المقال الآتي كان ردا على ما جاء في صحيفة “الأيام” التي أرسل إليها، ولكنها رفضت نشره! رد علمي لبيان جهالات كاتبه في علم الحديث، وليس دفاعا عن الأستاذ عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان؛ لأن الأستاذ غني أن ينتصب مثلي عنه محاميا إذ حسبه خبر من عادى لي وليا، ولأن الجماعة بحر “وما ُيضير البحر أمسى زاخرا *** أن رمى فيه غلام بحجر”.

جاء في صحيفة “الأيام” عدد 205 مقال لشخص تعرض فيه لمسائل تتعلق بعلم الحديث، أساء فيه الأدب مع الصحابي سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعن في أحاديث صحاح أو حسان. وربما ظن صاحب المقال أن قراء “الأيام” ليس منهم من له بعض إلمام بعلم الحديث، فأخذ يفضح جهله ويَهْرِِف بما لا يعرف.

وإلى القراء الكرام أقدم اعتذاري إن بدت لهم بعض الحدة في مقالي والتي ما هي إلا نوع صَرْف لعُمْلة صاحب المقال الذي إليه أهدي هذه الكلمات.

أيها الحطّاب، يا من اعتبرت نفسك حاطبا بالنهار واتهمت غيرك أنه بالليل يحطب، إن أردت ثلب الصّحاب، فخذ فأسك واقصد الغاب، ولتحطب كما حطبت امرأة أبي لهب. وإن لم تتب أخشى عليك من عاقبة من تَبّ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم يا حطّاب؟

ولتعلم لولا تهجمك على سفينة الصاحب، عليه الرضوان وكلِّ الأصحاب، لما كان لعطاسك المكتوب تشميتٌ من مكروب، غارقٍ في البلاء بما جناه عليه أصل البلاء.

فأما قصور فهمك للفرق بين الخلافة والملك، بين الشورى والاختيار الحر للحاكم الفاضل وبين العض على الحكم بالنسل، وسقطاتك في حديث الخلافة على منهاج النبوة المروي عن النعمان بن بشير، فلن أستطيع لكل ذلك معالجة في هذا الرد السريع – خصوصا إن كنت مصابا بعدوى ذهنية القطيع – لأن الخرق فيها متسِّع على الراقع، ولأن صفحة جريدة ليست فيها لذلك سعة.

وأما هذيانك في نقد الرجال، والخبط في مهمه العلل، وجرأتك على الطعن في الأحاديث وأنت من الأحداث، ونفيك للكرامات ورمي صاحبها بالمَلامات، فذاك ما سأحاول بيانه ودحضه.

ولتعلم أن قصورك وهذيانك وكل جهالاتك التي سوّدت بها كاغد مقالتك نقائصٌ فيك تشهد بفضل وكمال من قذفتهم بفيك، وقد قال المتنبي:

وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل.

السقطة الأولى:

تقول “سفينة شخص زعم أنه مولى رسول الله…”.

كأني بك تشكك في كون سفينة صحابيا باستعمالك فعل “زعم” الذي وإن كان يستعمل في قول الحق، إلا أنه عند أهل العربية يقال للأمر الذي شُكَّ فيه فلا يُدْرىَ لعله كذب أَو باطل كما أورده صاحب لسان العرب عن اللّيث، وقال صاحب القاموس المحيط عن فعل زعم” أكثرُ ما يقالُ فيما يُشكُّ فيه”.

فلتعلم أن سفينة صحابي من صحابة رسول الله عليهم الرضوان كما أثبت ذلك جهابذة حفاظ الحديث أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال في كتابه “الإصابة في تمييز الصحابة”: سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم… وكان أصله من فارس فاشترته أم سلمة ثم أعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أم سلمة وعلي. والحافظِ ابن عبد البر الذي قال في “الاستيعاب”: سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. قيل: أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: أعتقته أم سلمة. وكذا الحافظِ ابن الأثير في “أسد الغابة” وغيرهم.

بل هذا أبو بكر بن شيبة – سيد الحفاظ كما وصفه الذهبي – الذي روى عنه مسلم حديث سفينة في القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة والوضوء يشهد لسفينة أنه صاحب رسول الله كما أورد ذلك مسلم. وهذا يعني أن مسلم كذلك يقر بصحبة سفينة للنبي عليه السلام.

السقطة الثانية:

أما قولك عن سفينة أنه زعم أن النبي عليه السلام هو من لقبه بذلك وسوقك لحديثه الذي فيه أنه بسط كساءه وجعلوا فيه متاعهم فحمله، ثم دعواك بعد ذلك أن هذا الحديث من أحاديث سفينة المنكرة الغريبة، فلتعلم أنه حديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال عنه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق عليه الناقد الخطير الذهبي قي التلخيص بقوله: صحيح. فأين أنت من الذهبي المتشدد الذي صحح الحديث بينما أنت تضعفه؟!

السقطة الثالثة:

روى الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن حُجْر عن ابن علية عن أبي ريحانة عن سفينة الحديث الآتي، كما رواه مسلم عن أبي بكر بن شيبة عن إسماعيل بن عُلَيَّة عن أبي ريحانة عن سفينة (قال أبو بكر- أي ابن شيبة- صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد، وفي حديث ابن حُجر أو قال: ويطهره المد. وقال: وقد كان كبر وما كنت أثق بحديثه.

لقد ظننتَ أنك اكتشفت علة قادحة في حديث سفينة تتمثل في اختلاطه عند الكبر معتمدا على مقالة “وقد كان كبر وما كنت أثق بحديثه” والتي قال فيها النووي شارح مسلم بأن الذي قالها هو أبو ريحانة، والذي كبر هو سفينة.

إلا أن القاضي عياض شارح صحيح مسلم قبل النووي سبقه عندما قال في تلك المقالة: يعني بذلك- والله أعلم- سفينة. وصيغة القاضي توحي بأن ما فهمه من كون سفينة هو الموصوف بالكبر وعدم الثقة مسألة اجتهد فيها ولا قطع ولاجزم له فيها.

لكن هنا يطرح تساؤل: هل فعلا أبو ريحانة هو القائل” وقد كان كبر وما كنت أثق بحديثه”؟

قبل دراسة هذا التساؤل أنبهك إلى خلط وقعت فيه، وهو أنك قلت أن الحديث معلول بعلة قادحة توجب ضعفه ثم أوردت تعريف العلة عند المحدثين بكونها سبب خفي يوجب الطعن في صحة الرواية وقلت أن “سفينة حين حدث بمزاعمه كان طاعنا في السن” بمعنى أن العلة التي “اكتشفتها” هي أن سفينة حدث بحديثه بعد أن اختلط. فاعلم أن الاختلاط ليس سببا خفيا، وعلى هذا فالحديث ليس معلولا اصطلاحا وإن كان الاختلاط يعتبر علة يجرّح الراوي بها لأنه كما قال ابن حجر في”النكت على كتاب ابن الصلاح”:المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو غير خفية، ولهذا قال الحاكم: “يُعلّ الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل”.

ثم من أنت حتى تتكلم في علم العلل وهو كما قال عنه ابن حجر في “النكت”: هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم… وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: “وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث”.

” الاحتمال الأول:

إن كان أبو ريحانة هو القائل، فظاهر أنه يعني سفينة. وفي هذه الحالة: هل أبو ريحانة قد عُدّل وسلِم من التجريح حتى نثق بقوله؟

– أولا: إن أبا ريحانة لم يرد عند مسلم في سند غير هذا، فمثله مثل سفينة في كون المخرّج لهما في صحيح مسلم حديث واحد هو هذا الحديث المذكور أعلاه. إلا أنه إن كان أبو ريحانة عزيز الرواية لم يُخرَّج له إلا الحديث السابق وحديث النهي عن معاقرة الأعراب عند أبي داود، فسفينة رُوي له في مسند بقي بن مخلد أربعة عشر حديثا كما قال الذهبي، وحديثه أخرجه أصحاب السنن .

– ثانيا: إن أبا ريحانة قد جُرّح؛ فقد ذكره النسائي في “الضعفاء والمتروكين” وقال عنه: ليس بالقوي، وأورده الذهبي في “المغني في الضعفاء” وكذا ابن عدي في “الكامل في الضعغاء”، وابن حبان وإن ذكره في الثقات إلا أنه قال عنه: ربما أخطأ.

ومثل هذه التجريحات تجعل ما قاله أبو ريحانة في حق سفينة محل نظر.

– ثالثا: الذين عدّلوا أبا ريحانة لم يبوئوه مرتبة التعديل الأولى التي هي مرتبة الثقة؛ فقد ذكر أبو حاتم في”الجرح والتعديل” عن يحيى بن معين أنه قال عن أبي ريحانة: صالح، يعني آخر مرتبة من مراتب التعديل. وسئل عنه ابن أبي شيبة فقال: صالح وسط ليس به بأس. وقال عنه ابن حَجَر في “التقريب”: صدوق، أي دون مرتبة الثقة الذي يحتج بحديثه. وهذا يجعل مقالة أبي ريحانة في حق سفينة لا يحتج بها.

– رابعا: إذا علمنا أن ابن حجر الذي عدّل أبا ريحانة قد رماه بالاختلاط فقال عنه في “التقريب”: تغير بأخرة، أمكننا القول بأنه يحتمل أن يكون أبو ريحانة قد قال مقالته بعد أن تغير واختلط، وفي هذه الحالة لا ثقة في مقالة أبي ريحانة.

يتبين مما سبق أنه على افتراض أن أبا ريحانة هو الذي اتهم سفينة بالاختلاط، فالتهمة غير ثابتة في حق سفينة لكونها قد صدرت عن رجل واحد غير ثقة. وإن سلمنا جدلا بكون أبي ريحانة ثقة، فقد اختلط ولا ندري متى قال مقالته أقبل الاختلاط أم بعده.

” الاحتمال الثاني:

إن لم يكن أبو ريحانة هو القائل، فالقائل إذن يوجد تحت أبي ريحانة في سلسلة السند، وقوله موجه لمن سمع عنه الحديث، حينها لن يكون المقصود بتهمة الاختلاط سفينة مادام أبو ريحانة ليس بالقائل وهو الذي سمع من سفينة.

وهذا الاحتمال الأخير هو الذي يبدو راجحا وهو أن أبا ريحانة لم يقل “كان كبر وما كنت أثق بحديثه”، فانتفت تهمة الاختلاط عن سفينة. ولكون أبي ريحانة قد اختلط فهو المقصود بالمقالة.

ولقد حمدت الله عندما عثرت على ما يعضد ترجيحي وذلك لما وجدت الناقد البصير ابن حَجَر يضع المقالة المدرجة في موضعها الصحيح ويقول في”تهذيب التهذيب”: وقال مسلم في صحيحه حدثني علي بن حُجْر ثنا بن علية أخبرني أبو ريحانة وكأنه قد كبر وما كنت أثق بحديثه.

وبهذا يتضح أن الذي قال “كان كبر وما كنت أثق بحديثه” هو ابن علية ويعني بمقالته أبا ريحانة. فأبو ريحانة هو الذي اختلط وتغير، ومن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه صالح.

السقطة الرابعة:

أما فيما يخص ما قلته عن حديث سفينة “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” بأنه مختلق مولد، فالكلام فيه معك من وجوه:

– الوجه الأول: بعد بيان أن تهمة اختلاط سفينة مردودة، وجب الرجوع إلى البراءة الأصلية وهي أن الصحابي سفينة ثقة، وحينها تسقط علتك المزعومة ويبطل تضعيفك للحديث إن سلمنا أن لك من العلم ما تستطيع به التضعيف.

– الوجه الثاني: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن؛ أما الترمذي ففي كتاب الفتن وقال عنه حديث حسن، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة وسكت عنه مما يعني أنه على شرط الصحة أو هو من قبيل الحسن مادام أنه من رواية من لم يجمع على تركه كما فسر ابن حَجر في “النكت” المسكوت عنه عند أبي داود، وأخرجه النسائي في كتاب المناقب. كما أن ابن حبان أخرجه وصححه، وأخرجه الحاكم في المستدرك ولم يعلق عليه الذهبي في التلخيص.

أما الحافظ القاضي عياض، وما أدراك ما القاضي عياض، لما تعرض في كتابه”إكمال المعلم” لشرح حديث مسلم الصحيح الذي رواه جابر بن سمرة:”إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة” قال أن قول النبي عليه السلام” اثنا عشر خليفة” يعارضه ظاهر قوله “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا” لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن بن علي رضي الله عنهما. و قال بأن الجواب على ذاك الاعتراض أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة.

إذن حديث الخلافة الذي رواه سفينة فيه من قوة الثبوت ما يعارض حديثا صحيحا، ولو كان ضعيفا لقصر عن المعارضة ولرجّح القاضي حديث جابر بن سمرة ولما اضطر إلى درء التعارض الظاهر بالصيرورة إلى الجمع. فها هو القاضي نفسه الذي كان كما رأينا من قبل قد ظن أن المعني بمقالة” وقد كان كبر وما كنت أثق بحديثه” هو سفينة لم يضعف حديث سفينة بل تعامل معه باعتباره صحيحا يعارض حديثا آخر صحيحا.

وذكر ابن تيمية أن الإمام أحمد اعتمد على حديث الخلافة الذي رواه سفينة في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة و ثبّته واستدل به على من توقف في خلافة علي. والحافظ ابن تيمية نفسه يقول في مجموع الفتاوى: ثبت عن النبي أنه قال تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا.

بعد أقوال هؤلاء الحفاظ الفطاحل الذين صححوا الحديث أو حسنوه وهم الترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان والقاضي عياض والإمام أحمد وابن تيمية، وبعد عدم وجودنا – فيما اطلعنا عليه – لأحد من أهل فن الحديث المعتمدين قد ضعفه، كيف نقبل هَذَر نَكِرة مُنْكرة من نكرات العلم والمعرفة يجَعْجع بلا طِحْن ويخوض فيما ليس له به علم.

نعم من كان من المتأخرين مثل العلامة الحافظ عبد الله بن الصديق الذي درس ما يزيد عن خمسين ألف حديث وحصلت عنده ملكة يعرف بها مكان ورتبة كل حديث عرض عليه، فبمقدوره أن يضعف بعض ما ورد في السنن كما ضعف ابن الصديق حديث الأوعال الذي عند أبي داود وعند الترمذي الذي حسنه.

– الوجه الثالث: قلت: “وقد ضعف الحديث كذلك الإمام القاضي أبو بكر بن العربي” واستشهدت بقوله في العواصم من القواصم: “هذا حديث لا يصح”، وهذا وقوف عند ويل للمصلين! فالقاضي قال: “وهذا حديث لا يصح، ولو صح فهو معارض بهذا الصلح المتفق عليه )أي بين الحسن ومعاوية(“.

فابن العربي لا ينفي الصحة نفيا قطعيا بل قد توجد إمكانية كونه صحيحا لقوله “ولو صح”. ثم ماذا فهمت بفهمك السقيم من قوله “لا يصح”؟

لا يصح معناه أن الحديث ليس صحيحا، وإن لم يكن صحيحا فقد يكون حسنا أو ضعيفا. فبنفيه الصحة، يحتمل أن ابن العربي قصد أن الحديث حسن كما يحتمل أنه قصد أن الحديث ضعيف. فلا يجوز ترجيح أحد الاحتمالين بلا مُرجّح، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال كما هو معروف عند الأصوليين.

– الوجه الرابع: أما استدلالك على ضعف الحديث بقول ابن خلدون عنه: ” لم يصح”، فأذكرك كما سبق أن بينت أن غير الصحيح قد يكون حسنا، وليس ضعيفا فقط.

كما أن ابن خلدون وإن كان متقدما في فنون عقلية ونقلية، إلا أنه لم يكن من جهابذة الحديث حتى يذكر قوله في التضعيف والتصحيح، لذلك قولك: ” .. الحديث ضعيف لا يثبت .. لذلك قال المؤرخ المحقق ابن خلدون .. لم يصح” ينمّ عن جهل وبلادة لأن علم الحديث ليس تاريخا، ولكل ميدان فرسانه.

بل تعال يا غُمر أوريك أن ابن خلدون نفسه في موضع آخر من مقدمته ينسب الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول في الفصل السادس عشر من الباب الرابع من مقدمته: “إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللبث. قال صلى الله عليه وسلم:الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تعود ملكا عضوضا. (انظر المقدمة. دار الكتب العلمية. ط.1993)

السقطة الخامسة والسادسة:

أوردت ما جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر عن سفينة أنه لما اعترض طريقه أسد قال له سفينة: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فولى الأسد وأقعى ذنبَه يهمهم. وفي رواية: فدفعني برأسه فجعلت أندفع حتى أوقفني على الطريق.

بعد هذا قلت: “وهذا منكر للغاية يوجب الاتهام بتعمد الكذب لكن صاحبه الراوي عنه (أي أبو ريحانة) عزا تخريفه إلى الكبر واختلاط العقل”.

فالحديث في ظنك مكذوب عن النبي، لكنه كذب غير متعمد لكونه قد صدر عمن اختلط.

هذا “التخريف” القاضي بمحادثة الإنسان للأسد ثم فهم الأسد الكلام ومساعدته للإنسان بدل افتراسه، لحفاظ الحديث وعلماء أهل السنة والجماعة فيه رأي يخالفك:

– أولا: أخرج الحاكم في المستدرك عن سفينة قال: ركبت البحر في سفينة فانكسرت فركبت لوحا منها فطرحني في أجمة فيها أسد فلم يرعني إلا به فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه شقي فما زال يغمزني ويهديني إلى الطريق حتى وضعني على الطريق فلما وضعني همهم فظننت أنه يودعني.

قال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه (يقصد البخاري ومسلم)، وعلق عليه الذهبي في التلخيص بأنه صحيح.

فالحاكم والذهبي يصححان ما سماه هيّان بن بيّان تخريفا.

وهذا الحافظ ابن تيمية يثبت “خرافة” سفينة مع الأسد فيقول: “وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده”.

كما أخرج ذلك الحديث الذي اعتبرته كذبا غير متعمد أيضا البخاري في التاريخ الكبير وعبد الرزاق في مصنفه وأبو نعيم في الحلية والطبراني في الكبير. ولو كان مختلقا مكذوبا لما رووه أو لوجب عليهم بيان كذبه إذ رووه، لأن الحديث الموضوع كما قال ابن الصلاح في مقدمته: “لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة”.

– ثانيا: إن لم تتسع حويصلتك لتصديق أن إنسانا يكلم أسدا فيتفاعل معه الأسد ويذعن له، وإن لم تكن من أهل السنة والجماعة وكنت من المعتزلة، فلا تُضع وقتك في قراءة ما سيأتي إذ لن يفيدك في شيء.

هذه الظاهرة غير الطبيعية ومثيلاتها التي تخرق ما اعتاده الناس وتعطل الأسباب التي جعلها الله في الكون تسمى كرامات. فهل هذه الكرامات، ومنها كرامة سفينة التي أنكرتها، تخريفات وخرافات أم هي حق وصدق؟

يقول إمام الحرمين الجويني في كتابه “الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد”: فالذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادات في حق الأولياء، وأطبقت المعتزلة على منع ذلك. وقال صاحب “العقيدة الطحاوية” عن الأولياء: ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم. وروى الخلال في “العقيدة” عن الإمام أحمد أنه كان يذهب إلى جواز الكرامات. وجاء في “الفرق بين الفرق” أن جمهور أهل السنة والجماعة قالوا بجواز ظهور الكرامات على الأولياء.

إذن من كان من أهل السنة والجماعة لا من المبتدعة لا يسعه إلا الإيمان بكرامات الأولياء، والصحابة هم سادة الأولياء أمثال سفينة وغيره.

وها هو القرآن يقص علينا كرامة أهل الكهف الذين ما كانوا أنبياء ولكن فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى”ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا”، إنهم ناموا ثلاثة قرون ثم استيقظوا ظانين أنهم ما ناموا إلا يوما أو ساعات منه.

ولمن أنكر قصة سفينة مع الأسد ننقل نزرا من الكرامات، لا عن الصوفية المولعين بالحديث عن الكرامات، بل عن حافظ من أهل الحديث وعبقري في العلوم العقلية، تحت لوائه تخاض الحروب ضد الصوفية، ألا وهو الشيخ أحمد بن تيمية.

يقول ابن تيمية في كتابه “أولياء الرحمن وأولياء الشيطان”:

وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا… كان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها… وقصة الصديق في الصحيحين لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا … وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها… والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين … دعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد. وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار… طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.

وكان عمر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها، ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحيي من الله أن أخاف شيئا غيره، ومرت… وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه فلما وصل إلى بيته قال: يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية وأخذ سرجه فمات الفرس… وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة (أي غابة) بالليل فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير.

وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره… وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر فأظلته غمامة، وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم…

وكان إبراهيم التميمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا.

هذه “الخرافات” التي منها قصص عمر بن عبد قيس وصلة بن أشيم وعمرو بن عقبة مع الأسد كما قصة سفينة يؤمن بها أولو الألباب ذوو القلوب المبصرة، وقد قال عز وجل”لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”، فتزيدهم إيمانا بأن الله على كل شيء قدير” أما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم”.

أبو القاسم التنوري

أحد معتقلي العدل والإحسان الاثنى عشر

سجن بوركايز بفاس