إن المنهاج الإسلامي النبوي الذي يتعين علينا معشر الإسلاميين شرحه واضحا لغد الإسلام لا يقوم به إلا جماعة من المؤمنين لها كفاآت مختلفة ونفس طويل: نظام الدعوة ونظام الدولة، أسس اقتصاد إسلامي يستمد من فاعلية الرأسمالية ومضاء التخطيط الاشتراكي ويتحرر من كل منهما، المجتمع الإسلامي كيف يركب وكيف تتاح له مرافق التعايش العادل، والتراحم والتكافل، والتفاهم السياسي ليتم اندماج طبقات الأمة على مستوى العدل والإحسان مع أقل ما يمكن من تفاوت من الأرزاق والفرص، كل هذا يلزمه كفاآت أرضه الطبيعية هي الكفاآت الفكرية والإنسانية الموجودة التي ينبت في بعضها عوسج الكفر وفي بعضها شرك الإباحة وترتع في بعضها الآخر عناكب الجمود الفكري والتقليد والاستكانة.

   طبقة المثقفين التقليديين الذي نسمي بلغة القرآن من كان منهم يخشى “علماء” يظهر أنها استقالت وآثرت الرفاهية البورجوازية الصغيرة على القيام برسالة الدعوة إلى الله وهي أمانة في عنقها، إنها إن استقالت فإنما تستقيل بلسان ديدان القراء وهم لا يمثلونها، وجمهرة العلماء، وندخل في صفهم كل من له حظ من إيمان وحظ من الثقافة الإسلامية، تتربص وتتحفز، إن العلماء لا يقرأون لغة الجدلية الاجتماعية ولغة الاقتصاد، لكنهم يعون الواقع وعيا مجملا جيدا، فلهم أيضا وبهم أيضا، ومعهم قبل كل شيء، نحب أن نشرح الإسلام لأنفسنا وللناس ونخرج المشروع الإسلامي الكامن في قلوبنا إلى حيز الإرادة السياسية المجاهدة.

   المنهاج النبوي دعوة ودولة، معنى الدعوة صياح بالغافلين والمعرضين وعرض دقيق للرحمة الإيمانية على الناس أجمعين، ومعنى الدولة تنظيم للحكم وعلاقات الشعب ضحية الغفلة والعنف والظلم بقيادة لن تستقر أبدا ما دامت لا تشارك الشعب في أبعاده العميقة، حياة الروح والقلب، مثلما تتظاهر بأنها تشاركه في آلامه وآماله.

   إنكم يا أيها الاشتراكيون، يا خصومنا الأعزاء، ويا أعدائنا إن تماديتم في الحرب الضروس التي يشنها بعضكم على عقول بنينا في المدرس وأخلاقهم، تشعرون إزاء العدل شعورا قويا  وإننا معشر الإسلاميين السابحين في دائرة الثقافة التقليدية القريبة من الشعب، الأقرب منكم إلى الشعب على كل حال، نشعر بالإيمان شعورا قويا، علينا أن نعلن ولاءنا لشرعية الله الآمر بالعدل وعليكم أن تعلنوا ولاءكم لله وحده تخلصون له الدين، يمكن أن نلتقي فقط في المسجد مع الشعب على الحصير والصدق.

   وهنا أخلص إلى دور هذه المجلة التي نريدها أداة عمل، أداة تعارف بين الإسلاميين أولا، وأداة توعية عامة تتبعها يقظة: توعية للعقل ويقظة للقلب. قراءة لكتاب العالم وقراءة لكتاب الله وقراءة متزامنة ينير فيها الإيمان القلبي الجهد الفكري، نريد لهذه المجلة أن تكون الصوت المسموع للإسلاميين، فإننا لا ننسبها إلى أنفسنا إلا عنونا للخدمة الواجبة علينا نحو قضية ليست قضية فرد أو أفراد أو جماعة معينين محصورين تحت العناوين التي تفرقنا، بل هي قضية كل من ينبض قلبه بالإيمان. لكن دور المجلة مهما كان أساسيا ومهما كان صوتها مسموعا لا يبلغ الشعب الأمي المسكين، لذا نطالب بحقنا في غشيان المساجد التي ضربنا فيها موعدا لكل من يرجو لله وقادرا ولنفسه دور في مستقبل الإسلام الزاهر بإذن الله، إنهم طردونا من المساجد، وكأن الذي فعل لا يجب أن ينفذ أمر الله الذي أذن أن يذكر اسمه في بيوته: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم” صدق الله العظيم.

   نطالب الحكومة بحقنا في الكلام والتجمع الذي خوله لنا الدستور، والمساجد أماكن عامة كما هو الشارع والمقهى، للحكومة أن تطردنا من المسجد إن خرقنا فيه النظام أو خالفنا القانون، كما لها الحق في التدخل في الأمكنة العامة، لكن لِمَ نطرد من مجالس نعلم فيها الناس الإسلام والرفق والمحبة بينما يترك غيرنا حرا ممن يبث الكفر والعنف والكراهية؟

   لا تتسع افتتاحية في عدد افتتاحي لعرض المنهاج وطرح الأسئلة كما ينبغي أن تطرح، فلنا لذلك منهاج يستعمل مفاهيم محددة وتصورات مضبوطة تشع منها النظرة الإيمانية المغذاة بالكتاب والسنة على سطح الواقع المادي وعمق الإنسان على السواء ليس هذا محل بسطها، يكفي أن نطل بالقارئ على الجو العام لانفتاحنا رحمة وشدتنا حكمة في حق الله على العباد وحق العباد بعضهم على بعض، يغالبنا الفكر الاشتراكي على المقادة، بل نحن جئنا نغالبه على ضعفنا واستبداد حرب الإبادة بنا، يزعم الاشتراكيون أن الإسلام تخلف وإبهام وعنف وأن مذهبهم تقدمية وعلم وديمقراطية، فلرد تلك المزاعم وتغليطهم في دعواهم أنهم نصراء الشعب وزعماء العدل لابد لنا من الانصراف عن الكتابة العاطفية التي لا يفهمونها فيسمونها تعصبا، ولا بد لنا من الإعراض عن الهراء اللامسؤول الذي يفهم الاشتراكيون حقيقيته فيهزؤون به وبديدان القراء الكاتبين له.

   لابد من عرض واضح منسق متكامل للإسلام على أهل الإسلام الذين لعبت بهم رياح الفتنة والردة، وهذه المجلة منبر حر لكل من يريد جهدا على شرط واحد هو أن يأتينا بكله لا بقلمه أو ماله فقط، نريد أن يصبح الفكر خطوة نحو العمل، ونكره كل الكراهية الثقافة من أجل الثقافة وتدبيج المقالات الباردة المحلقة في أوهام الخيال.

   هنا يأتي مكان التنبيه الثالث وهو انفلات النظر إلى انعدام الثقة في مجتمعاتنا الإسلامية وفي مغربنا خاصة، لكي نعمل معا لا بد أن يثق بعضنا ببعض، سلطنا الضوء على أنفسنا في التنبيه الأول لنؤكد أن الإسلام كما نفهمه دعوة مفتوحة ودعوة محبة ورفق، وفي التنبيه الثاني أكدنا أن نظرتنا للعالم والمسلمين وما يجب أن يفعله المسلمون ليجددوا دينهم تستند مباشرة إلى الكتاب والسنة لا نجعل وسيطا دونهما، وفي التنبيهين أكدنا أن الإسلام والمجتمع الإسلامي لا قيام لهما إلا بركيزتي العقيدة والعدل، وعندما نلح على الجانب الروحي والجانب المادي لحياة الأمة يتساءل الذهن: ممن هؤلاء؟ أهي دعوة إلى صوفية متنكرة بلباس اشتراكي؟ أهي اشتراكية كادت تكون سافرة في عرضها يد المحبة للاشتراكيين؟ أم هي دسيسة في الصف الإسلامي لتفرقه؟ أم هي صنيعة يدمن أعالي الجاهلية أو أسفالها؟

   أسئلة وردت فعلا قبل أن تصدر المجلة وترد وأمثالها من بعد، هذا طبيعي، سيما في جو موبوء بالاحتراف السياسي والتحزب الإديولوجي والقبلي، سيما في جور الفساد والرشوة والتعفن الخلقي الاجتماعي ورخص الضمائر، إن الثقة ماتت، قتلها الأفاكون، فيوشك أن تذهب رياح الريبة بكلام الصادقين فتشبه كلماتهم بالوعود الكاذبة والتزوير الفكري.

   فهذا التنبيه الثالث تؤكد فيه نيتنا في العمل لا في مجرد الكلام، ونؤكد فيه مرة أخرى ومرات أننا نلبس مرقعات الحزب السياسي الذي نود أن نؤسسه لأن الأحزاب هو قانون الديمقراطية ولأن الديمقراطية من مقتضياتها الحرية، فنحن نحب الحرية لأنها تمكننا من التكلم والتحرك والتنظيم، كما نفضل أن نتكلم باسم الله وعلى شريعة الله، لكن الشريعة اليوم عندنا ديمقراطية ولن يفهمك أحد إن لم تحدد مكانك في الساحة الديمقراطية على هذا المستوى المعاشي وحده، مستوى المطالبة برعاية المصالح المكتسبة أو المرجوة تحت شعار الحرية الليبرالية التي بمقتضاها يأكل الناس بعضهم بعضا وتستغل طبقة طبقة، أو تحت شعار الاشتراكية التي بمقتضاها ترتفع طبقة لسدة الحكم باسم الشعب وعلى حسابه.

   نعم نحن مع المحرومين بقلبنا وقالبنا، نريد العدل كما يريده كل من له مروءة لكنا لا يمكن أن نصنف مع اليسار لأن التصنيف على مستوى المصالح لا يخبر عن انتمائنا لله وحده لا شريك له، ولا يخبر عن الحق الأعظم الذي ندافع عنه للإنسان وهو حقه الوجودي في أن يعرف خالقه ويستعد للقائه بعد الموت، عدل ننشده ونصمم عليه كأساس لا قيام لنا بدونه، عدل يقول بعض الإسلاميين أن الزكاة وحدها تكفي لإقامته، ونقول نحن أن العدل هدف وأن الأموال التي بأيدي المسلمين وسيلة لتحقيقه، فنقول بقول عمر بن الخطاب حين عزم أن يأخذ من أموال الأغنياء فيرد على الفقراء، أخذا من بعد الزكاة وبلا حد حتى تتكفل الأرزاق، لكن موقفنا هذا لا يمكن أن يوصف باليسارية لأن اليسار واليمين في لغة السياسة مقولتان جاهليتان لا تنبئان عن ماهية الإنسان الروحية، نعم إن الشعور القوي نحو العدل مروءة مشتركة بيننا وبين اليساريين، لكننا بعد ذلك نعطي الكفاية المعاشية وظيفة إيمانية لا يفهمون لها معنى، ذلك أن الفقر يكاد يكون كفرا كما قال الإمام علي كرم الله وجهه إذ أن الشغل بالتظالم الاجتماعي فعلا للظلم أو تحملا لرزئه، أقوى العوائق عن الإيمان.

   نحن نحب الحرية ونقول بالملكية الخاصة في حدود المصلحة العامة، ما لم تكن الملكية الخاصة قاعدة عن أداء وظيفتها الاجتماعية أو منافية لها في ظرف من الظروف، لكن لا يمكن أن نوصف بأننا يمينيون، ذلك لأن أعظم حريات الإنسان يجهلها التصنيف الجاهلي والفكر الجاهلي: الليبرالية تعطي الإنسان الحرية في أن يموت جوعا والاشتراكية تعطيه حرية الاختيار بين أن يكون قنا للدولة أو يموت لسيف الاستبداد الطبقي الثوري، والإسلام كما نفهمه ونريده يعطي لكل الناس حرية اختيار مصيرهم بعد الموت دون قسر ولا إكراه، لكن يفرض عليهم واجبات اجتماعية الوفاء بها هو الشرط في الحصول على العيش الكريم.