الحمد لله الذي ملأ قلوب أوليائه بمحبته واختص أرواحهم بشهود عظمته، وهيأ أسرارهم لحمل أعباء دعوته، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الرؤوف الرحيم منبع الأنوار ورضي الله عن صحابته الأبرار وعلى أهل بيته الأطهار وعلى إخوانه وحزبه و من على نهجهم سار.

أيها الأحباب: يا من تجمعنا معهم عرى المحبة والإخاء، يا من تشربت قلوبهم معاني الصحبة والصفاء، يا من يتشوقون لزيارتنا والتواصل معنا.. إلى من مناهم لقاء الجسوم نحن إليكم سرنا أرواحا.. يا من كانوا لنا أحسن خلف في أهلينا وذوينا.. نبعث إليكم السلام والوفاء، ونحييكم من وراء قضبان الظلم والجور والبلاء، ونجدد معكم العهد والولاء، على الصحبة ونصرة دين خير الأنام، من سجننا الصغير نعلنها كلمة حق، في وقت ضاعت فيه المروءة والحق، كلمة مدوية تخرق السدود والحدود، ونردد مع الحجاج الكرام وهم الآن في بيت الله الحرام؛ لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. ونقول كما قال أبونا سيدنا إبراهيم في قوله تعالى: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين” ذكرت سيدنا إبراهيم عليه السلام والعيد مقرون بذكراه، وهو يضرب للأمة المثل الأعلى في العبودية الحقة لله والانصياع الكامل لأمره والبذل بأعلى صوره في سبيل الله.. بالنفس وبما هو أعز من النفس فاستحق قول الله تبارك وتعالى: )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة) (النحل : 120) نعم إنه أمة.. لقد عبد ربه حق العبادة ورفض أن يركع لغير الله .. نعم إنه أمة .. لقد قدم حب الله على حب أبيه وقومه وقال لهم: “وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا”. كما آثر حب ربه على حب ابنه حين امتثل أمر ربه بإقباله على ذبح ابنه صابرا محتسبا “إن هذا لهو البلاء المبين” فافتداه ربه بذبح عظيم.. نعم إن إبراهيم كان أمة.. ألم يرمه أعداء الله في النار فأقبل عليه سيدنا جبريل عليه السلام يسأله أبك حاجة؟ فقال له سيدنا إبراهيم: “أما منك فلا، وأما من ربي فنعم” وفي قول آخر: “أما منك فلا، وأما منه فعلمه بحالي يغني عن سؤالي”.

أيها الأحباب الكرام: إن حالت بيننا الأسوار والجدران والألواح، فلن تستطيع منع تعانق القلوب والأرواح، حقق الله لنا حجا قريبا وفتحا مبينا، فلا ننسى أحبتنا موعدنا اليومي – دعاء الرابطة  لأنه تجسيم وتطبيق عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين كما يقول الحبيب المرشد، وهذا الدعاء ضروري لربط الصلة بين المؤمنين، ولن يسري الربط إلا بتكرار الوقوف بين يدي الله عز وجل في موكب نوراني بدءا من أبينا آدم مرورا بالأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين وصولا إلى من لهم الفضل علينا في السلوك إلى الله عز وجل لقوله تعالى معلما إيانا الأدب مع أحبائه، وملقنا إيانا صيغة الدعاء لهم وموجب هذا الدعاء، وهو أنهم سبقونا بالإيمان وعلمونا الإيمان : “ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم” نرجو من الله سبحانه أن نكون ممن: “يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله”.

كما لا يفوتني بمناسبة عيد الأضحى المبارك أن أبعث إليكم تهانينا واصلا ما أمر الله به أن يوصل، صلة رحم الإيمان والصحبة، موقنا أن بعد المسافات وقضبان السجن لن تحول بين أرواح سقيت من معين الصحبة وقلوب ألف الله بينها.. واعلموا أن تباشير الفتح بادية وأفول الظلم وشيكة ومهما طال الليل فلا بد للفجر أن يبزغ “وإن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب”.. واعلموا أن الذي أنقذ إبراهيم عليه السلام من نار الكافرين وافتدى ابنه بعد البلاء المبين.. وهو الذي يسر لسيدنا موسى أن يتربى بدار فرعون.. وهو الذي أحسن بسيدنا يوسف وأخرجه من السجن بعد أن صرف عنه كيد الكائدين وعلمه من تأويل الأحاديث وجعله من عباده المخلَصين (بفتح اللام).. وهو الذي أيد نبينا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم .. “وكان حقا علينا نصر المومنين” وجعلها كلمة باقية إلى يوم القيامة. إن الذي فعل ذلك هو الذي اختار لنا هذا المكان ليمضي قدره رحيما حكيما، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولتنفذ حكمته عالية سامية في تربية من يصطفي من عباده ولله عاقبة الأمور.. وإن وعد الله حق ووعد رسوله حق ومبشرات المؤمنين -الغيبية- النبوية حق.. ثم لتتم بإذن الله ومشيئته كلمته صدقا وعدلا… )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور : 55 ).

سجن بوركايز فاس 28 ذو القعدة 1426 الموافق لـ30 دجنبر 2005

أخوكم في الله علي حيداوي

لا تنسونا من صالح دعائكم