نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة الناظور، يوم السبت 31 دجنبر 2005، لقاءً تواصليا مفتوحا مع الأمين العام للدائرة السياسية وعضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان، الأستاذ عبد الواحد المتوكل، حضره بعض الفعاليات والمتعاطفين وبعض المنابر الإعلامية المحلية والوطنية، وتجدر الإشارة إلى أن هذا اللقاء صاحبه تحركا “هوليوديا” سافرا لتتبع خطوات الأستاذ عبد الواحد المتوكل أينما حل وارتحل.

بعد الافتتاح بآيات بينات من الذكر الحكيم قدم الأمين العام للدائرة السياسية أرضية للحوار والمذاكرة حول المشاكل التي يتخبط فيها المغرب، ومنذ البداية ذكر بأنه لم يأت ليطرب العقول، بل من أجل الحديث حول مصير هذه الأمة وما ينفع في الدنيا والآخرة، “فمن أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” الحديث.

لقد تطرق في بداية حديثه للوضعية التي تعيشها البلاد من محنة حقيقية وأزمة خانقة أصبحت ملموسة يستشعرها كل الناس، ولا يكاد يجادل فيها أحد، حتى في الدوائر الرسمية. بل أصبح الأمر خطيرا ولا يُحتمل، فالهراوات التي تنهال ضربا على الأطر المعطلة والرفس والركل أضحى مشهدا يوميا، وأخذت تبرز ظواهر خطيرة وغير مسبوقة ببلدنا كجرأة بعض القانطين اليائسين على إحراق أنفسهم، أما قضية قوارب الموت فأمر معهود والتفسخ الأخلاقي بلغ مداه، حيث انتشرت شبكات الدعارة، فكل نذل ورديء يأتي إلى المغرب ليفرغ كبته وخبثه، وراجت تجارة بيع المنازل بالمدن السياحية لتتخذ أوكارا للفساد والإفساد، وتقارير حقوق الإنسان تؤكد ظاهرة اغتصاب الأطفال بالمغرب، فلقد ماتت الكرامة وانهارت سمعة البلاد.

أما عن التعليم فبعد خمسين سنة من الاستقلال لازال لدينا رقم مهول من الأمية بنسبة خمسين في المائة، وضعف شديد في مستوى المتعلمين في ظل الغش ورداءة التعليم، فالامتحانات تجرى عبر الهواتف النقالة، فهل بهذه الطريقة يمكن التهييئ لزمن العولمة والمنافسة،لقد انهار سلم القيم وتلاشى التماسك الاجتماعي الذي كان يغطي في ما مضى عن عجز الدولة المركزية.أضف إلى ذلك التفاوت الطبقي الفضيع والحرمان والفقر والمحسوبية، ويذكر أن الأخطر من كل هذا هو انسداد الأفق، فلا بصيص أمل ينبئ بإمكانية الخروج من الوهدة التي نقبع فيها منذ أمد بعيد، فالمبادرات الرسمية التي تحاول أن تزرع الأمل لا تفيد.

ليخلص إلى أن التغيير مسألة حياة أو موت، فلابد أن نتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وطرح التساؤل المحوري التالي: كيف الخروج من المأزق بأقل كلفة وبـأقل ثمن؟

في إطار تقديم بعض الملامح حول ما طرح، تحدث الأستاذ عبد الواحد المتوكل عن عقبات تحول دون التغيير المطلوب، وأجملها بالخصوص في العقبة السياسية والعقبة النفسية السلوكية، ويضيف أننا لا نعدم الإمكانيات فبلدان أقل من المغرب من حيث الثروات استطاعت أن تتقدم ونموذج كوريا الجنوبية، التي قضت على الأمية، خير مثال على ذلك.

صنف الأستاذ العقبة السياسية إلى مستويين:

– المستوى الخارجي، والمتعلق بالاستكبار العالمي الذي لا يألو جهدا في محاولة إخضاع الأمم لسيطرته ومصادرة كل صوت حر يمكن أن ينهض بأمته، وذلك من خلال إيجاد آليات وذرائع للتدخل في شؤون البلدان، مرة بالدفاع عن حقوق الأقليات العرقية أو الدينية، ومرة بالتستر وراء الديموقراطية ومرجعية حقوق الإنسان، والقوة هي لغة القوم في ذلك، وهي التي يفهمون في آخر المطاف.

– المستوى الداخلي: وهي العقبة السياسية الحقيقية، فالأمم تؤتى من داخلها والتاريخ يؤكد ذلك، الأمم تؤتى حين يصبح النسيج المجتمعي هشا. وبكل صراحة ووضوح فالأزمة والمعضلة الحقيقية ترتبط بأسلوب تدبير الشأن العام للأمة فهي ليست جديدة ولها جذورها في التاريخ بدء من لحظة الانقلاب التاريخي على الخلافة، التي أصبحت ملكا عاضا. فما نعيشه اليوم هو نتائج هذا الانقلاب. ولقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة وأولهن تقضا الحكم وآخرهن الصلاة. وما ينطق عن الهوى فقد حذرنا بأن الصدمة ستقع في مجال الحكم وبعض الأحاديث الأخرى تبين لنا المراحل بعد ذلك، فبعد الملك العاض، يأتي الملك الجبري، ثم الخلافة على منهاج النبوة، في البداية كانت الأمة تختار من يحكمها ثم تم مصادرة حق اختيارها فأصبحت الكلمة للسيف والمال، فشراء الذمم والأصوات ليس وليد اليوم.فالقضية الجوهرية هي قضية الحكم والتجربة التاريخية أثبتت أن صلاح الأمة رهين بصلاح الحكم، فإذا فسد فسدت الأمة. نحن لا نحلم رغم ما يروج عنا، من يريد أن يحلم فليحلم ومن يريد أن يعيش في الأوهام فليعش.

إن لم نتجاوز هذه العقبة تبقى الحكومة والبرلمان وكل المؤسسات صورية مزيفة فالكل يعلم هذا، هناك من يجرؤ بالتصريح وهناك من لا يجرؤ.

الحل يقتضي البداية الصحيحة ثم برنامجا على المدى المتوسط والبعيد بعد عشر سنوات، فعشرين سنة….

والعقبة الثانية نفسية سلوكية فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية فرضا وترتبط بالموروث التاريخي واللاشعور الجمعي، وسمتها الأساسية هي الذهنية الانتظارية، الكل مستقيل ينتظر قدر الله، ينتظر المهدي المنتظر. نعم المهدي المنتظر تخبرنا به الأحاديث الصحيحة لكن ليس بهذه العقلية المنفصلة عن الواقع وسنة الله في الكون وفي التاريخ. وللأسف هذه العقلية متفشية حتى في المتدينين فكيف يجوز لإنسان مسلم أن ينتظر وهل انتظرت الأمم الأخرى، فرنسا وبريطانيا…فحال المغرب كما كتب أحد الصحافيين في جريدة ” لو موند ” تحول إلى قاعة انتظار كبرى. إلى جانب هذا هناك العقلية التبسيطية المتسرعة، فهناك من يريد التغيير بدون ثمن وبشكل سريع لا يتفق وسنة الله في خلقه، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، التغيير له ثمن، وأيما كان الأمر فالثمن بسيط إذا ما قورن بثمن الانبطاح وقبول الأمر الواقع، كما أن التغيير يتطلب التدرج.

وجزء آخر من هذه المحنة هو فساد المثقف والعالم المفروض أن يكونا ضمير الأمة، فإذا كان الخوف من المخزن يمنعهما من قول الحق، فعلى الأقل لا ينبغي التفوه بالباطل والبهتان، والساكت مشارك في الجريمة ما ينبغي أن نكون دون الأمم ” اتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ” فلابد لكل واحد أن يضطلع بمهمته ولابد أن نتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فلقد اتسع الرقع على الراقع وتعقدت الأمور ونمنا طويلا، وما هو آت أكثر تعقيدا، فنحن لا نحلم…

الإنسان خلق ليكون حرا ومسؤولا، ولم يخلق عبثا، وحياته قصيرة جدا، ولقد كرمه الله وفضله على الملائكة، والكل سيسأل يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ولقد تمحورت تدخلات الحاضرين بالخصوص حول سبب الزيارة، وقانونية الجماعة، والمشاركة في البرلمان، ومسألة الميثاق، وهدنة النظام تجاه الجماعة رغم أحداث 16 ماي، وتصريحات الأستاذة ندية ياسين، وما تبشر به الجماعة من أخبار الغيب عن حدث سنة 2006…

وفي الرد أكد الأستاذ عبد الواحد المتوكل، أن مجيئه لا يرتبط كما يتوهم الكثير بحدث 2006، بل يندرج في السير الطبيعي والعادي لخط الجماعة، فالجماعة لا تكترث بما يقوله الناس بل هي تعمل وفق خطة واستراتيجية وأهداف، فلا تخلط بين الوسائل والأهداف. فالمظاهرات مثلا ليست هدفا وغاية بل تستخدم وفق الأهداف المرجوة منها، فلسنا قرصا مخدوشا نكرر ما نفعل دائما، فأنا، يقول الأستاذ، لم آت إلى الناظور لأكرس ما كنا ننبذه دائما وهي عقلية الرياضي الأول والمفكر الأول والمخترع الأول… شخص واحد يفكر ويفهم ويقود.. نحن نؤمن بالكفاءات وبإشراكها ونرحب بفضيلة الخطأ فقد تكون الخطوة الضرورية نحو الصواب.

وفي ما يتعلق بالمشاركة في مؤسسات الدولة، البرلمان، تساءل عما حققه الموجودون بها للشعب، فالأرقام تتحدث… لن نشارك أبدا في خداع الأمة، نريد تغييرا حقيقيا وشاملا انطلاقا من بداية صحيحة، فنحن واقعيين والتغيير يحتاج إلى وقت ولسنا مستعدين لتكرار أخطاء غيرنا التي أثبت الميدان فشلها. نحن نرفض القسمة الضيزى التي بموجبها يعطى للإسلاميين ركنا بالبرلمان، ولا نقبل بالاستخفاف، ولا ندعي أننا سنغير لوحدنا، نحن مستعدون للمساهمة، ولسنا مستعدين لتحمل تركة قرون من الفساد ولا نستعجل.

وفي الإشارة إلى الميثاق الوطني الذي تدعو إليه الجماعة، أكد أنها ليست عدمية فهي تقترح صيغ واقتراحات عدة للخروج من الأزمة الراهنة، وتريد الوضوح فالديماغوجية التي ينهجها الآخرون والوعود التي يوزعونها بمناسبة أو بغير مناسبة، لا تفيد، فالقضية قضية نظام وليست قضية شخص مهما صدقت نيته، والنتيجة أننا نلاحظ بعد مرور 6 سنوات أنه لم يتغير شيء في تدبير الحكم.

وارتباطا بتعامل المخزن مع الجماعة وقانونيتها وأحداث 16 ماي ورفع الحصار والهدنة، أوضح الأستاذ أن الجماعة لم يستطع المخزن توريطها وإقحامها في ملف 16 ماي لأنها أعلنت منذ البداية رفضها للعنف وللسرية وللتعامل مع أية جهة أجنبية. وأن الجماعة قانونية ولكن المخزن بتعليماته هو الذي يضفي عليها صفة الجماعة المحظورة.أما بخصوص الرفع الشكلي للحصار أكد أنه يستوجب الاعتذار فحرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة ونحن لا نستجدي أحدا وحقوقنا مشروعة.

أما عما تعده الجماعة لسنة 2006 فهو حفظ القرآن، فهي تسير وفق مشروعها وتعمل ولا تنتظر، وموعود الله وقدره المنزل سيقع في الوقت الذي يريده الله، ولنا الثقة الكاملة بأن التغيير قادم بإذن الله، وقد يكون قريبا.