تتوالى الأيام الثقيلة في العهد الجديد وتتواتر أخبار المآسي والفظائع التي ذاق مرارتها واصطلى بنارها هذا الشعب المسكين. شعب يراد له أن يبقى على هامش الأحداث متفرجا على تاريخ تعاد كتابته بتزييف وقائعه وطمس حقائقه. يعمل سدنة المخزن الجديد – ضحايا العهد القديم – على تطبيع علاقة المواطن مع تاريخ يصنعونه له. يحاولون التحكم في الكشف عن أحداث الماضي بل توجيه الرأي العام بقوة للالتفات إلى الهدف من كشف هذه الشذرات وهو طي صفحة الماضي والتركيز على المستقبل. فالمتتبع لعمل هيأة الإنصاف والمصالحة منذ تأسيسها كان باستطاعته أن يحدس الأهداف التي يستشرفها عملها والتوصيات التي يمكن أن تتوج سيرها.و لعل هذا ليس تقديرا فرديا، إذ لم يخل تقييم عمل الهيأة من طرف المنظمات الحقوقية المحلية والدولية من توجيه انتقادات لاذعة لطريقة عملها ونتائجه وآفاقه.

صدر إذن التقرير الختامي للهيأة بإخراج دعائي مخزني بارد. تضمن التقرير اعترافا بانتهاك النظام المخزني للقانون الإنساني عامة وللمواثيق الدولية خاصة بممارسته، لمرات عديدة، للقتل الجماعي لأبناء هذا الشعب فضلا عن إهانتهم برميهم في حفر جماعية. كما اشتمل على توصيات وجهتها إلى السلطة. ولتكتمل العملية الدعائية اتخذ المخزن قرارا بنشر ملخص التقرير في خطوة محسوبة تظهر كبادرة حسن نية وتوجه قاصد نحو الطي النهائي لصفحة التاريخ الماضي.. فهل هناك إرادة حقيقية لتحقيق ذلك؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه محاولات لتجنيب النظام الحالي تبعات وضع ورثه بوقائعه ورموزه؟ هل من المشروع طرح هذا التساؤل والتشكيك في صدق الجهود التي بذلت والخطوات التي قطعت في هذا السبيل؟ ألا يدخل هذا التساؤل في سياق الدعاية المضادة أو التحليل العدمي؟

بعيدا عن محاكمة النوايا وفي انتظار انكشاف الخبايا لا يسعني إلا تسجيل الملاحظات التالية:

1/ لم يلق التقرير الحفاوة التي ربما توقعها واضعوه، بل سجلت كثير من خيبات الأمل لدى الضحايا وعائلاتهم فضلا عن المنظمات الحقوقية. ومرد هذه المواقف السلبية محدودية الحقائق التي تم الكشف عنها سواء تعلق الأمر بأعداد الضحايا أو بطبيعة الانتهاكات التي ارتكبت أو بقصور التعويضات، التي تقررت، عن الوفاء بالحاجات الحقيقية للضحايا خاصة البسطاء منهم.

2/ انحصر عمل الهيأة في تقييم حجم انتهاكات حقوق الإنسان خلال المرحلة الممتدة بين 1956 و1999، وهي فترة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر كانت حبلى بالمآسي. فهل انكشفت الغمة عن الشعب المغربي بعد هذا التاريخ؟ هل توقف سيل الانتهاكات والجرائم المخزنية؟ ما حصل – ويعلمه القاصي والداني – أنه بعد هدنة وجيزة عادت وثيرة الانتهاكات للتصاعد من جديد، وكأنها استراحة مقاتل.. استفاق العالم على صيحات الحقوقيين تحمل شهادات عن حالات الاختطاف والتعذيب والقتل ليكمل القضاء، الفاسد أصلا وفصلا، سجل الانتهاكات بالمحاكمات الصورية والأحكام الخيالية. ألجأت السلطات المخزنية على أعلى مستوى إلى الاعتراف بوجود بالفضيحة. انكشف للناس أن مرض المغرب مزمن لا تنفع معه تعزيمات السدنة الجدد، مشكل المغرب يختصر في وجود نظام قمعي دموي متجذر لا يتزحزح قيد أنملة عن ثوابته في الحكم: الانفراد بالسلطة والتهميش والإقصاء للصادقين والفضلاء من أبناء البلد ممن استعصى على التدجين، بل والقتل والتعذيب والتشريد. ولا تعوزنا الشواهد فالتقارير الحقوقية، حافلة بالوقائع. بل حتى قصاصات الأنباء التي تفلت من بين أنياب التعتيم الإعلامي ترسم صورة حية لهذا الواقع الكئيب.واقع يجهد خدام الأعتاب الشريفة أنفسهم لضمان استمراره بطعم حلو في ظاهره علقم في حقيقته وجوهره.

3/ طالب تقرير الهيأة النظام المخزني بالعمل على سن ما من شأنه أن يضمن عدم تكرار ما حدث والحد من تهرب منتهكي الحقوق من العقاب. وتناست الهيأة (..) أن معظم أباطرة الانتهاكات لا يزالون في مناصبهم، بل منهم من أخرج أفلام الرعب الجديدة. من الضامن وما الضمانة لعدم تكرار ما وقع وما زال يقع والحاضر غير محصن والمجرمون يمثلون مدارس في نمط الحكم، تتخرج منها أفواج من التلاميذ النجباء؟ من الضامن وما الضمانة وحالات القتل والتعذيب في مخافر الشرطة ودهاليز المخابرات ووراء قضبان السجون، في اطراد مستمر؟ من الضامن وما الضمانة وانتهاك حرمات الناس والاعتداء على حقوقهم وإهانة كرامتهم سلوك يومي صارخ لأجهزة المخزن؟

4/ لا تخفى على كل ذي لب الغاية التي يصبو لبلوغها النظام المخزني بالخطوات التي قام بها لحد الآن. فالطي النهائي لصفحة الماضي وإغلاق ملفات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان يهدف أساسا لتجميل صورة هذا النظام التي سودتها الجرائم التي ارتكبتها أجهزته ورموزه، فضلا عن إعطاء الانطباع بأن وضعا جديدا تأسس أو تحويل الانطباع إلى قناعة بأن هذا الوضع الجديد يتطور في الاتجاه الصحيح وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر. غير أن الخرق اتسع على الراتق وما تكرار الاعتداءات على حقوق الناس والإهانات المتنوعة التي تطولهم يوميا إلا دليل قوي على كون هذا الأمر متجذرا وبنيويا فالمخزن لا تتسع حويصلته لرأي معارض أو مطلب جريء أو تحليل يتخطى سقف الخطوط الحمراء…الخ.

5/ أذكر مروضي العقول وماسخي الحقائق، إن كانوا يتذكرون، أن ذاكرة الأمم عصية على الطمس والتزييف مهما بلغت حذاقة الأساليب وخطورة الوسائل الموظفة لذلك.

6/ أن الضامن الحقيقي لعدم تكرار ما حدث ويحدث هو قبل كل شيء الكشف الكامل للحقيقة فلا فائدة من طي صفحة لم نقرأها ولم نتعظ بما فيها. ثم تحميل المسؤولية، ولو في مستواها التاريخي، لمن كان سببا في هذه الفظاعات. ثم أخيرا الشروع الجاد ببناء مغرب جديد يقطع مع القديم وينفتح لمستقبل يفخر به الجميع ويطمئن فيه الجميع ويساهم في تشييده الجميع. ومنطلق ذلك وأساسه ميثاق جامع على أرضية الإسلام الموحدة يسانده من يرتضيه ويعارضه من يقترح غيره في سلم وتعايش غيرة على هذا الوطن وحرصا على مصلحة مواطنيه.