إن الصف الإسلامي، الواحد بجوهره وغايته، تفرق بين رجاله أوهام وخلافات نقول رأينا فيها ليتأتى للناس تصنيفنا من حيث أسلوب العمل كما أتحنا لهم في التنبيه الأول والثاني أن يعرفوا نظرتنا إلى المجتمع الإسلامي المفتون ونظريتنا لتجديد الإسلام في خطوطها العريضة، بل في جوهرها العام، ريثما نعرض عليهم تباعا خطوطها فيما نكتب إن شاء الله تعالى.

حركة الإخوان المسلمين أهم حركة إسلامية في هذا العصر وأوسعها أفقا وأوسعها نظرة، ولها ماض جهادي كريم وحاضر ومستقبل لا شك في ذلك.

حركة باركها الله عز وجل وكتب لرجالها الفضل الكبير بأن يكونوا الموقظين للأمة والنور الذي أضاء ويضيء لنا الطريق، والجاهلية تعرف أهمية هذه الحركة وتركز كل قواها للقضاء عليها وإبادة الركن الأعظم من الحركة الإسلامية في بلاد العرب بإبادتها.

حركة رجال التبليغ، رجال الصبر والمصابرة والصفاء، تسير في خطها بادئة بالتربية الأساسية، تربية الإيمان، وإن في أسلوبها لحكمة عميقة يعرفها من جرب جر الناس من عاداتهم وإخراجهم من ديار الأنانية والقعود.

حركات أخرى في هذا البلد وبلاد المسلمين بلغت في جهادها شأوا وهي بداية تجربها…

هناك طرقيون وصوفية، بعضهم يتقفى آثار الغابرين وبعضهم يحث على الصلاح الفردي ويقبل على شأنه.

هناك حركات إسلامية تخطو نحو النضج الفكري والعملي في إطار الديمقراطية، وأخرى تواجه الجاهلية بالسلاح كما هو الحال في تركيا.

وما من حركة إلا وفي تجربتها ما يغني الحركة الإسلامية الكلية لو كان الإسلاميون بحيث ينتقدون أنفسهم بهدوء تعقبه الاستفادة لا بانفعال يزيد فرقة الصف عمقا.

من أخطاء الحركات الإسلامية:

1. الفكر المقتضب المستقطب للعالم والناس، ومن ثم الانغلاق على الذات، وادعاء الهداية من دون العالمين.

2. ما ينتج عن هذا الفكر من تعصب لطائفة ضد طائفة، ومن عنف واستعاضة بالانفعال عن العمل الرزين البعيد المدى.

3. ما ينتج عنه اضطراب في التنظيم يعوق جميع القوى الداخلية في الصف الإسلامي ويلجئ للاستناد إلى أحلاف تكتيكية فيها القضاء على روح الانبعاث والذوبان في تيار الإسلامي  الواجهة الذي تنصبه الإرادات السياسية الحائدة عن جادة الحق.

ما من حركة إسلامية رفضت منهاج العلم الواسع المسبق بالعالم ثم المواكب للعمل، أو رفضت الاستناد على قوى الشعب مع تربيته في تعاون كامل مع كل رجال الدعوة، أو آثرت الأساليب المستعجلة والعنيفة، وانتهت في شبكة الفتنة وذابت فيها حركة أسست على نية الجهاد الإسلامي، لكن اصطدامها بالواقع العربي الممزق مع انعدام فكر إسلامي في الساحة ينير من الواقع في وجهة عمل إسلامي، ثم ضرورات المال والتصالح مع العرب القوميين والملحدين، حاد بها عن النية الأولى فإذا هي منظمة عسكرية عربية ليس غير.

الحركات الإسلامية الشعبية العفوية أقل مناعة من الحركات المنظمة، وهي أيضا لا تلبث أن تتلقفها القوى المنظمة المغداة بالفكر الاشتراكي أو تلك البارزة إلى الوجود شاكية الأسنة والرماح، شعور إسلامي عميق حرك رجال الجزائر ونساءها في حرب التحرير، فماذا فعل بذلك الشعب الذي حيى من مواته بإسلامه أيام الرجولة والتضحية؟ إنه اليوم تسوقه أفكار ملحدة ونيات جاهلية.

ما من حركة إسلامية إلا وتتربص بها قوى الباطل تريد أن تحتضنها بالإفساد والتمييع، أو تكسرها وتبيدها، لكن هذه القوى لن تجد سبيلا للحركات الإسلامية إلا من كون هذه لا تريد أن تعرف بأغلاطها فتستفيد، ولا تريد، أولا تستطيع أن توسع دائرة فكرها وعملها فتجد مكانها في عمل إسلامي موحد يسند فيه الإسلاميون ظهرهم إلى الله باستناد بعضهم لبعض.

إن الإسلاميين اليوم في محنة من فعل عدوهم الضارب المبيد، ومن فعل عدوهم المنافق المميع لهم، لكن وجود مواطن الضعف في فكرهم وتنظيمهم هو الذي أتاح للأعداء أن يضربوا ويعمقوا ويسلبوا من الصادقين ثقة الشعب بعد أن أبادوا منهم الرجال.

إن هذه الشعوب الإسلامية متحفزة للنجاة من مآسيها وذلتها، وإن عفوية الانبعاث الإسلامي التي نشاهدها مثلا على مسرح الأحداث بإيران قوة يمكن أن تصلح بديلا للفتنة المضطربة بأمتنا إلى مهاوي التبعية وذلة الهزيمة، لو تمت يقظة رجال الدعوة ووعيهم السياسي وتعلموا كيف يجمعون الحماس الفياض في قناة واحدة قوية منظمة منضبطة موجهة للبناء وإحياء الأرض بماء الإيمان، لا جرم إن فضل الإسلاميون أساليب الانفعال والانغلاق والتقوقع الفكري التنظيمي أن يظلوا عاجزين عن توجيه الأمة إلى بناء الإسلام على قواعد اجتماعية واقتصادية وسياسية تكون بديلا في زحمة الأحداث وتشعب المشاكل للقواعد الجاهزة المستوردة، ولعل اليقظة والوعي أخذا يعمان رجال الدعوة، فقد سأل دبلوماسي مسؤول إماما إيرانيا عن مصير حركة الشعب الإيراني الحالية، فاعترف الإمام أن العفوية تصب في المتاهات إن لم يكن من ورائها تنظيم وفكر وقيادة تفهم جذور الفتنة ومنهاج التجديد.

المحظوظون من المسلمين تحت ظل الأنظمة المفتونة، راضون عن الأوضاع، وجملة الشعب ساخطة، النخبة المثقفة التقليدية راضية بحظوظها من الفتنة ومندمجة مؤيدة أو ساكتة مستقيلة، النخبة الاشتراكية، ومن ضمنها طوابير الإلحاد الغازية، ساخطة، أضف هذا الانحياز من جانب التقليديين للفتنة إلى ذلك التمييع الذي أصاب ويصيب الحركات الإسلامية من جراء ظروفها القاسية ومن جراء أغلاطها في التنظير والتخطيط والتنظيم تعرف أسباب المعادلة التي يتخذها أعداء الإسلام من بينه حجة على كل الحركات الإسلامية، الإسلام عندهم رجعية مع خمول وخمول مع رجعية. أو هو، إن أرادوا تنويع العبارة عنف فاشل وفشل عنيف، يزعم الاشتراكيون ومن في ركابهم من المرتدين أنهم بسخطهم على الظلم الاجتماعي إنما يعبرون عن سخط الشعب، فهم قادته، ويعيرون التقليديين بقعودهم وجمودهم الفكري واستقالتهم، فهم في التعيير مصيبون وهم في زعمهم قيادة الشعب واهمون، لأن الهوة التي بينهم وبين الشعب الإسلامي هوة سحيقة مثل الهوة التي بين الشعب وحكامه، وهي لاشك، من العمق بحيث يدركونها جيدا وهم الأذكياء، ولا أدل على ذلك من زعمهم في جرائدهم أنهم يحبون أن يعمقوا فهمهم للإسلام وأن يربطوا بالعشب صلات أوثق، وتجد الملحد منهم ينافق ويظهر “احترامه” لمعتقدات الشعب إن لم يكن من هذه الشرذمة الجهنمية التي تحتل جامعاتنا ومدارسنا تعلم الكفر جهارا نهارا أو تسفه ديننا وتكفر أبناءنا.

خصصنا كثيرا الاشتراكيين بالذكر في هذه الصفحات لأن المذهب الفكري السائد في العالم هو مذهبهم، ولأن جهودهم المثابرة تزيد صفهم قوة، بينما المذهب الإسلامي تنكر له من استودعوه مبدئيا، وبينما الصف الإسلامي تضعفه الخلافات المذهبية وضيق الأفق والانفعال، لا يفقد الاشتراكيون الثقة التي اكتسبوها عند الشباب المثقف بفشل النماذج الاشتراكية الذريع في بلادنا، ونفقد نحن الإسلاميين كثيرا جدا من ثقة الشباب المثقف بفعل أكاذيب الإسلام  الواجهة وفشله وفساده.

الأستاذ الاشتراكي أشد حربا على تلاميذه، وأكثر تضحية في سبيل إعانتهم وتفهيمهم وتنجيبهم من كثير ممن يدعون أنهم مسلمون، بل إن من يزعمون أنهم مسلمون من أساتذتنا نماذج حية للخمول وتضييع الواجب، فهم الوجه الثاني للإسلام الذي يعرضه دعاة الاشتراكية على تلامذتهم دليلا على أن الإسلام وأهله خمول وجمود أو عنف وتعصب بعد أن يعرضوا وسائل الإيضاح من واقعنا المؤسف، واقع الرشوة والفساد الإداري والفقر والمرض والجهل وما يجري في ركابها من المخزيات.

خصصنا الاشتراكيين بالذكر، واعترفنا بأخطاء أنفسنا، وما نقصده هو الخروج من مناهج التعمية والرثاء للنفس إلى منهاج الموضوعية والوضوح، ومن وراء التنظيمات الحزبية، اشتراكية أو غير ذلك، رجال ونساء ندعوهم إلى الله، ويخيل إلينا أن الواعين من بني قومنا أقرب إلى سماع دعوتنا من غير الواعين، ويخيل إلينا أن القاعدين الخاملين من المسلمين بما أفسدوا من سمعة الإسلام أحق أن يؤخذوا بتهم التعصب والانصياع للفتنة من العاملين في حقل الدعوة المعرضين للغلط كغيرهم من الناس. لكنا نجزم أن الدعوة إلى الله تعني الدعوة إلى باب واسع مفتوح للخاصة الاجتماعية وعامة الشعب، منه يولج إلى معين الصدق أمام الله عز وجل، هذا باب التوبة، بذلك نتصور ونقبل ونرجو أن تجتمع كلمة كل ذي إرادة إنسانية ومروءة وكل ذي إيمان على كلمة سواء كلمة الإيمان والعدل.