 24 من القانون 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية، التي تتيح إمكانية وقف القرار الإداري إذا كانت ستنتج عنه أضرار يتعذر تدارك عواقبها. هذا صحيح، لكن التجربة أثبتت أن العديد من الأحكام القضائية في حق الطلاب كانت ضد نصوص قانونية واضحة. لذلك فإن قرار المحكمة الإدارية قرار هام لا يسعنا إلا أن نشد على أيدي من كان وراءه من قضاة ومحامين أخص بالذكر الأساتذة: عبد السلام نعناعي، إسماعيل زكير، هشام الوازيكي، سعيد بوزردة…

ثانيا: هذا القرار يؤكد أن حق التعليم من أهم الحقوق، لذلك ينبغي العمل باستمرار على عدم المس به، وتجنب كل ما يمكن أن يعرضه للضياع، إذ لو لم يتم وقف قرار الطرد، ومنع الطلبة من اجتياز امتحانات الدورة الأولى، لصعب فيما بعد تدارك الأمر، حتى في حالة الحكم إيجابا في موضوع القضية. ومن شأن كل غيور على هذا الوطن أن يبتهج إذا رأى حرص القضاء على عدم ضياع هذا الحق الأساس، الذي إن ضاع ضاعت معه كل مقومات التنمية والتقدم والرقي. أعرف أن موضوع التعليم أكبر بكثير من وقف قرار يتعلق بطرد طلبة. لكن لكل حدث حديث، ولكل مقام مقال.

ثالثا: تزامن هذا القرار مع حملة مسمومة تقودها بعض الجهات ضد جماعة العدل والإحسان التي يتشرف أبناؤها بقيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. كما تزامن مع احتجاجات طلابية واسعة فيما سمي بمعركة الامتحانات، ليستنتج بعضهم أن القومة التي تخطط لها الجماعة هذه السنة، في زعمهم، قد انطلقت في الجامعات، وليدعو بعضهم في جرأة، لا أقول غير مسبوقة، ولكن معهودة على أمثالهم، إلى إيقاف مد العدل والإحسان داخل الجامعات بكل الوسائل المتاحة، ومن الوسائل المتاحة عندهم، لا شك، تهشيم الرؤوس وتكسير الأطراف الأربعة… لعل ما يوضح هذا أكثر تولي أحد المحامين، المنتمين للحزب الذي فشل في فرض جامعته الربيعية على الطلبة سنة 1996، الدفاع عن قرار الطرد… سمو القاضي الإداري بنفسه عن هذه الحملة الموجهة واتخاذه ذلك القرار أمر يستحق التقدير.

رابعا: من شأن هذا القرار أن يساهم في إعادة الثقة للطلبة وفي نقابتهم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وفي خطواتهم النضالية، خاصة وأنه يأتي متزامنا مع الاستجابة لطلبهم بخصوص تأجيل الامتحانات في عدد من الجامعات، ولعل مما يؤسف له حقا هذا التخبط في الإدارة الجامعية، حيث لا تتم مراعاة مصلحة الطلاب في قرارات هامة، وحين يطالب الطلبة بإنصافهم، لا تتم الاستجابة لهم إلا بعد إنفاق الكثير من وقتهم، المفروض استثماره دراسيا وعلميا، في الاحتجاج. فرغم عدم استكمال الدروس المقرر اجتياز الامتحان فيها، بسبب التأخر في بداية الدراسة، وبسبب مشكل غياب بعض الأساتذة، ورغم عدم الانتهاء من امتحانات المراقبة المستمرة، رغم كل ذلك قررت مجموعة من الكليات في جامعات مختلفة (كلية الحقوق أكدال، كلية الحقوق سلا الجديدة، كلية الحقوق سلا، كلية العلوم بن مسيك، كلية الحقوق المحمدية، كليتا الحقوق والعلوم بمراكش، كلية العلوم بتطوان، كلية الشريعة بجامعة القرويين..)، وبسرعة قياسية، إجراء الامتحانات في أوقات محددة، دون الإعلان عن القرار بوقت كاف، حتى يستعد الطلاب للامتحانات، ولنا أن نتساءل ما الذي يمنع هذه الكليات من وضع برمجة للامتحانات تعلن منذ بداية السنة الدراسية حتى يعلم كل الفاعلين الجامعيين من أساتذة وطلاب وإداريين ما لهم وما عليهم؟

إن استقلالية الجامعة التي نص عليها، وبقوة، القانون رقم 01-00 المنظم للتعليم العالي لا ولن تتحقق إلا في ظل مجموعة من الشروط من أهمها إشراك المعنيين المباشرين، في مقدمتهم الطلاب، في القرارات التعليمية. إننا لا نذهب إلى حد ما عرفته بعض الجامعات في التاريخ كجامعة “بولونيا” بإيطاليا وجامعة “ليما” بالبيرو حيث كانت الإدارة موكولة بصفة شبه تامة للطلبة. لا نذهب إلى ذلك الحد و لكن نطالب بإشراك الطلبة في بعض القرارات التي تهمهم حتى يتسنى لهم استفراغ كل جهدهم وبذل كل وقتهم في التربية والتحصيل العلمي.

فهنيئا للطلاب عموما، وهنيئا لطلبة كلية العلوم عين الشق بصفة خاصة، على تحقيق مطالبهم، وعلى هذا القرار الذي أنصفهم، ونرجو أن لا يخيب أملنا يوم 30 يناير 2006 عندما تستكمل المحكمة الإدارية النظر في موضوع القضية. وإلى ذلك الحين تحية احترام وتقدير لمن كانوا وراء إصدار قرار 10 يناير 2006.