نور الدين الملاخ – [email protected]

مدير مجلة التواصل-نشرة جمعوية-

فيلم “ماروك” تجربة سينمائية جديدة للمخرجين الشباب المغاربة الذين بدأوا ثورتهم السينمائية الهادئة على الأجيال السابقة، بمقاربة مواضيع ظلت طابو في هذه السينما الناشئة.

***************

تحت هذا العنوان العريض تعرفت على فيلم “ليلى المراكشي”: (مـــــاروك)

دفعني فضولي لأكتشف هذه الثورة الهادئة التي يعرفها مغرب اليوم من خلال حلبة السينما، والتي يقودها جيل جديد من شباب المغرب على جيل”قديم” !!!

وفي نفس الوقت تساءلت أسئلة كثيرة ومتداخلة:

– ما هي مظاهر وأسباب هذه الثورة الهادئة التي يعرفها المغرب اليوم؟

– من هو هذا الجيل الجديد الذي رفع راية هذه “الثورة” التي وصفت بالهادئة؟

– متى عرفت الإنسانية ثورة.. كان من سماتها الهدوء..؟

أسئلة عديدة وسريعة دفعتني للإطلاع على مضمون فيلم “ماروك” والتعرف على كاتبته ومخرجته الشابة “المراكشي” التي تعيش في العاصمة الفرنسية..

***************

يدور الفيلم حول مجموعة من الشباب المنتمين إلى الشريحة العليا من المجتمع المغربي وبينهم “يوري” الشاب اليهودي الذي يرتبط عاطفيا بفتاة مسلمة، ويظهر الفيلم هذا الشاب بصورة إيجابية إلى جانب موقفه الأخلاقي في رفض ممارسة الجنس مع فتاة لا يعرفها خلافا لما فعله صديق مسلم له. يقابل ذلك صورة شقيقها المتدين الذي يؤدي الصلوات ولا يشرب الخمر والذي عندما يعرف بعلاقة شقيقته بالشاب اليهودي يضربها!!!

كما تتبعت آراء النقاد -من أهل الميدان- ومما جاء في بعضها خلال ندوة عقدت إثر عرض فيلم “ماروك” في المهرجان الثامن للسينما الوطنية المغربي في مدينة طنجة تحت إدارة الناقد إدريس الجعيدي، اعتبر الناقد وأستاذ علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس محمد الدهان أن الفيلم «يخدم أهدافا صهيونية ويجعل من الشخصية اليهودية القوة المتميزة القادرة على الوصول إلى أي مكان تريد».

واعتبر ناقد مغربي رفض ذكر اسمه أن المخرجة وهي كاتبة السيناريو أيضا «جعلت من الشخصية اليهودية بطلا وضحية وجعلت من المغاربة التوابع والخدم واللصوص وبائعي الحشيش بطريقة لم يستطع أي فيلم أجنبي أن يقدمها عن بلادنا».

ولكنه في نفس الوقت يؤكد أنها «قد تكون نقلت صورة حقيقية فيما يجري في صفوف الطبقة العليا في المجتمع المغربي الذين يتحالفون مع التجار اليهود» حيث أن الشاب اليهودي المغربي في الفيلم لا علاقة له بإسرائيل.

***************

وما فاجئني هو رد المخرجة الشابة على نقادها في ندوة صحفية قائلة: “إن “ماروك” بورتريه للشباب المغربي الميسور، الذي يعيش على الطريقة الغربية ويظل متشبثا بتقاليد بلده.” وذهبت إلى أن مدينتها الدار البيضاء تجسد تناقضات المغرب المعاصر. وبررت اختيارها لسنة 1997 لأنها كانت تبلغ 18 سنة، وكانت تستعد لاجتياز امتحانات الباكالوريا مثل الشخصية الرئيسية في الفيلم، وأوضحت أنها عاشت في هذا العالم المنافق… قائلة: “لسنا أجانب، أردت أن أظهر أنه رغم غموض وتناقضات الشباب يظل متشبثا بانتمائه”.

كما صرحت أن الفيلم ليس سيرة ذاتية بمعناها العام، فهو تراكم لتجارب ومستملحات واقعية، “أثناء كتابة السيناريو، التقيت أصدقائي وحكوا لي تجاربهم ومغامراتهم، ثم بنيت الفيلم على علاقة الحب بين يوري وغيثة”. وأوضحت أنها حرصت لإعطاء قوة للفيلم أن تختار بعض الممثلين من هذا الوسط، ويحرص على محاكاة الواقع خاصة بتوظيف حوار واقعي قد يصدم أصحاب النيات السيئة…

***************

هذه هي الثورة الهادئة التي يعرفها مغرب اليوم: ثورة وتمرد على القيم الدينية واستهتار بمشاعر الشعب المغربي وثوابته، التي جعلها الفيلم قاعدته ومنطلقه بل ورسالته الفنية.

استفزاز للأمة الإسلامية في عقيدتها باسم التسامح الديني وتعايش الثقافات، ولو بعرض مشاهد تخدش في الأعراف فما بالك بالأخلاق. الهدف من ذلك كله هو إثارة ردود فعل فلكلورية تحدث ضجيجا وصخبا مدويا ونقاشا عقيما سرعان ما يخفت صوته أمام “حكمة” من انتسب لإبداع الفكر ولحرية الثقافة…

إنها فعلا ثورة هادئة نجاحها يراهن على خلق حراك ثقافي ينقل من خشبة المسرح والشاشة الكبرى إلى ميدان الواقع المعيش. واقع يعرف حقيقة مشاهد الفساد والمخدرات والمنكرات المخزية المخجلة… لكن أسبابها فقر وبطالة واستقالة مؤسسات التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد عن أداء واجبها اتجاه هذا الشباب الضائع.

أين هو دور المدرسة؟

المدرسة أصبحت أبوابها وكرا للفساد والإفساد وبيع المخدرات وهتك الأعراض.

أين هو دور المجتمع المدني؟

جمعيات عديدة من واجبها توجيه الشباب، تربيتهم على الفضيلة وترك الرذيلة، استثمار الوقت واكتشاف الطاقات الكامنة. 40000 جمعية في مغرب اليوم … لكن لا تكاد تجد فيها راحلة. بينما الجمعيات التي تقوم فعلا بهذه الأدوار المذكورة، فمآلها الحصار وتصنف بالضرورة ضمن جبهة الأصوليين “الظلاميين””.

فكيف بهذا الشباب أن يعرف طريق الاستقامة والطهارة، إلا من رحم ربك.

سلوك الانحراف والشذوذ عند الشباب، أصبح مادة أولية تضمن رواجا في سوق التجارة السينمائية الموجهة لضمان صراع بين فاعل قوي باستراتيجيته المدعومة ومنفعل ضعيف بردود أفعال لا تتجاوز الاستنكار والاستهجان، ولا ترقى لتصبح قوة اقتراحية فاعلة ومتفاعلة.

بذلك يسقط الممتعض في فخ التصنيف الإقصائي، ويرقى المبتهج إلى معالي النجومية ويحظى برضى من يتغذى من صراع المجتمعات. فالأول- حسب زعمهم- في دائرة الأصوليين الظلاميين رافض لكل ثقافة ليست من جنسه، بينما الثاني فهو في جبهة الحداثيين الديمقراطيين المتشرب لمعاني التسامح والانفتاح.

بين الدائرتين تكونت فجوة عميقة، تمزق جسم الأمة وتفصل الثقافة المغربية عن جذورها وقيمها الإسلامية. كما أصبح أحفاد يوسف بن تاشفين وجنود عبد الكريم الخطابي وتلامذة علماء القرويين وابن يوسف في واجهة عراك تحت راية عمية: “الثورة الهادئة”… بعدما كانوا في صف واحد يتلقوا العلم الصافي وفي خندق واحد يتصدوا لعدو واحد وعلى أعتاب منبر واحد يتعلمون محبة الله ورسوله.

لن أسقط في فخ التصنيف الاستئصالي بالهجوم على هذا المنتوج الضعيف بكل المقاييس والمتمرد على القيم الدينية، لأن ذلك من شأنه تحفيز معاقل الفتن على رفع معاول الهدم على تعميق الجرح في جسم ينزف ويعاني من جرثومة خبيثة كامنة في أحد أعضاءه.

***************

لكن هي دعوة لكل غيور على الثقافة المغربية وكل مبدع لحوار مفتوح هادئ غير متشنج للمساهمة في بناء مجتمع سليم.

فالمسرح والسينما والغناء… فنون و إبداع.

للفن رسالة نبيلة: بناء الإنسان والمجتمع، وهي لا تعني ألا نصور الواقع بمعضلاته وظواهره، لكنها لا تعني أيضا تدمير الثوابت المجتمعية.

الفن سمت حسن في القول والفعل والحال، وذوق رقيق راق في الاختيار والأسلوب.

الفن دعوة للحب، ودعوة للتأمل في الآفاق وفي الأنفس بقلب متنور وعقل متدبر وإحساس مرهف… من أجل تحطيم العوائق التي تقوم حاجزا بين الإنسان وبين حقه في اقتحام عقبات نفسه وتحديات واقعه. هكذا عرف المغاربة الفن وعشقوا المسرح والسينما.

فما سبب هذه الطفرة الفجائية في الإبداع المغربي الذي صفق له جمهور “كان” وأثار حافظة “الفنان محمود حسن الجندي” والمخرج “العسلي” والفنانة المقتدرة “ثريا جبران” واللائحة طويلة… بينما بقي السيد الوزير صامتا، والشعب المغربي مندهشا !!!