بعض مفكري المسلمين شعروا بتورط الدعوة الإسلامية المعاصرة في موقف الإبهام تجاه قضية العدل الاجتماعي، فقال سامحه الله بضرورة وجود حركة إسلامية يسارية، وهذا الخلط في المفاهيم وحده كاف ليعطينا فكرة عن حاجتنا الماسة إلى توضيح الدعوة الإسلامية بمنهاج فكري منضبط دقيق، وما هذا “الإسلام اليساري” إلا توأم لـ”الاشتراكية الإسلامية”. المروآت شيء يتشارك الناس فيه جميعا، لكن الإيمان بالله واليوم الآخر الذي لا يتم إلا بالعدل في الأرض مرتبة فوق المروآت، خارج عنها ملتحم بها، وكل مروءة بلا إيمان فهي إنسية مبتورة، إنسية تعدو الأفق الأرضي المادي، أفق التعاطف مع الأمثال مع الجنس المحرورين.

   ما نحن يمين ولا يسار مع التأكيد على تمسكنا بالحرية كما نفهم الحرية، وأتم صورها عندما ننتهي في نسبة أنفسنا للعالم فننتسب إلى خالق العالم، تلك الحرية، ومعها وبها لا نكون ذئابا على الإنسان ولا نرضى بالنظام الرأسمالي الذئبي الذي يفرز الظلم الاجتماعي، ما نحن يمين ولا يسار مع التأكيد على تمسكنا بالعدل تضامنا رحيما بين الناس لا يرضى بالنظام الاشتراكي الذي إحدى مقدماته الإلحاد أو اللايكية على الأقل، ومآله استعباد وبربرية.

   تتألق كلمتا الديمقراطية والاشتراكية ببريق الحرية والعدل، وما أمة من الأمم بأشد حاجة إلى حرية وعدل من أمتنا الإسلامية المشتتة المستعبدة المهضومة الحق، فنريد الإسلام كفيلا للحرية والعدل بمعناها الموصول بالله غير المقطوع عن الشعب المسلم المسوق بأيد محترفة تعرض علينا في أسواق السياسة بضاعتي الفكر الجاهلي والممارسة الجاهلية ذات اليمين وذات اليسار.

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يكون المومن مومنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” وقال: والذي نفسي بيده ! لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم !” حديثان صحيحان، إن نفوس المسلمين الرازحين تحت ذل الهزائم في وجه دويلة اليهود وتحت وطأة التسلط الجاهلي، بشقي الجاهلية الغربي الرأسمالي والآخر الشيوعي، المحمومين مع ذلك بنار التظالم الاجتماعي، تنخر فيها أوبئة الفساد، تلغي فيها عواصف الكراهية والبغضاء، فهم بعيدون عن التحاب والإسلام، تنفذ إلى أسماعهم بسهولة دعوات الكراهية التي تؤذن بها الإديولوجية الماركسية المفلسة، أو تكاد، في مربضها الأول حيث أخذ الناس يحكمون عليها من نتائجها الجهنمية، وهي لا تزال في عنفوانها داخل عقيلات هذا السوس الثقافي المنتشر في مدارسنا وكلياتنا يكفر بنينا ويؤلف منهم طوابير لخدمة الجاهلية، مضى الاستعمار وخلف له صنائع متخصصين، بعضهم لرعاية مصالحه المادية وإفساد الأخلاق: وهؤلاء هم اليساريون الملحدون المتحركون بكل قواهم في سكة الكراهية المضرمين لنيرانها، ونحن نريد إيمانا وعدلا معا، ولا إيمان بلا عدل، هذا منطق يتنافى تماما مع منطق الجدلية الاجتماعية المستند إلى فكرة تعبئة المظلومين ضد الظالمين، والتحدي بالذي يواجهنا، معشر الإسلاميين، هو أن نعبئ الأمة تعبئة القوة لا تعبئة العنف، وأن نطرد البغي ونحل محله العدل دون أن نؤسسه على دعائم البغضاء، وهو منطق يتنافى أيضا مع الأخلاقية الحالمة، فإن قانون الله في التاريخ هو تدافع الناس بعضهم مع بعض والاصطدام بالعدو والجهاد.

   فنود أن نؤكد أن قلوبنا لا يملأها بحمد الله إلا الصفاء والمحبة لأهل الإيمان إخواننا، مهما كانت الفوارق بيننا في الفكر والأسلوب، لا يملأها إلا البغض في الله الخالص لأهل الشقاق والإلحاد، والبغض في الله هو غير الكراهية الجاهلية، فإننا نحب لكل من نبغضهم في الله أن يهديهم الله فيتوبوا.

   وإذ لا بد من تدافع وصدام مع العدو فلا بد أولا تسوية صفوف الإسلاميين، صفوف مجاهدة للتدافع المصمم غير العنيف مع خصومنا المسلمين داخل مجتمعنا المفتون، صفوف للاصطدام والجهاد لدفع تيار الكفر الجالب علينا بخيله ورجله.

   بعد سؤال الناس إيانا هل نحن من يمين أو يسار يتساءلون: هل أسلوبكم أسلوب إصلاحي أو ثوري؟

فنجيب بأن الإسلام هو الاسم الذي يصلح وحده لوصف ما نحب من تغير، ووسائل هذا التجديد لن تكون إلا إسلامية، فمتى اتخذنا وسائل غير إسلامية، انزلقنا عن غايتنا انزلاقا حتميا، فلا الإًصلاحية الجزئية تحقق غايتنا ولا العنف الثوري، إن دويلاتنا تتخبط في دوامات التخلف الاقتصادي والفساد والرشوة وعدم الجدوى وعدم الاستقرار، ومتى قوي صفنا أمكن أن ندعوها لشاطئ المحبة الإيمانية والعدل بدون كراهية حين تفشل كل محاولاتها “الاشتراكية”، إن خصومنا في أشد الحاجة إلى حلول لمشاكلهم الضخمة، فنحن نستعد ليوم الحاجة حين تدلهم لهم كل الآفاق ويبقى فقط حل الصدق والإيمان والعدل مع الشعب ومن أجله لا وصاية عليه تغطيها غطاء صفيقا الديماغوجيات.

   نحن أمام النظام الديمقراطي نقبل التدافع والتنافس على ثقة الشعب المتلاعب بها، ونحن في صف الإسلاميين الذين نود أن يجتمعوا على التحاب الذي لا إيمان بدونه فلا جنة.

   لكن بيننا وبين الديمقراطية سوء تفاهم جذري، وبيننا وبين رجال الدعوة الإسلاميين أوهاما، فنزيل الأوهام ونوضح سوء التفاهم.

   قانون النشر في هذا البلد ينص على الأوراق التي تكون منها الملف عند إعلان صدور مجلة، ونفس القانون يحرم ويحرم أن تتلقى المنشورات الوطنية مساعدة من الخارج، هذا نص القانون، أما تطبيقه فيوزن للناس وزنا حسب انتمائهم السياسي والديني، يعلم المغاربة الواعون أن من الهيآت الناشرة من يتلقى مطابع بأكملها وحمولات البواخر من الكتب ومن الورق من شرق الجاهلية وغربها، وليخسأ القانون، أما هذه المجلة المسكينة فقد قدمت ملفها كاملا فشاء موظف أن يشترط عليها من عقده واجتهاده أوراقا أخرى فتعطلت ستة أشهر.

   إذا كانت الديمقراطية حريصة أن يجري قانونها وتحترم لعبتها فلا أقل من أن ترفع عنا الحيف إن كانت لا تود أن تطبق قوانينها الرادعة على المتعاونين مع الخارج.

   إن من خصومنا السياسيين من يستورد أفكاره وأمواله فهو صنيعة مدسوسة بيننا وسوس مخرب لجوهر أمتنا، وإن حربا ضروسا يشنها الشيوعيون، المتسترون منهم تحت شعار الاشتراكية والذين لا يتسترون، على أبنائنا يكفرونهم في المدارس والكليات. طوابير من هؤلاء الأعداء، وهم ملحدون يجهرون بإلحادهم، والحكومة لا تملك أن تلجمهم فهم نسل متوالد، فكيف ندافعهم أو كيف نحاربهم؟

   إن شبابنا الإسلامي في الكليات والمدارس تستفزه أعمال هؤلاء الملاحدة، والشاب المسلم يضطهد ويؤخر عن مرتبته ويرسب في الامتحانات، البرامج يضعها الملاحدة لتكفير العقول، وتاريخ الإسلام يدرسه أستاذ الفلسفة الماركسي فيمسخه ليكره للشباب دينهم وتاريخهم، إنها حرب علينا وعلى ديننا داخل بلدنا، فهل نعد هؤلاء من الأعداء الذين يقاتلون بالسلاح أم نحني رؤوسنا ونحوقل ونحن نرى أبناءنا يهوون في مهاوي الكفر؟ ليس هذا مكانا لتحليل الظروف التي تساعد الشيوعي على بث أفكاره حيث يجد وسائل الإيضاح جاهزة في مجتمعنا الفاسد، هنا مكان لوضع المشكلة التي تنشأ من سوء التفاهم الذي بيننا وبين الديمقراطية ومن الأوهام التي تسود بين الإسلاميين.

   إننا نبغض الشيوعيين بغضا شديدا لكنا لن نقتل منهم واحدا لأننا نعلم أن قتلهم شر وسيلة للقضاء على جرثومتهم الخبيثة، وقد اضطر الإسلاميون في تركيا وهذا البلد أن الدولة ثمة دولة لاييكية ترى من واجبها محاربة الإسلام، وهي هنا مسلمة تعلن أنها تحمي الدين.

   هنا في هذا البلد قتلوا عمر بن جلون، من قتله؟ ولم قتله؟ كانت هذه الواقعة فاصلا بين عهد كان الإسلاميون فيه مغمورين، فلما اتهموا بقتل الاشتراكي الزعيم، وضعت على الحكومة والأحزاب السياسية مشكلة الحركة الإسلامية ومستقبلها وكان رصيد مهم تراكم في أذهان الرأي العام من خلال الدعايات التي تربط بين الإرهاب والإسلاميين: إخوان مسلمون = إرهابيون، واستغلت الأحزاب هذه الدعاية ضدنا، واعتقل أخونا الحبيب إبراهيم كمال، وهنا يلتقي سوء تفاهمنا مع الديمقراطية بالأوهام التي بين الإسلاميين.

   لا نعرف من أخينا المعتقل منذ سنين إلا أنه رجل مومن وعاقل، فإن أثبتت الحكومة أنه استحال سفاكا فنحن أول من يتبرأ منه، فإن حرص على قتل خصم سياسي فهو لا يصلح لقيادة حركة إسلامية، وإن كان الرجل ضحية حملة الإبادة التي ذهب ضحيتها الإخوان المسلمون من قبله، فأقل ما نطلب من الحكومة الديمقراطية هو أن تبرئه وتفضح القاتل الحقيقي والأسباب الحقيقية للجريمة، إن ثلاث سنوات كافية فيما أظن لكشف أكثر الجرائم تعقدا، وللحكومة وسائلها الهائلة للتحقيق، أيها الإسلاميون لم تسكتون ومثل هذه الاعتقالات تهدد مصير قضيتكم؟ إن الأخوة لا تكون إلا بمحبة، فأين أخوة الإيمان؟

   إننا ننكر أشد الإنكار قتل عمر بن جلون ونطالب بكشف الحقيقة، ونطالب بسراح إخواننا الإسلاميين.

   نطالب بإنهاء ظروف التشرد التي يعيشها أخونا عبد الكريم مطيع والسماح له بالرجوع إلى أسرته المحرومة وبلده المحروم من كفاءته وصدقه وإخلاصه.

   كفوا عنا أذاكم يا من تكيدون للإسلام رجاله.

   إن الكفر ملة واحدة وإن قضية الإسلام قضية واحدة، إن أعداء الإسلام يستغلون الغموض والسرية اللذين يفرضهما على الإسلاميين سوء التفاهم مع الديمقراطية، ويستغلون الأوهام التي تفرق صفوفنا ليرمونا بدائهم ويتهمونا بنقائصهم، وإننا لا نكيد ولا نضمر حقدا، وإننا نقدر ضرورات الصراع مع عدونا وضرورات التدافع مع خصومنا السياسيين ومنافستهم، لكن هذه الضرورات جميعا لن تلفتنا عن غايتنا في مناوشات جانبية مثل الاغتيال السياسي، نعتبر أن العنف، والتنظيم السري المؤدي حتما إلى عنف، انتحار سياسي ونزق وسوء تدبير  لكن شبابنا تستفزه المنكرات ويستفزه الملحدون بانتهاكهم للدين، ويثيره سكوت الحكومة عن هذه الاستفزازات، فهو قمين أن يتحاور مع المستهزئين حوار عضلات، وفي هذا الجو المبهم، جو الفتنة العائمة الذي تتصارع فيه قوى الحق والباطل، يسهل على الذئب أن يتهم الحملان وينشب فيها الأظفار والأنياب.

   ولكي يزول كثير من إبهام الفتنة، يجب على الإسلاميين أن يخرجوا للوضوح وهذا ما نحن بصدده.