تعيش الدبلوماسية المغربية منذ مدة ليست بالقصيرة أحلك فتراتها فيما يتعلق بتدبيرها لعدد من القضايا المصيرية، وتتعرض لانتقادات واسعة بشأن ذلك.

ففي ظرف وجيز تزايد عدد الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية (جنوب افريقيا، فنزيلا، كينيا، الأورغواي…) ليصل عدد الدول إلى 50 دولة، والمسؤولون لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن أسباب ذلك والمتسببين فيه، بل يكتفون بإبداء مفاجأتهم، والتعبير على أنها قرارات ضد التيار العام الذي يتجلى في سحب دول عديدة لاعترافها بالجمهورية الصحراوية.

كما أن إشعاع المغرب عربيا ودوليا وإفريقيا في تراجع مهول لفائدة دول أخرى، ويغيب باستمرار عن مناسبات مهمة من الممكن أن تدفع بدبلوماسيته إلى الأمام، بل إن مجرد غيابه قد يؤثر عليها سلبا.

وتدبير ملف العلاقة مع الجيران من سيء إلى أسوأ، سواء العلاقة مع الجزائر أو إسبانيا. والكل يتذكر كيف تقدم السيد محمد بنونة ممثل المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة، في تطور مفاجئ وعكس مجرى الأمور، بمذكرة توضيحية يوم 24 شتنبر / أيلول إلى الأمين العام كلها احتجاج على الجزائر التي “منذ 1973 ظلت متمسكة وبشكل منتظم بمعاكسة استكمال الوحدة الترابية للمغرب. واتخذ تورط الجزائر في قضية الصحراء أشكالا عديدة ومتنوعة: التزام عسكري ودعم مالي ولوجستي وتعبئة وتأطير دبلوماسيان ومخالفان للقانون الدولي الإنساني” وأن “تدخلات الجزائر الرسمية في الأمم المتحدة تظهر جيدا أن هذا البلد يقدم نفسه تارة كطرف معني وتارة كفاعل هام وتارة أخرى كطرف أساسي في تسوية هذا النزاع”.

وقبل هذا الحدث يتذكر الجميع أزمة المغرب مع الجارة الشمالية إسبانيا بسبب جزيرة ليلى والتي كادت، في لحظة، أن تعصف بعلاقات ثنائية نسجت خيوطها في عقود من الزمن، ولا يخفى ما لتوتر العلاقة مع إسبانيا من انعكاسات على قضية الصحراء، فهي الطرف المتسبب تاريخيا في نشأة هذا الصراع، وعندها مفاتيح كل هذا الموضوع الذي طال أمده حتى تجاوز العقود الثلاثة.

والكل يشهد كثرة التحركات والأسفار بما يرافقها من مصاريف وجهود بدون نتيجة تذكر.

والتعامل مع بعض القضايا يخضع لأجندة الغير، ولو لم يكن ذلك في مصلحة المغرب، مثل الموقف مما تسميه الإدارة الأمريكية حربا على الإرهاب وانخراط السلطة المغربية غير المشروط فيه، وكذا مواجهة المهاجرين السريين الأفارقة بقمع لقي استنكارا دوليا، والسبب رغبة في إرضاء أوربا وإسبانيا وكأن المغرب وحده سببا في هذا المشكل ليتحمل وحده فاتورة حله بطرق غير إنسانية.

كل هذه الوقائع تدفعنا دفعا لطرح السؤال عما يجري للدبلوماسية المغربية، ومن المتسبب في ذلك؟ وهل الأداء والمردودية في مستوى التطلعات والتحديات؟ وكيف تفسر الخارجية المغربية ما يجري؟ وأين مكامن الخلل في الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية؟

من السهل تبسيط الجواب وترجيح نظرية المؤامرة وإرجاع السبب إلى عوامل خارجية، ولكن هذا اختيار للطريق السهل لأنه يناقض المنطق السليم “أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم” (آل عمران، 165)، ولذلك يجب البحث عن أسباب التقصير الذاتية لأن من شأن علاجها مواجهة الأسباب الموضوعية / الخارجية مهما كانت حدتها.

باستقراء لممارسة عقود من الزمن يمكن أن نجزم بأن الدبلوماسية المغربية عبارة عن آلة معطلة طالها الصدأ، ولا يمكن أن تكون مردوديتها أكثر مما هي عليه الآن لأسباب عدة يمكن إجمالها في:

1) الانفراد في اتخاذ القرار: لقد ظل هذا المجال محاطا بالقدسية، وحكرا على الملك، وحتى الحكومة لا دخل لها فيه، فالوزير والسفراء يعينهم الملك ووزارة الخارجية مصنفة ضمن وزارات السيادة التي لا يطولها التناوب والتداول، والأولويات يحددها الملك، والقرارات يتخذها الملك، وليس لأحد أن يعترض حتى لا ينعت بالخارج عن الإجماع، والعدو للمصالح الوطنية، والعميل للقوى المعادية ولائحة طويلة من التهم الجاهزة… وهناك سوابق في هذا المجال، حيث كان مصير قادة الاتحاد الاشتراكي في بداية الثمانينات، وعلى رأسهم عبد الرحيم بوعبيد الكاتب العام للحزب آنذاك، السجن لمجرد أنهم رأوا في قضية الاستفتاء موقفا مغايرا للملك. فكيف يمكن تصور دبلوماسية عصرية في زمن العولمة بالرؤية الأحادية؟ وماذا ننتظر من دبلوماسية غير مؤسساتية ومحكومة برأس واحدة؟

2) دبلوماسية المناسبات: نجاح العمل الدبلوماسي مرتبط بالاستمرارية والفعالية، وهما الشرطان الغائبان لدى سفارات المغرب، حيث ينشغل أصحابها  إلا من رحم الله- بمصالحهم ومشاريعهم مما يفقدهم القدرة على المواكبة والمتابعة في عالم سريع التغير، ولا يتحركون إلا في المناسبات من خلال حفلات باذخة يأكل فيها الحاضرون ويشربون ويفرحون ويمرحون، والسلام، وأخبار العديد من أعضاء السلك الدبلوماسي منشورة في هذا المجال.

3) تغليب الولاء والمكافأة على الاستحقاق والكفاءة: يكفي الإشارة في هذا الباب إلى أن أغلب السفراء ليسوا من أطر الوزارة الذين تدرجوا في مواقع المسؤولية والذين راكموا قدرا من التجربة والاحترافية، ولكنهم يختاروا بناء على معايير القرابة للمتنفذين، أو الولاء للمسؤولين، أو يختاروا من أحزاب سياسية بغية إرضاء هذا الحزب، أو إبعاد بعض مناضليه المتمردين، أو مكافأة بعض الذين أسدوا خدمات، ولهذا تتكرر نفس الأسماء التي تتعاقب على نفس الموقع من دولة لأخرى.

4) عدم تنويع مجالات الدبلوماسية: حيث يلاحظ استمرار نهج الأسلوب الدبلوماسي القديم المقتصر على الاتصالات الرسمية رغم أن مجالات العمل الدبلوماسي تعددت وتفرعت، وأهمها استثمار التحرك الشعبي ومبادرات المجتمع المدني وعلاقات الأحزاب الخارجية، وهذا ما يغيب عن ذهن مسؤولي الخارجية المغربية، وحتى إن تحققت بعض المبادرات فهي تكون وليدة مناسبة أو اقتضتها ظرفية، ولا أدل على ذلك ما واكب اعتراف جنوب إفريقيا بالجمهورية الصحراوية من بيانات استنكارية للأحزاب ووقفات داخلية وتسابق على الإدلاء بالتصريحات التي لا يتجاوز تأثيرها أصحابها، فحتى المواطنون أصبحوا محصنين ضدها بسبب الانفتاح الإعلامي، ولا نريد أن نعمق الجرح أكثر ونؤكد بأن العديد من هذه التحركات تكون بناء على تعليمات أو أن أصحاب الحال أعطوا بشأنها الضوء الأخضر.

بإلقاء نظرة، ولو سريعة، على تحركات البوليساريو يتضح الفارق الكبير، فلا يكاد يخلو تجمع أو منتدى يوجد فيه أحدهم إلا ويطرح فيه قضيته بحرارة وجرأة وأدلة كيفما كانت طبيعة هذا الشخص وموقعه، بل إن منهم من يصنع الفرص لذلك، أما الدبلوماسيون المغاربة فمنهم من يتحدث ببرودة، وفهم من لا إلمام له بحيثيات الموضوع، ومنهم من يكتفي بخطاب ألفه في الداخل ثم سرعان ما يتضح له عدم قدرته على الحجاج والإقناع، والبرامج والمناظرات التي يتابعها المشاهدون في الفضائيات خير مثال.

5) غياب خطة واضحة: لا يسع المتتبع لتدبير ملف الصحراء طيلة ثلاثة عقود إلا أن يرى الارتجال والتخبط الذي طبع أداء السلطة المغربية، فهي مرة تغلب المقاربة الأمنية / البوليسية في التعاطي مع هذا الملف، ومرة تطلق سيلا من الوعود وتنشئ المؤسسات لتنمية هذه المنطقة، وحتى في التعاطي الدولي مع القضية تراها مرة تنغمس في الواجهة العربية وتنسى العمق الإفريقي للمغرب مما يشكل ضدها جبهة رفض يصعب فكها الآن رغم المحاولات والزيارات التي نظمت للعديد من الدول الإفريقية.

وحتى الدور العربي والإسلامي للمغرب بدأ في التراجع منذ سنين، حتى أن الجامعة العربية كانت على وشك الاعتراف بالبوليساريو لولا جهود آخر لحظة.

6) فشل سياسة المقعد الفارغ: نهج المغرب دبلوماسية المقاطعة الرسمية لكل دولة أو مؤسسة أو وسيلة إعلامية تتعاطف مع أطروحة الانفصال، فانسحب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1981 وأدار ظهره لبلدان القارة الإفريقية، ورفض الحضور لكل منتدى يتمثل فيه البوليساريو أو يشم لهم فيه رائحة، ولم يقتصر الأمر على المقاطعة الرسمية، ولكن تعداه إلى إرغام كل المغاربة على ذلك مما أوقع المغرب في عزلة استفاد منها قادة البوليساريو فوطنوا أقدامهم وروجوا لأطروحتهم، وغابت الرواية المغربية.

7) اليقين القريب من الغرور: طبع التعاطي مع ملف الصحراء خطاب رسمي يطبعه يقين مخدر ورث الكسل والغرور “نحن في أرضنا والسلام”، “الإجماع الوطني”، “الاستفتاء التأكيدي”، “الارتباط التاريخي”، وهذه مجرد شعارات وظفت للتعبئة الداخلية في وقت من الأوقات، لكنها في عصر الانفتاح (الفضائيات، الأنترنيت& ) لم تعد تصلح، وحتى تراجع بعض الدول عن اعترافها بالجمهورية الصحراوية لم يكن نتيجة نشاط وقوة الدبلوماسية المغربية، ولكن بسبب انشغال الجزائر بأوضاعها الداخلية، وتأثير ذلك على علاقتها بالبوليساريو وخاصة جنرالات الجزائر.

ولهذا يجب انتظار العديد من المفاجآت بعد الوئام الجزائري الداخلي إن لم تتحرك الدبلوماسية المغربية للحفاظ على مكاسبها وفتح الحوار حتى مع قادة الدول الذين اعترفوا بالجمهورية الصحراوية بخطاب الإقناع والحجج.

ولكن هل هذا يكفي؟ أليس الأمر مرتبط بالسياسات العامة المتبعة؟ أليس العمل الدبلوماسي سوى تنفيذا لتلك السياسات؟

إن تفعيل الأداء الدبلوماسي مرتبط بإصلاحات سياسية أساسية قصد تقوية الجبهة الداخلية لتدافع كل مكونات المغرب عن رأي واحد يشارك الجميع في صناعته حتى يتحملوا جميعا تبعاته، وهذا لن يتحقق إن لم يعرف المغرب تعددية سياسية حقيقية مبنية على تعددية الآراء وليس تعدد التنظيمات، وحرية رأي حقيقية يفتح فيها الباب لكل وجهات النظر مهما كانت درجة اختلافها ما دامت تبغي مصلحة البلاد وتتهمم بمصالح العباد، وهذا لن يتحقق إلا إن استبعدت المقاربة الأمنية، وتم تعديل الدستور الممنوح وتغييره بدستور يساهم الشعب بمختلف مكوناته في إعداده والمصادقة عليه ومتابعة حسن تطبيقه، وفيما يرتبط بقضية الصحراء لابد من منح سكانها صلاحيات واسعة في إطار نظام جهوي حقيقي يشركهم في تدبير شؤونهم والاستفادة من ثرواتهم.

إن ما يعيشه المغرب في قضية الصحراء نتيجة طبيعية لمخلفات الاستعمار الذي لم يذهب إلا بعد أن زرع التفرقة والفتنة وبذر بذرة الكراهية حتى لا نتوحد مستقبلا، ويكفي الإشارة إلى أن هذه القضية تعطل مسيرة المغرب العربي وتضعفه كتكتل محاور للاتحاد الأوربي، فهل ينتبه المسؤولون إلى ذلك فيغلبوا المصالح المشتركة ويستوعبوا الدرس أم يبقوا أسارى الخطة الاستعمارية؟

إن غدا لناظره لقريب، وما ينطبق على هذه القضية نعممه على سائر بلداننا العربية ضحية سايكس بيكو وأمثالها.