نريد أن نجمع فسمينا هذه المجلة جماعة، فمنها نرجو أن يسمع نداؤنا، لكن معظم الشعب لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم، ولا تتكافأ فرص العمل أمامنا مع فرص رجال الحكم الذين يسيطرون على وسائل الإعلام، ولا مع الأحزاب السياسية ذات الوسائل الطائلة فلنا مشروع عملي ومطالبة أساسية تهدف إلى إعادة حقنا إلينا في غشيان المساجد.

   إن بهذا البلد قريب من خمسة عشر ألف مسجد حسب الإحصاء الرسمي، والحكومة تشكو أن الشعب جاهل وأن الأمية متفشية والإجرام والتعفن الخلقي والمحسوبية والظلم الاجتماعي، رجال الدولة في بلدنا يعترفون بوجود هذه الأمراض، والموظفون الدينيون لم يفلحوا في تعليم الشعب وتخليقه، فلم تتناقض الحكومة مع نفسها حين تمنعنا من التطوع لتعليم الشعب في المساجد؟

   نريدها خطوة ذات مغزى سياسي أخلاقي بدخولنا للمسجد بنية عمل إنجاح قضية الإسلام من خلال الالتحام بالشعب نشرح له الفتنة ونبث النور الإيماني في قلبه واليقظة الروحية، ونبث في عقله الوعي ونجمع من حولنا إٍرادات الخير.

   إنه مشروع عمل يريد التضحية والالتزام وليس مشروع حملة كهذه الحملات المجعجعة التي تموت قبل أن تولد.

   دخولنا للمسجد إن شاء الله خطوة عملية وبداية نشاط للتوعية والإيقاظ ثم التنظيم، وهذه المجلة نريدها أداة تعليم واتصال وتعارف.

   فنحن ننتظر أن تستيقظ الضمائر وتظهر إرادات للتطوع الملتزم، وإنما يعمل معنا من يدرك بعمق أن:

   1. العمل لإنجاح قضية عالية يتطلب تضحية وبذلا للجهود كلها مالية ونفسية وزمانية.

   2. إحراج الأعداء والخصوم بالموقف الصريح هو أسلوب مهم جدا من أساليب العمل، ذلك حتى لا تسول لموظف نفسه أن يمنعها من المسجد كما منعنا منه في شهر رمضان الأخير.

   3. العمل في الميدان هو خير وسيلة للقضاء على الخلافات المذهبية والشخصية التي تفرق الصف الإسلامي.

   مشروعنا للعمل واضح محدد، لكن الآفاق التي يفتحها لنا واسعة، سنجد في المساجد عفوية واستعدادا، وسنجد فيها خصومات مذهبية وشجارات، وسنجد فيها شبابا هرب من الفساد، وآخرين تابوا إلى الله ينشدون طهارة ورجولة، وآخرين عادوا من ماركس، هذا الخليط من الكهول الذين يستعدون للقاء الله، ومن الشباب العطشين إلى الحق هم الشعب، ولن نتخذ المسجد مجالا لمنافقة الشعب وتخديره، وميدانا لإذكاء نار الخلاف، بل ندخل إليه بكلمة المحبة وبشارة نصر الله.

   سنجعل المسجد ثكنتنا لجهاد الفتنة المكتسية بسرابيل الجاهلية المستشعرة بشعارها، لا بأساليب الانفعال والغوغائية لكن بالتربية، لا بدوافع الحقد والغضب لكن بدافع الولاية بين المؤمنين والأخوة المقتضية لبذل المال والنفس لتكون كلمة الله هي العليا.

   فمن المسجد نبدأ، ومن موقفنا هذا ومطالبتنا هذه الأساسية يتميز موقف كل أحد منا، من لم تكن له ذمة تشعره بمسؤوليته أمام الله والناس يأتي المسجد استجابة لندائنا ولا عن استقلال، والحكومة إن كانت تريد احتكار المساجد مع أنها تدين بالديمقراطية تناقض نفسها نقضا فظيعا، وعلى أي فهو موقف لنا واضح حين نطالب بحقنا في تعليم الشعب، وسيكون موقف الناس منا واضحا أيضا سواء منهم من شكك في نياتنا ومن اتخذ أساليب التسلط حيالنا.

   سننتظر بروز النيات الصالحة، ثم لابد أن نتصل لتنظيم دخولنا المسجد والتعاهد على أداء رسالتنا فيه والاستمرار في ذلك الأداء مهما كانت التضحية، فقد يكون من اللازم أن نعصي الأوامر المتعسفة التي تمنعنا من المسجد، وقد يكون من اللازم تحمل عواقب هذا العصيان، عصيان الخلق في مرضاة الخالق، وعن جهاد شريف.

   سننتظر حتى نستجمع صفنا، من شاء أن يعطينا ثقته فما نطلب إليه غير ما نطلبه إلى أنفسنا، ومن هذا الذي نطلبه سعة الأفق، وسعة الصدر، والاستعداد للقاء الله في كل لحظة.

   ومتى استجمعنا صفنا أعلنا بحول الله دخولنا المسجد كموقف هادف في وجه الفتنة التي لم تعلم الشعب وإنما جهلته، وخطوة أخلاقية اجتماعية للالتحام بالشعب الفقير، نخطوها إليه من عليائنا المزيفة، نكسر الحواجز الطبقية التي نصبها بيننا وبين الشعب اعتبارات نحن ضحيتها وصانعوها معا.

   نريد أن نتخذ المسجد رباطا كما كان أول عهد الإسلام نتعلم فيه ديننا ونسوي خلافاتنا وندبر أمر تجديد الإسلام، ومن المسجد ننطلق، وحوله ننظم نشاطنا، للالتقاء بالدفع الإسلامي المتمثل في توقان هذا الشباب المسلم للإيمان وقد عاف واقع الفتنة، المتمثل في الشعور المكبوت التي يملأ قلب الشعب بأن الإسلام وقيمه، وهي قيم الشعب، قد لعب بهما، ذلك التوقان وهذا الشعور عاطفتان من واجب كل مومن له مثقال حبة من غيرة يقظة ووعي أن يسعى ليبني منهما قوة إرادية تؤول إلى ما نحن فيه من ضياع في دنيا الجاهلية من حولنا وخلال ديارنا، وما نحن فيه من فوضى اقتصادية ناهبة، وكراهية اجتماعية يؤجج لظاها الظلم الاجتماعي ويقوم بسدانتها أصحاب الإيديولوجيات الجاهلية في ذهن الملحدين إلا عن طريق القضاء على ديننا الذي يسمونه غيبية وخرافة، ويزعمون أنه سبب تخلفنا وتظالمنا وفشلنا.

   علينا معشر الإسلاميين أن نبرهن بالعمل والنتائج أن الشعب مسلم ولن يتحرك لا مع الإسلام  الواجهة، ولا مع الذين ينصبون أنفسهم وكلاء عنه يلوحون له بشعارات الاشتراكية، الحل الوحيد عندهم أدوائنا.

   علينا أن نفهم أن الموقف الخطير، الذي تقفه الأمة في هذه الفترة من تاريخها متأرجحة متداعية منهزمة، ورطة لن تنجو منها الأمة إلا بالرجوع لدينها رجوعا على أنفسنا بالنقد وإلى ربنا نخلص له الدين.

   إننا جميعا مسؤولون عن ضياع ديننا وإلحاد شبابنا، إننا لم نحكم بما أنزل الله فحق علينا أننا كافرون فاسقون ظالمون حتى نعود إلى الحكم بما أنزل الله، الحاكم والمحكوم في هذه المسؤولية واللعنة يأخذان على حسب ما لدى كل منهما من سلطة وإمكانيات.

   وبما أن هذه الديمقراطية أزالت عنا عذر القعود حين أباحت للناس جميعا أن يتكلموا ويتجمعوا ويتنظموا فإن مسؤولية كل مومن يقعد بعد اليوم كبيرة، وأن نصيبه من لعنة الكفر والفسق والظلم يتعاظم بما أتيح له من إمكانيات فرط فيها.

   تكلموا يا مومنين إن الساكت عن الحق شيطان أخرس في كل الظروف، وإن الساكت عن الحق حين يدعى للشهادة بالحق أشد شيطنة وأحق باللعنة.

   اعملوا يا مومنين لتكون كلمة الله هي العليا، أما تقرأون القرآن؟ إن الله عز وجل ما وصف لنا المومنين إلا وذكر من صفاتهم الجهاد بالمال والنفس، فما بالنا ندعي الإسلام والإيمان ونبخل بكلمة الحق نبلغها الآذان، وننكص من خطوة في الله تقربنا من الله؟

   يجب علينا، أيها المومنون، أن نعرف أن الله عز وجل ما أظهر في الكون هذا الفسق والإلحاد والظلم عجزا عنه سبحانه أن يجعل الناس أمة واحدة على كلمة الحق، لكنه سبحانه ابتلانا بالجاهلية حتى بلغت منا الأعماق فأتاح لنا بذلك فرصة النهوض لنصرته ونصرة دينه، وهي فرصة العمر، وكل لحظة تمر لا نعمل فيها عملا يرضي الله فهي لحظة غفلة وقعود، ومن مجموع غفلاتنا وقعودنا يتكون نظام الجمود والاستكانة والخنوع المخيم على هذه الأمة، نحن الذين ربانا أشياخنا وآباؤنا على الإسلام نسجنا خيوطه وجلينا به أمتنا بسكوتها واستكانتنا إلى هذه العيشة الرخوة المرذولة التي نرهن بها عوضا من حياة الجهاد التي يشرف الله بها من أحب من المؤمنين “ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل”، هذه قولة الإمام المجاهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق الصادق، يا ويلتنا إن تمادينا في العبث والرخاوة والفسولة ! ويا بشرانا إن نهضنا لنتمنطق بالصدق ونستشعر خشية الله ونستظهر محبة المومنين، ذلك لباس التقوى وبه نتسلح لنواجه الظلم الأعظم ظلم الإلحاد والظلم الأقتم وهو الأهون لو قمنا قومة رجل واحد وقلنا كلمة الحق بلسان واحد ودفعنا بيد واحدة في صدر الأوثان.

   نريد أن نوحد صفنا في المسجد وننطلق منه لنحمل إلى كل مسلم وكل مسلمة الدعوة إلى الله، الدعوة للإيمان والجهاد جهاد من أجل أن ينتصر الإيمان على الكبر وينتصر العدل على الظلم، جهاد من أجل أن نكون نحن الذين نمثل، إن قمنا وعملنا، الإيمان والمطالبة بالعدل، لنا وزن في الميدان.

   ولكي يكون لنا وزن وفاعلية ينبغي أن نوحد إرادتنا ونعمل حتى تصبح هذه الإرادة واضحة لنا في صيغتها كمطالبة، وفي شروط تحقيقها كهدف سياسي نجمع له قوانا المبعثرة ونسير إليه مع الشعب في حركة واحدة نحن قادتها الطبيعيون.

   لقد فشل الاشتراكيون في مخاطبة الشعب بلغته، وفشلوا لانقطاعهم عن الشعب في كل تجاربهم، في مصر تحت طاغوتها الغابر وفي غير مصر، فما حققوا الأهداف الاقتصادية الاجتماعية التي سعوا إليها لأنهم ما استطاعوا، ولن يستطيعوا ما داموا جسما أجنبيا عن الشعب، أن يعبئوا القوى الأساسية في دار الإسلام، وهي قوة الشعب المسلم المستضعف الرازح في سلاسل البؤس والاحتقار والذلة.

   علينا أن نحيي في أنفسنا وفي الشعب شهامة الإيمان علينا أن نواجه، انطلاقا من المسجد، قوى الباطل حيثما تجمعت، في مدارسنا وكلياتنا، في إدارتنا الفاسدة، في كل بقعة وكل مؤسسة تدارس فيها كرامة الشعب ويستهان فيها بقيمنا.

   من المسجد نريد أن ننطلق كتائبا لتعبئة القوة السياسية الوحيدة، قوة الشعب المحقور المظلوم، وما هذه التنظيمات الحزبية التي تتملق الشعب بمناسبة الانتخابات إلا تنظيمات طبقية تكذب على الشعب وتعيش على ظهره.

   من الناس من قرأ بعض ما كتبته في الدعوة إلى الله بحكم أنني صوفي متطرف، ومن رجال الدعوة في بلدنا من فرغ من تصنيفنا في أرض الشرك والبدع لما عرف من انتمائنا للصوفية واستصوابنا لتربيتهم، هذه الأحكام والأوهام تنشأ من الحكم على القال والقيل، وكثيرا ما قلنا لإخواننا الأحبة من رجال الدعوة، يا قوم إننا عاشرنا هؤلاء الصوفية أعواما طويلة في الحل والترحال، في النهار والليل، وبلونا حقيقتهم فاطرحوا عنكم القال والقيل واسمعوا شهادتنا ! لكن الثقة ماتت، ومن الناس من هو أسرع إلى التهمة منه إلى اختبار الحقائق، نعم ربانا الصوفية جزاهم الله عنا خيرا، فوجدناهم أصفى الناس قلبا وأسماهم همة وأشدهم إقبالا على الله، ما خاصمنهم إلا في تعودهم على أسلوب الانزواء، ثم سكوتهم عن ترهات يستنبطها بعض الطائشين ممن ينتسبون إليهم ويلصقونها بهم.

   إن الألقاب والأسماء ستور قاتمة تحجب الإسلاميين بعضهم عن بعض، فمن كانت له أفكار صغيرة انحجبت عن إخوته الحقيين وتحزب في طوائف تدعي الهداية لنفسها وترمي بالضلال غيرها، وإنه والله لا جنة إلا بمحبة المومنين ولا إيمان، ما أنا قلتها بل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفشوا السلام بينكم يا أيها المومنون لعلكم تحابوا فتفلحون.

   حاولت الاتصال ببعضكم وكاتبت الآخرين، فمنكم من قال عني: “إنه مصاب بداء خطير”، وهو داء التصوف ومنكم من لم يجب، ومنكم من اعتذر، ومنكم من تمثل بقول الله عز وجل: “قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا”.

   هذه المجلة ومن وراءها ذمم ونيات قليلة عددا كثيرة مددا إن شاء الله تعالى، أريد أن تكون منبرا للتعبير وذريعة للتلاقي والتعارف بين رجال الدعوة أجمعين. ما عششت في عقولنا الأوهام إلا للصمت المفروض علينا كان! وما تفرقنا شيعا وطوائف إلا لأننا، كل من جانبه، تبنينا الخلافات المزمنة العميقة الجذور التي فرقت الأجيال التي ضاع في عهدها الإسلام، اطرحوا الألقاب كلها أو احملوها كلها، نحن رجال مسلمون ورجال تبليغ وصوفية وقرآنيون سنيون، نحن مومنون على كتاب الله ورسوله وكفى، ومجاهدون نريد وجه الله.

   إن الفراغات الثلاثة المطابقة لتنبيهاتي الثلاثة تفتح لنا، معشر الإسلاميين، حيزا واسعا جدا للعمل المجدي البناء:

   أ. فراغ الفتنة في مجتمعنا ليحل محلها الحق والعدل.

   ب. فراغ الفهم للإسلام لنخرج من الإسلام الفردي للإسلام الجهادي.

   ج. فراغ عدم الثقة والأوهام ليحل محله الصدق والمحبة والأخوة.

   وقد آن أن ندعو على هذه الصفحات كل من له قلب ينبض بالإيمان إلى الهجرة من عادات الاستسلام والاستقالة إلى مشروع حمل المسؤولية والانضمام إلى المومنين، إننا نمد يد الأخوة للمسلمين كافة ونخبر كل من لا يتهم قبل أن يختبر أننا نذرنا أنفسنا لله ننصح للمسلمين ونعمل لا نريد بالنصيحة والعمل رئاسة الدنيا فهي تافهة، نريد درجة الأخيرة، نريد قبل الدرجات وجه الله عز وجل،إننا نحمل أنفسنا على مسلك الاستقامة، ونريد أن تكون الاستقامة شرطا في من هاجر إلينا، فمتى لم يبلغ من سعة الأفق وعمق المحبة الإيمانية ما به ينفتح انفتاح الثقة والمودة لكل الإسلاميين مهما كانت ألقابهم فلن يكون في صفنا عنصرا جامعا، ومتى كانت تعصر عليه العبادات وقيم الليل وإنفاق ماله في الله فلن يكون لنا رفيقا في سفرنا إلى الله، بل يكون لنا عرقلة، ومتى كان التعلم والتعليم والعمل المبصر مهمات لا يقدر عليها فلن تزيدنا هجرته إلينا جذوة، نريد سمتا إسلاميا وقدرة على التحمل والصبر لأن العمل المخلص تترصده الصعاب والشبهات نريد أن نبرز في واجهة عملنا شعار الإيمان والعدل، فنحن مع المستضعفين الوارثين، نحن مع المساكين، نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: “اللهم احييني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين”.

   اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.