الحمد لله،

أما بعد فقد كثر اللغط و اشتد الجدل و احتدم الحديث حول الرؤى و المبشرات، و الكشف و المشاهدات، و ما يفتح الله تعالى به لعباده الصالحين و إمائه الصالحات، حتى تحدث في الأمر من لا يعلم و خاض فيه من لا يفقه. و ما ذلك إلا لأن أهل الحق و الحقيقة صموا أسماعهم عما يسوء، أخذا بوصية المصطفى صلى الله عليه و سلم. روى الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في “الإصابة” عن أم الغادية -رضي الله عنها- قالت: خرجت مع رهط من قومي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أردت الانصراف، قلت: يا رسول الله أوصني، قال: “إياك وما يسوء الأذن”.

و قد تطاول للإفتاء في هذا الأمر كل من هب و دب بعد خلو الساحة و انشغال أهل العدل بما ينفع و يفيد، حتى ذكرت قول القائل:

و إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده و النزالا

وقد كنا نظن أن أمر الرؤى وما يرتبط بها لاخلاف بين المسلمين فيه بله أبناء الحركة الإسلامية والعاملين في حقل الدعوة، ولكن للأسف الشديد فرياح التسطيح عَرَّت الكثير من الثوابت فكان لابد من خوض الغمار مع الخائضين ولو في عجالة أرجو ألا تخل بمقصود الإيضاح، و أن تجلي لهم منهاجنا الوضاح، فأقول و بالله التوفيق:

أولا: إن النصح مقبول من كل واحد، مرغوب فيه من كل موحد، و لا خير في قوم لا يتناصحون و لا خير في قوم لا يقبلون النصيحة. و لكني رأيت أغلب من تصدى للنصح و التوجيه، لم يبذل جهدا يذكر فيما هو أولى و أحرى، و لم ينكر على من عطل الشرائع و أمات الشعائر، و”لم يجاهد”ً في من سام الأمة الخسف و منعها النصف، و لم يوجه نصحه للحاكم الذي هو للناس كالعصا للظل، يستقيمون إذا استقام و يعوجون إذا اعوج. روى ابن كثير في البداية و النهاية عن سفيان بن حسين قال: “ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: فالسند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفتسلم منك الروم والسند والهند والترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال: فلم أعد بعدها”.

فلو أرانا الناقمون جرأتهم في تغيير منكرات القصور، لقبل الناس كلامهم، و لعرضوه على محك التمحيص، ولميزوا صحيحه من سقيمه، و لكن الشيطان الأخرس لا يسمع، و بالأكف عن الأبواب يدفع.

ثانيا: إن غالب من كتب و حاضر، و جادل و ناظر في موضوع البشارات الغيبية، و الرؤى النبوية قد أساء الأدب و جاوز الحد، و أبان عن حقد وراءه أهواء نفسية، و ثارات شخصية، و مطامع دنيوية. و نسي أن الوقيعة في أهل العلم و الصلاح مفسدة للآخرة و الدنيا. قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله في تبيين كذب المفتري ص/29: “واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه برآء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم..”.

على أن التهجم على سنة المصطفى المعصوم في إثبات خبر الغيب و إشعاره، و تعظيمه و إظهاره، لم يفت بحمد الله في عضد أهل العدل و الإحسان، و لم يجعلهم يتنكبون طريق النبي العدنان، طلبا للعافية و إيثارا للسلامة كما يفعل غيرهم، بل ثبتوا و صبروا و صابروا، اقتداء بالأئمة الأعلام. فهذا الإمام ابن العربي المالكي المتوفى سنة 543هـ -رحمهُ الله تعالى- المبتلى بأهل الجهل و الجهالة، يقول في مقدمة كتابه: “عارضة الأحوذي”: “فإن طائفة من الطلبة عرضوا علي رغبة صادقة في صرف الهمة إلى شرح كتاب أبي عيسى الترمذي، فصادف مني تبعاداً عن أمثال ذي، وفي علم علام الغيوب أني أحرص الناس على أن تكون أوقاتي مستغرقة في باب العلم، إلا أني منيت بحسدة لا يفتنون، ومبتدعة لا يفهمون، قد قعدوا مني مزجر الكلب يبصبصون، والله أعلم بما يتربصون:”قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون” (التوبة:52). بيد أن الامتناع عن التصريح بفوائد الملة، والتبرع بفوائد الرحلة، لعدم المنصف، أو مخافة المتعسف، ليس من شأن العالمين، أو لم يسمعوا قول رب العالمين لنبيه الكريم: “فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين” (الانعام:89).

وهذا أندلسي آخر هو الإمام الشاطبي المتوفى سنة 790هـ -رحمهُ الله تعالى- يحكي حاله حين خالف ما اعتاد قومه سماعه و العمل به. يقول -رحمهُ الله تعالى- (الاعتصام (1/20-22)): ((فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل، ما فيه من الأجر الجزيل…. فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علي القيامة، وتواترت علي الملامة، وفوق إلي العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجاً لوجدت، غير أن ضيق العطن، والبعد عن أهل الفطن، رقى بي مرتقى صعباً، وضيق علي مجالا رحباً.

“فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه؛ إذ حكى عن نفسه فقال: “عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين، والمنكرين فإني وجدت بمكة، وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له، فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك -كما يفعله أهل هذا الزمان- سماني موافقاً.

وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفاً.

وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني خارجياً.

وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبهاً.

وإن كان في الرؤية سماني سالمياً.

وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً.

وإن كان في الأعمال سماني قدرياً.

وإن كان في المعرفة سماني كرامياً.

وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبياً.

وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضياً.

وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهرياً.

وإن أجبت بغيرهما سماني باطنياً.

وإن أجبت بتأويل سماني أشعرياً.

وإن جحدتهما سماني معتزلياً.

وإن كان في السنن مثل القراءة سماني شافعياً.

وإن كان في القنوت سماني حنفياً.

وإن كان في القرآن سماني حنبلياً.

وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار -إذ ليس في الحكم والحديث محاباة- قالوا: طعن في تزكيتهم.

ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يشتهون من هذه الأسامي؛ ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئاً. وإني مستمسك بالكتاب والسنة، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم”.

ثالثا: الاعتساف و قلة الإنصاف.

لقد ظهر جليا لكل ذي عينين، أن من رد على جماعة العدل و الإحسان كتابة أو محاضرة لم يراع الله تعالى فيما نطق به لسانه، أو جرى به بنانه، فتراه يجتزأ كلامنا اجتزاء، و ينتقي هفوة فلان أو علان من الجماعة لإبرازها و إظهارها، يظن نفسه قد حاز قصب السبق و أصاب الجماعة في مقتل:

يا ناطح الجبل العالي لتوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

و قد عرفت جماعة العدل و الإحسان بالتمسك بالسنة الشريفة و الحرص عليها، و التقيد في أقوالها و أفعالها بما ورد عن المعصوم صلى الله عليه و سلم، لا تستقي من حوض ما دون حوض سيدنا محمد عليه صلاة الله و سلام الله. لذلك لم يعمد المخالفون إلى كتبنا المنشورة، و تصريحات قيادة جماعتنا المنصورة، و ظلوا يتسقطون أخطاء هنا و هنات هناك، و فضحوا أنفسهم أمام أهل المعرفة و العرفان.

“روى البخاري رحمه الله في: كتاب الشروط من صحيحه: قصة الحديبية ومسير النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها وفيه (فتح الباري (5/335  336)):

وسار النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل” الحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فقه هذا الحديث: “جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها، لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله ؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحاً، ولم يعاتبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك لعذرهم في ظنهم”.

رابعا: الرؤيا من نسخة أم الكتاب:

إن النصوص من صريح القرآن و صحيح السنة في الرؤى و أقسامها و أفضالها لا تعد و لاتحد و لا تحصى و لا تستقصى، و يكفي أن جل دواوين أهل السنة حوت أبوابا و كتبا للرؤيا و التعبير و يكفي أنها من أجزاء النبوة ومن بقاياها. واهتمامنا بقص الرؤى وتحاكيها واهتبالنا بها نعمة نحدث بها و لا نكتمها، و اسمعوا إلى سيدنا عبد الله بن عباس يصرح كما صح عنه: كان النبي صلى الله عليه و سلم مما يقول لأصحابه من ٍرأى منكم رؤيا… الحديث و اسمعوا إلى شارحه يعلن أن معناه أن النبي عليه الصلاة و السلام كان كثيرا ما يفعل ذلك، و أن ذلك كان دأبه عليه الصلاة و السلام. و روى الشيخان رحمهما الله من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: “إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ.”

وفي موطأ الإمام مالك رحمه الله برواية الإمام محمد بن الحسن رحمه الله:

“في قوله صلى اللّه عليه وسلم: الرؤيا الصالحة من اللّه، والحلم من الشيطان، فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإِنسان في منامه يكون صحيحاً، إنما الصحيح فيه ما كان من اللّه يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب”.

و يذكر في هذا الباب ما يُروى عن الإمام مالك – رحمه الله ـ أنه سُئل : أيعبّر الرؤيا كل أحد ؟ ، فقال: أبالنبوة يُلعب ؟ … إلى أن قال : الرؤيا جزء من النبوة ، فلا يتلاعب بالنبوة، كما في التمهيد و المنتقى للباجي.

خامسا: في تواتر الرؤى و تواطئها و هل يترتب عليها عمل:

إن ما أثار الضجة المفتعلة اليوم على التحقيق، هو تواطؤ رؤى كثير من المومنين و المومنات داخل المغرب و خارجه على أن أمرا عظيما يحدث لا محالة في بحر هذه السنة يكون فيه إن شاء ربنا خير للإسلام و المسلمين في بلدنا خاصة، و قد ثارت ثائرة أعداء التغيير و انساق معهم كل مستفيد من بؤس المغاربة و تردي أحوالهم، و سأوجز في استدلالي على أهمية تواتر الرؤى على أن أبسط ذلك كله في قابل إن تيسر:

ـ روى البخاري و مسلم رحمهما الله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ” أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر” .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري : ” في هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا ، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية ، بشرط ألا يخالف القواعد الشرعية”، وقال في موضع آخر:”ويستفاد أن تواطؤ جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها، كما يستفاد قوة الخبر من التوارد على الإخبار من جماعة12/397 “.

ـ أخذه صلى الله عليه و سلم برؤيا عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الأذان الذي هو شعار الإسلام إلى يوم القيام كما روى الأئمة أحمد و أبو داوود و الترمذي و قال حسن صحيح، و الحديث صححه الإمام البخاري رحمهم الله جميعا.

ـ ترتيب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر الخلافة و جعلها في الستة من أهل الشورى الذين مات رسول الله و هو عنهم راض بعدما رأى في منامه أن ديكا ينقره ثلاث نقرات و الحديث في الصحيح عند مسلم في كتاب المساجد، و لفظ أحمد رحمه الله في المسند عن عمر رضي الله عنه: “رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي، رأيت كأن ديكا نقر في نقرتين… فقصصتها على أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فقالت: يقتلك رجل من العجم…قال من رواه: “فخطب الناس يوم الجمعة و أصيب يوم الأربعاء”. فكيف يخبر أمير المؤمنين الناس بدنو أجله و يرتب أمر خلافته من فوق منبر رسول الله يوم الجمعة بناء على رؤيا و تعبير امرأة؟.

ـ و من ضربه ما جاء في المسند و رواه ابن ماجة و الدارمي رحمهما الله ورواته ثقات عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها رضي الله عنهم “أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم؟ قالوا نحن اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قال: نعم. فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها. قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد” .

ـ عمل يوسف عليه و على نبينا الصلاة و السلام برؤيا الملك، “قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُون”

ـ خبر ثابت بن قيس رضي الله عنه:

فعن عطاء الخراساني رحمه الله قال : “قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني عن حديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدوني إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) اشتد على ثابت وأغلق بابه عليه….. الحديث إلى أن قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، ويدخلك الله الجنة، فلما استنفر أبو بكر رضي الله عنه المسلمين إلى قتال أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب سار ثابت بن قيس فيمن سار ، فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات ، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قال وأُري رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال:” إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعا نفيسة، ومنْزله في أقصى العسكر وعند منْزله فرس يستن في طوله وقد أكفأ على الدرع برمة ، وجعل فوق البرمة رحلا، فائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها ، فإذا قدمت على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه أن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حلم وتضيعه” .

قال: فأتى خالد بن الوليد رضي الله عنه فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر رضي الله عنه فأخبره فأنفذ أبو بكر رضي الله عنه وصيته بعد موته، فلا نعلم أن أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس” .

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/322) : “رواه الطبراني ، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح ، والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية ، فإنها قالت : سمعت أبي ، والله أعلم”.

ـ و قد ناقش ابن تيمية تواتر الرؤى و تواطؤها في كتابه منهاج السنة في كلام نفيس جدا أسوقه لكل معتبر، يقول رحمه الله: “القول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وجبت ، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال : وجبت وجبت ، فقالوا : يا رسول الله ، ما قولك : وجبت وجبت ؟ ، قال : هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت : وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت : وجبت لها النار ، أنتم شهداء الله في الأرض “. وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا : بم يا رسول الله ؟ ، قال : بالثناء الحسن والثناء السيِّئ.” وقد يكون سبب ذلك تواطؤ رؤيا المؤمنين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل المؤمن الصالح ، أو ترى له، وسئل عن قوله تعالى:”لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم” قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ». وقد فسرها – أيضا – بثناء المؤمنين فقيل : يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، فقال:« تلك عاجل بشرى المؤمن” .

“والرؤيا قد تكون من الله ، وقد تكون من حديث النفس ، وقد تكون من الشيطان ، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقا ، كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم فإن الواحد قد يغلط أو يكذب وقد يخطئ في الرأي ، أو يتعمد الباطل ، فإذا اجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة وإذا تواترت الروايات أورثت العلم ، وكذلك الرؤيا . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها فيلتحرها في السبع الأواخر » . اهـ .

ـ ترتيب ابن تيمية لتلامذته وردا محدودا معدودا لم يؤثر عن رسول الله و إنما ورد أن بعض الصالحين  الشيخ الكتاني رحمه الله كما ذكره الإمام القشيري رحمه الله – رأى رسول الله فأمره به، قال ابن القيم رحمه الله:” سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على ياحي يا قيوم لا إله إلا أنت كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الصبح أربعين مرة أحيى الله قلبه”. مدارج السالكين ج3 ص 264

ـ أورد الشاطبي في الاعتصام أن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال له : اذهب إلى موضع كذا فاحفره فإن فيه ركازاً فخذه لك ، ولا خمس عليك فيه ، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع ، فحفره فوجد الركاز فيه ، فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأن لا خمس عليه لهذه الرؤيا، وأفتى العز بن عبد السلام بأن عليه الخمس ، وقال: أكثر ما ينْزل منامه منْزلة حديث صحيح ، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو حديث “في الركاز الخمس”. فانظر إلى عمله بالرؤيا و إلى عدم الإنكار عليه و انظر إلى فتاوى علماء عصره و مخالفة العز لهم.

ـ في النهاية لابن كثير :12/ 323: ” وفي صفر سنة 542 رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غفر له . قال: فلم يبق خاصٌ ولا عامٌ إلا زاره ، وعقدت يومئذ ثم مجلساً ، فاجتمع فيه ألوفٌ من الناس” .

ـ وفي مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي الحنبلي ص 454: “حدثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخاً صالحاً قال: كان قد جاء في بعض السنين مطرٌ كثير جداً قبل دخول رمضان بأيام، فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف أو سافين ، فقلت: إنما تم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث! فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحق عز وجل لأنه عز وجل قد زارني فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل: يا أحمد، لأنك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. فأقبلت على لحده أقبله ثم قلت: يا سيدي ما السر في أنه لا يقبل قبر إلا قبرك ؟ فقال لي: يا بني، ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم! لأن معي شعرات من شعره! ألا ومن يحبني يزورني في شهر رمضان ! قال ذلك مرتين”.

ـ قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “عمل الصحابة رضي الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي كقول أبي بكر : إنما هو أخواك وأختاك ، وقول عمر : يا سارية الجبل، فأعمل النصيحة التي أنبأ عنها الكشف، ونهيه لمن أراد أنْ يقص على الناس وقال: أخاف أنْ تنتفخ حتى تبلغ الثريا ، وقوله لمن قص عليه رؤياه أنّ الشمس والقمر رآهما يقتتلان فقال: مع أيهما كنت ؟ قال: مع القمر. قال: كنت مع الآية الممحوة لا تلي عملاً أبداً، ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح ومن بعدهم من العلماء والأولياء نفع الله بهم”. الموافقات في أصول الشريعة، ج2، ص 202 .

ـ و قال أيضا رحمه الله: “إنّ جميع ما أعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل، إنما هي مقتبسة من مشكاة نبينا، لكن على مقدار الاتباع، فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوية، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء به الجميع، والعلم الأعلى الذي يهتدى به في سلوك الطريق.ولعل قائلاً يقول: قد ظهرت على أيدي الأمة أمور لم تظهر على يد النبي ولا سيما الخواص التي اختص بها بعضهم، كفرار الشيطان من ظل عمر رضي الله عنه، وقد نازع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته الشيطان، وقال لعمر: “ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك”، وجاء في عثمان بن عفان رضي الله عنه “أنّ ملائكة السماء تستحي منه”، ولم يرد مثل هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما أنهما خرجا من عند رسول الله في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما، حتى تفرقا، فافترق النور معهما، ولم يؤثر مثل ذلك عنه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من المنقولات عن الصحابة ومن بعدهم، مما لم ينقل أنه ظهر مثله على يد النبي عليه الصلاة والسلام. فيقال: كل ما ينقل عن الأولياء أو العلماء إلى يوم القيامة من الأحوال والخوراق والفهوم وغيرها فهي أفراد وجزئيات داخلة تحت كليات ما نقل عن النبي ، غير أنّ أفراد الجنس وجزئيات الكلي قد تختص بأوصاف تليق بالجزئي من حيث هو جزئي ، وإنْ لم يتصف بها الكلي من جهة ما هو كلي ، ولا يدل ذلك على أنّ للجزئي مزية على الكلي … الخ”.

الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، ج2، ص 197 ، 198، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1411هـ- 1991م

ـ سئل ابن حجر الهيتمي كما في الفتاوى الحديثية: هل يمكن الآن الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والتلقي منه؟

فأجاب بقوله: “نعم يمكن ذلك ، فقد صرح بأنّ ذلك من كرامات الأولياء الغزالي والبارزي والتاج السبكي والعفيف اليافعي من الشافعية ، والقرطبي وابن أبي جمرة من المالكية ، وقد حكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً ، فقال له الولي: هذا حديث باطل. قال : ومن أين لك هذا ؟ قال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف على رأسك إني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه فرآه “.الفتاوى الحديثية ص 297 .

و أخيرا، فإني لولا ضيق الوقت و انشغال البال بمهمات من الأمور لأطلت و أسهبت، و لكني أقتصر على ما سبق

لعمري لقد نبهت من كان نائماً وأسمعت من كانت له أذنان

على أني أذكر إخواني و سائر المومنين، أن الرؤى و الكشف و المشاهدة تحتاج كلها إلى التأويل السليم، و أن من يزعم أن الخلافة ودولة الإسلام قائمة في هذه السنة قد أبعد النجعة و خالف قواعد التأويل و الاستدلال. نعم يحدث الله تعالى خلالها أمورا قد تكون مقدمات للفتح القريب إن شاء الله عز و جل. و لنعتبر بسيرة المصطفى صلى الله عليه و سله و هو في طريقه إلى مكة عام الحديبية أنهم يدخلونها، لكنهم صدوا و عادوا بصلح ظنه بعض الصحابة مذلا للشروط الملحقة به، و استحضروا صورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه و هو يعترض طريق رسول الله يسأله أكثر من مرة: أوليس أخبرتنا أننا ندخل مكة. و تذكروا أن الصحابة بعد فتح مكة كانوا يسمون عام صلح الحديبية عام الفتح لفقههم عن الله عز وجل، فللنصر مقدمات قد لا يراها إلا من نور الله قلبه، و أضاء بصيرته، و الله وعد المومنين نصرا و تمكينا و كتب ذلك في اللوح المحفوظ قضاء مبرما والقدر الذي هو تصريف القضاء في دنيا الناس لا يخالف ما أبرم و دون فافهم، و لا تتعجل الثمرة قبل نضجها ولايحملنك استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله لا يعجل بعجلة أحد. و من غالب الله غلبه، و من خادع الله خدعه. و صلى الله على سينا محمد و على آله و الحمد لله رب العالمين.