النخبة والجمهور

لم تكشف تجربة “التناوب والتراضي” أداء سياسيا آخر سوى تباعد المسافة بين النخبة والجمهور، كما أكدت ذلك كل التجارب السياسية الماضية… إلى الدرجة التي جعلت المواطن العادي المنغمس في همومه المعاشية لا يفرق بين النخبة المنتمية إلى “المجتمع المدني” وتلك المندمجة في السلطة. المواطن هو المعيار والحكم في تحديد درجة القرب أو البعد ما بين النخبة والجمهور، وإن احتج البعض بشيوع الأمية والجهل وتردي الوعي السياسي لدى العامة. لا يقبل العذر الذي تقدمه النخبة في بلدنا  كما في سائر البلدان العربية  لتزيل عنها الإحساس بالتخاذل وإهمال واجبها في تأطير المواطنين وتعبئتهم لمعارك التنمية والتحرير والبناء المستقبلي. المواطن هو الحكم في مشهد التخاذل والتقاعس عن التغلغل في الوجدان الشعبي، الذي ظل يشعر بالمعاناة جراء غياب من يحمل همومه، ويصوغ تطلعاته خططا سياسية، ومشاريع جهادية، في وجه المستهترين بكرامته، المعتدين على حقوقه، العابثين بثرواته. تتكاثر الأبحاث والدراسات عن الهوة التي تزداد اتساعا بين السياسيين والمثقفين وأصحاب الرأي من جهة، وعامة الناس المقهورين المحرومين من جهة ثانية. عن الفراغ الذي يتأصل في الفضاء العمومي فتملؤه آلة الاستبداد والعبث قهرا وإذلالا، وتتجاوب معها آلة التعصب والتشدد والتطرف عنفا وتدميرا. لكن هذه الدراسات التي تتمخض عن نتائج لا تجد آذانا صاغية لدى النخبة المندمجة في أوهامها ومسارها في التبرير والإيهام. «فكان من نتائج هذا الواقع الحزبي المتأزم، أن أصبحت الأحزاب عاجزة عن القيام بالأدوار التي أنيطت بها اجتماعيا، وعاجزة عن التعبير عن مطالب وطموحات الشعب ومعايشة معاناته وهمومه، إلى درجة أن بعض الباحثين قد اعتبر الحزب يخدم السلطة أكثر مما يخدم المجتمع، وبالتالي فهو يقف أمام تطور وبناء المجتمع المدني.» (تصورات عن المجتمع المدني والمجتمع السياسي بالمغرب، سالم الساهل، مجلة أبحاث ع 55 صيف 2003.) ربما لا تتمكن هذه النخب من ترجمة “النتائج” إلى أفعال من خلال التصالح مع الجمهور البئيس، والرجوع إلى احتضان همومه وآماله. لا تتمكن النخب إما بسبب الاغتراب الذي تعيشه أو ضعف الإرادة التي تعبر عنها أقلامها وصحفها ومجلاتها..وإن كان أغلبها ينسب فشل التواصل مع الجمهور إلى افتقاد الحرية التي تزهر فيها أعياد التواصل والتعبير، وتنجح معها مبادرات التحديث والتنمية! لكن جزء كبيرا من النخبة  خاصة المندمجة في المساق السياسي الرسمي- ترى أن المغرب دخل فعلا مرحلة جديدة من “الانتقال الديمقراطي”، فأصبح التعبير الحر متاحا بالقدر الوافي، والهامش الذي يعز نظيره في بلدان عربية. وهكذا إذا صح لديهم أن الحرية بدأت تزحف على الفضاء العمومي شيئا فشيئا، لماذا يسكتون إذن عن أسس الفساد وأعشاشه ووسائله؟ لماذا لا يستحثون الناس على التعبئة المتسارعة لمواجهته؟ لماذا لا يتقدمون خطوة  فقط  إلى آلامهم ومعاناتهم الدائمة، فيحملون عنهم تلك الأوزار والمحن، ويشاركونهم طموحاتهم المغتصبة؟ حتى هؤلاء الذين يزعمون أن بلادنا بدأت تستنشق عطر الحرية  إلا أنوفنا المصابة بالأنفلونزا  لا يحسنون سوى الانحناء للعاصفة، عاصفة المستبدين الجبناء الذين يحتمون بأجهزة القمع والبطش ووسائل المحاكمة والسجن. هؤلاء لا يحسنون مخاطبة آلام الجمهور إلا إن أرادوا تزييف الوعي، أو نشر الوهن، أو تأكيد حقيقة الاستبداد، وصواب الباطل! يعرفون مصادر الألم ولا يتحلون بشجاعة الأطباء والجراحين، ليستأصلوها أو يدلوا غيرهم على ذلك، لأن “الدال على الخير كفاعله”! ولكن لماذا تثور ثائرتهم حينما يرون تعاطفا شعبيا كاسحا مع المشروع الإسلامي الناهض غدا بحول الله لاقتلاع جذور الفساد ومنابعه، القائم بالتدرج اللازم للتعبئة الشاملة التي يستجيب لها الجمهور وعيا وإرادة وتنفيذا. عفوا. يستجيب لها المسلمون بكامل إيمانهم الذي يدعوهم إلى الاهتمام بالشأن العام للمسلمين، ويحضهم على التكافل الاجتماعي والبذل والعطاء. يستجيبون لكل نداء يحررهم من ربقة التبعية المقيتة للصناديق النقدية والبنوك الاستعمارية والدول الغالبة المستنسرة. دواء التصالح مع عامة المسلمين في هذا البلد  كما في سائر بلاد المسلمين  قريب متاح إن أزالت النخبة عن أعينها غشاوة استهجان “الجمهور”، والتنقيص من قدراته وطاقاته في النهوض الحضاري. وإن غيرت الوجهة من تقليد مناهج المستعمرين الجدد والعمل بوصاياهم الخبيثة إلى الاهتداء بقيم وصوى هذه الأمة المنصورة بحول الله وقوته، كلما انبرت بإيمانها وفطنتها إلى العمل والفعل والإنجاز.. لا محيد لأنصار المشروع الإسلامي عن التعاون مع أهل المروءة من المنتسبين للنخب السياسية والفكرية، الذين يصممون على مواجهة الأخطار المحدقة بالأمة، وتحدي العقبات الكثيرة، التي تنتظر طلائع التغيير والتجديد في طريقها إلى تنمية مقدرات البلد وطاقاته البشرية وثرواته المختلفة. ينجح تحالف الدين والمروءة، إن توطدت العزائم على سلوك طريق الجدية والحزم والعمل مع تقدير الشعب، وتكريمه بالمشاركة الفاعلة في مسيرة النهضة، والقطع مع تاريخ الاستبداد، والتهميش، والاستعلاء، المخزني والنخبوي. ينجح الإسلاميون ونظراؤهم من أهل النظر والمعرفة والغيرة على مصالح الناس في تذويب طبقات الجليد التي اصطنعتها عقليات الجبر القروني والجمود والاستكبار، وفي تأسيس روابط جديدة تؤهل المجتمع ليكون وحدة متكاملة الحلقات والعناصر، منسجمة الأدوار والوظائف، فاعلة التوجهات والمقاصد في زمن يقوى فيه الكبار المتحدون على اكتساح الفضاء الاقتصادي العالمي بتواز مع اكتساح العقول والإرادات. ولأن إعادة تدبير العلاقة بين النخبة والجمهور لا تخضع لمنطق الاستتباع والإلحاق، فإن طريق الحق والصدق والمحبة  وهي لغة الإسلام  تقتضي أن نشرع جميعا في مسيرة تربوية قاصدة، تنتشلنا من مسالك تحقير بني الإنسان، وترفعنا إلى درجات التكريم والتقدير… لا يمكن أن تعود العلاقة بين النخب والجمهور إلا إذا استعيدت القيم الإيمانية لهذه الأمة… قيم التحاب والتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. وباستعادة هذه القيم والمعالم السلوكية والعملية في أجواء المجتمع، يتعافى الجسد المريض الذي أنهكته الأثرة والجحود والتظالم والاستهزاء، وضيعت أمارات الجشع والبغي والقارونية أواصر المحبة والإيثار والتكافل. تتجدد العلاقة إن أمكن تجاوز الكيل بمكيالين كما تظهره النخبة الماسكة بالسلطة والثروة، حينما تنهب باليد اليمنى وتفتح أبواب محاربة الفقر باليد اليسرى. ولعلها خدعة جديدة تحت اسم “محاربة الفقراء في أرزاقهم”. تتجدد العلاقة وفق منظور إسلامي يجعل التميز بالتقوى والعمل الصالح والبذل والجهاد المتعدد الأشكال والمسارات، لا بمجرد انتزاع الدرجات العلمية والشهادات.