في أحدث مبادرات الأقلية المسلمة بالمملكة الدانمركية للرد على إساءة الصحيفة اليمينية المتطرفة «ييلاندز بوستن» لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم تعتزم إحدى عشرة مؤسسة إسلامية بالدانمرك رفع دعوى قضائية أمام أعلى جهات الادعاء بالبلاد، بعد أن رفض يوم السبت 07-01-2006 مدعٍ عام محلي قبول هذه الدعوى. وبما أن القانون الدانمركي يتيح الشكوى للنائب العام بالمملكة، كفرصة أخيرة لقبول القضية فإن قادة الأقلية المسلمة بالدانمرك يلوحون بمنحها البعد القاري برفعها أمام لجنة حقوق الإنسان بالاتحاد الأوربي، إذا لم تؤت دعاواهم داخل الدانمرك ثمارها.

لقد كان المحرض الأول على جريمة الإساءة لشخص سيدنا رسول الله صلى الله عليه التي نتحدث عنها مؤلف كتب أطفال دانمركي ألف كتابا عن الإسلام وأصر على أن يضع على غلافه صورة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبعد رفض رسام الكاريكاتير المكلف بإعداد الغلاف رسم هذه الصورة، نشر المؤلف يوم 03-09-2005 إعلان مسابقة لرسم الرسول صلى الله عليه وسلم بصحيفة «ييلاندز بوستن» اليمينية المتطرفة والتابعة للحزب الحاكم، فتجاوب معها إثنا عشر رساما كاريكاتيريا وأرسل كل منهم صورة تخيلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت كلها تعكس نظرة سوداوية للإسلام وحاقدة على المسلمين عموما وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا، إذ تظهره إحدى الصور، عليه أفضل الصلاة والسلام، مرتديا عمامة على هيئة قنبلة. وقد قامت الصحيفة المذكورة بنشر الصور التنثي عشرة يوم 30-09-2005 ولم تكتف بذلك بل نشرتها على موقعها على الإنترنيت.

ورغم جميع المحاولات التي قامت بها الأقلية المسلمة بالدانمرك والمؤسسات التي تمثلها، ورغم احتجاج عدد من السفارات والمؤسسات الإسلامية والعربية، ورغم تدخل عدد من عقلاء الدانمركيين فإن الصحيفة المعنية والحزب الحاكم التابعة له يرفضان أي اعتذار ويصران على تصنيف جريمة الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي اقترفت ضمن حرية التعبير.

فمباشرة بعد تلك الجريمة، صدر عن الأقلية المسلمة سيل من الانتقادات الحادة، وأصر ممثلوها على أن تلك الرسوم تمثل اعتداء على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيمته لدى المسلمين، وطالبوا الصحيفة بتقديم اعتذار رسمي. وقد توج ذلك في منتصف أكتوبر 2005 بتظاهرة في “كوبنهاجن” لحوالي 5000 مسلم من الدانمرك طالبوا باعتذار الصحيفة.

كما تقدم سفراء في الدانمرك من كل من باكستان، وإيران، والبوسنة والهرسك، وإندونيسيا وبعض الدول العربية يوم الخميس 20-10-2005 بخطاب احتجاج لرئيس الوزراء «أندرس فو راسموسن» طالبوا فيه الصحيفة بالاعتذار. كما أكدوا رغبتهم في لقائه لإبلاغه قلقهم حيال ما يعتبرونه «حملات ضد الإسلام والمسلمين في الدانمرك». إلا أن “راسموسن” رفض لقاءهم وأجابهم في رد مكتوب أنه لن يتدخل في تلك المسألة بدعوى أن حرية التعبير هي من أهم أسس الديمقراطية الدانمركية، مضيفًا أن الدبلوماسيين بإمكانهم اتخاذ إجراءات قانونية.

وقد هاجم إثنا وعشرون دبلوماسيًّا دانمركيا، جميعهم من السفراء السابقين الذين عملوا في دول إسلامية يوم الثلاثاء 20-12-2005 هجوما شديدا رئيس وزرائهم أندرس “فو راسموسن” لرفضه طلب سفراء الدول الإسلامية والعربية الإحدى عشرة للقائه وقالوا: «إن الحريات الدينية وحرية التعبير هما بين الحريات التي يضمنها الدستور.. لكن استخدام حرياتنا لإهانة أقلية دينية عمدًا ليس من السمات الدانمركية».

كما قامت الأقلية المسلمة بالدانمرك بإيفاد وفود إلى الدول العربية والإسلامية للاجتماع بالمسئولين والشخصيات البارزة بهدف حشد الدعم اللازم لتحويل قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم إلى قضية حقوقية دولية، وقد أثمر ذلك ما يلي.

فقد قالت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «ايسيسكو» في بيانها الصادر بتاريخ 13-10-2005 أن ما نشرته الصحيفة «من رسم مزعوم لشخص النبي الكريم … لا يعد تعبيراً عن حرية الرأي والمعتقد، كما أنه ليس من حقوق الإنسان». وطالبت «ايسيسكو» باعتذار الصحيفة «للمسلمين في أنحاء العالم كافة». وأشارت إلى «أن ذلك يعد تجديفاً وبهتاناً على شخص الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم». وأكدت أن التطاول على شخصية الرسول … هو خرق للقانون الدولي الذي يمنع المساس بالمعتقدات الدينية للشعوب، فضلاً عن أن ذلك تطاول على مقدسات المسلمين واستهتار بها، لما في ذلك من نشر للكراهية والبغضاء، وتهديد للاستقرار والأمن والسلام». واعتبرت «ايسيسكو» أن 1.3 بليون مسلم في العالم يرون في هذا التطاول على نبيهم المختار من صحيفة دانمركية عدواناً عليهم جميعاً.

وأكد وزراء الخارجية العرب في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم المنعقد يوم 29-12-2005، أنهم ناقشوا “ما قامت به صحيفة “جيلاندز بوستن” الدانمركية من دعوة أعضاء نقابة الرسامين لرسم صورة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، نشرت بالفعل تحت دعوى أن الدين والمعتقدات ليست بمنأى عن الحوار الديمقراطي أو حرية التعبير عن الرأي”. وأضاف البيان أن الوزراء عبروا عن “رفضهم وإدانتهم لهذه الإساءة التي تتنافى مع احترام وقدسية الأديان والرسل ومع قيم الإسلام السامية”، وأبدوا “استغرابهم واستياءهم لرد فعل الحكومة الدانمركية الذي لم يكن على المستوى المطلوب رغم ما يربطها من علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية مع العالم الإسلامي” وكذلك عن “دهشتهم واستيائهم من عدم اتخاذ بعض المؤسسات الأوروبية العاملة في مجال حقوق الإنسان موقفا واضحا وصريحا حول هذه الإساءة”.

وقد قالت الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في بيان صحافي صادر يوم 04-01-2006 أنها قررت مقاطعة تظاهرة ثقافية دانمركية حول الشرق الأوسط وطلبت من أعضاء المنظمة مقاطعتها، احتجاجا على الإساءة إلى الرسول الكريم من خلال رسوم كاريكاتورية نشرت في الدانمرك. وجاء في البيان انه بعد نشر صحيفة دانمركية «رسومات غير لائقة تمثل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وعدم استجابة السلطات الدانمركية للتعامل مع هذا الموضوع بطريقة مجدية، قررت منظمة المؤتمر الإسلامي مقاطعة المشروع الثقافي (صور من الشرق الأوسط) الذي سيقيمه المركز الدانمركي للثقافة والتطوير وتموله جزئيا الحكومة الدانمركية» في الدانمرك. وأضاف البيان أن الأمانة العامة للمنظمة بعثت مذكرة إلى المركز الدانمركي تشير فيها إلى إن «نشر تلك الصور أساء إلى مئات الملايين من المسلمين عبر العالم كما أن تعامل السلطات الدانمركية مع هذا الحدث زاد في مشاعر السخط والغضب في العالم الإسلام».وتابع أن «تعمد نشر تلك الصور عمل قصد به المس بمشاعر المسلمين واستثارتها ولا يمكن اعتباره عملا بريئا يدخل في نطاق حرية التعبير التي يؤمن بها الجميع». وأكد أن المنظمة «طلبت من جميع دولها الأعضاء ومؤسساتها الثقافية مقاطعة أنشطة المشروع الثقافي الدانمركي المذكور تعبيرا عن احتجاجها على هذا التصرف غير اللائق».

إن كل هذه الاحتجاجات لم تغير من موقف الصحيفة والحكومة الدانمركية الرافض لتقديم أي اعتذار عن الإساءة لشخص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده للمسلمين في الدانمرك وفي العالم كله.