من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله

يا من قد غلبته نفسُه وبَطَشَ بعقله حسّه! استدرك صُبَابَةَ 1 اليقظة، وصِحْ في سمع قلبك بموعظة.

يا نفس توبي فإن الموت قد حانــا ** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنــايا كيف تلقطنــا ** لقطــا وتلحق أخرانا بأولانـــا؟
في كــل يوم لنـــا ميت نشيعه ** نرى بمصرعه آثــار موتانـــا
يا نفس مــا لي وللأموال أتركـها ** خلفي وأخرج من دنيـاي عريانـا
أبعد خمسيــن قد قضيتها لعبــا؟ ** قد آن تقصــري قد آن قد آنــا
ما بالنا نتعــامى عن مصــائرنا ** ننسى بغفلتــنا من ليس ينسانــا
نزداد حرصــا وهذا الدهر يزجرنا ** كأن زاجرنا بـالحرص أغرانــا
أين الملـوك وأبنــاء الملوك ومن ** كانت تخر له الأذقـان إذعانــا؟
صاحب بهم حـادثات الدهر فانقلبوا ** مستبدلين من الأوطـان أوطانــا
خلـــوا مدائن كان العز مفرشها ** واستفرشوا حفـرا غبرا وقيعانــا
يـا راكضا في ميادين الهوى مرحا ** ورافلا في ثيــاب الغي نشوانــا
مضى الزمان وولى العمر في لعب ** يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانـا
أين الزاد يا مسافر؟ أين درْع التقوى يا سافر؟ لقد أنشب الموت فيك الأظافر، فلا تشكنّ أنه ظافر 2 ، هذه النبل، فأين المغافر 3 ؟ كيف تصنع إن غضب الغافر؟ يا مبارزا بالقبيح أمؤمن أنت أم كافر؟

إن قمْتَ سَدَلْتَ من ياب كِبرك، وإن أقمت سَدَرْتَ من شراب خمرك، اصطفقت 4 أبواب المواعظ وما استفقت، تقف في الصلاة بغير خضوع، وتقرأ التخويف وما ثمَّ خشوع. يا نائما عن صلاحه، كم هذا الهجوع؟ يا دائم الحضور عندنا، هل عمرك إلا أسبوع؟

إن لنجم الحياة لأُفُول ولشمسِ الممات لطلوع، أين أبوك؟ أين جدك؟ السيف قطوع، كيف تبقى مع كسر الأصول ضعاف الفروع؟ تعلق الدنيا بقلبك وتعتذر بلفظ مصنوع. إصرارك كالصحيحين وإقلاعك حديث موضوع.

مزِّقْ أملك فالعمر قصير، حقّق عملك فالناقد بصير، زد زاد سفرك فالطريق بعيد، ردد نظر فكرك فالحساب شديد، صِحْ بالقلب لعله يرعوي 5 ، سلمه إلى الرائض عساه يستوي.

سهر العيون لغير وجهك ضائع ** وبكاؤهن لغير وصلك باطل

يا هذا! وَجِّهْ ناقتك إلى بادية الزيارة، فإن لها بنسيم نجد معرفة. قفها على الجادة وقد هبّ لها نسيم الشيح من الحجاز. إن أعوزك في الطريق ماء فتمّم مزادتك 6 بالبكاء.

لعلي بن أفلح:

دَعْهــا لك الخير وما بدا لها ** من الحنين ناشطا عِقَالهـــا
ولا تعللهـــــا بجو بابل ** فهو أهــاج بالجوى بلبالهـا
ولا تعقهــا عن عقيق رامة ** فإنمــا ذكراه قد أمالهـــا
نشدتك الله إذا جئت الــربى ** فرد أضاها1 واستظل ضالها
وناوح الورق2 بشجو ثاكل ** أطفا لها ريب الردى أطفالهـا
7

للشريف الرضى:

عندي من الدمع ما لو كان وارده ** مطيّ قومك يوم الجزع ما نزحا
غادرن أسوان ممطـورا بعبرته ** ينحو مع البارق العلوي أين نحا
هـل تبلغنهم النفـس التي تلفت ** فيهم شعاعا أو القلب الذي قرحا
إن هان سفح دمي بالبين عندهم ** فواجب أن يهون الدمع إن سفحا
كان يحيى بن زكريا عليه السلام يبكي حتى رقَّت جلدةُ خدَّه وبدت أضراسُه، هذا وقد كان على الجادة، فكيف بمن ضل؟ واعجبا من بكائه وما ثَمَّ مأتم! فكيف بمن ما انقضى يوم إلا ومأتم ما ثم؟

يا هذا! إن كان قد أصابك داء داود فنُحْ نَوْحَ نُوحٍ تَحيَى حياة يَحْيَى.

لا تَحْبِسَنَّ مــاءَ العيــون فإنه ** لك لا لديغ هواهُم تِرْيـاق
شنوا الإغارة في القلوب بأسهـم ** لا يُرتجى لأسيرها إطلاق
واستعذبوا ماءَ الجفون فعذبوا الـ ** أسرار حتى دَرَّتِ الآمـاق
إذا خلا الفكر باليقين ثارت عَجَاجة الدمع، فإذا أقرح الحزن القلب استحالت الدموع دما.أجارَتَنا بالغَوْر والركب مُتْهِمُ1 ** أيعلم خال كَيف بات المتيم 8

واعجبا! طار حكم حديث العُذَيْبِ وأنتم من وراء النهر. يا منقطعين عن الأحباب، تعالوا نمشي رفقة فمجمعنا مأتم الأسى، وموعدنا مقابر الأسف.


[1] الصُّبابة: بالضم بقية الماء في الإناء.\
[2] ظافر: فائز.\
[3] المغافر: مفردها: مِغفر ومِغفرة، وهي زَرَد يلبسه المحارب تحت القلنسوة.\
[4] اصطفقت: الأبواب: تحركت واضطربت واهتزت.\
[5] ارعوى: عن القبيح: كفّ عنه.\
[6] المَزَادة: الراوية.\
[7] 1- الأضى الغدير.

2- الوُرْقَ: مفردها ورقاء: الحمامة.\

[8] 1- أَتْهَمَ الرجل: سافر إلى بلدة تهامة.\