تعيش الجامعات المغربية هذه الأيام على إيقاع، ما اصطلح عليه الطلاب، معركة الامتحانات، حيث يخوضون في بعض الكليات احتجاجات متصاعدة ومتواصلة. لتسليط الضوء على آخر المستجدات، وتوضيحا لسياق هذه الأحداث، ولأسبابها … خصنا محمد بنمسعود الكاتب العام لـ”أوطم” بمقابلة صحفية. هذا نصها:

سؤال:

تعيش الجامعة المغربية هذه الأيام على إيقاع مقاطعة الامتحانات، فما هي آخر مستجدات الوضع الراهن؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أتوجه بالشكر الجزيل إلى الإخوة في إدارة الموقع على هذا الاهتمام الذي توليه للجامعة وقضاياها وللحركة الطلابية ونضالاتها. أما بخصوص سؤالكم، صحيح، تعيش الجامعة المغربية اليوم على إيقاع معركة الامتحانات في مجموعة من الجامعات مع تفاوت في الأشكال النضالية الاحتجاجية حسب المرحلة النضالية التي وصلتها كل جامعة على حدة. وتعتبر مقاطعة الامتحانات التي خاضها طلاب كلية العلوم بن مسيك والحقوق أكدال تتويجا لمسار نضالي تصاعدي، بعدما رفضت الإدارات المحلية الاستجابة للمطالب الطلابية المتعلقة بالامتحانات وعلى رأسها مطلب تأجيل تاريخ إجرائها إلى آجال مناسبة تتيح للطلاب فرصة الاستعداد الجيد والكامل، وهذا حق الطلاب لا ينكره إلا جاحد. وفي السياق ذاته شهدت كليتا العلوم مراكش والشريعة فاس سايس مقاطعة الدراسة قي أفق مقاطعة الامتحانات في حالة تعنت الإدارة، وآخر المستجدات هو استجابة كلية العلوم بن مسيك وكلية العلوم مراكش لمطالب الطلاب وبالتالي النزول عند رغبة الطلبة بتأجيل الامتحانات. في حين أعلنت إدارة كلية الحقوق أكدال عن دورة بيضاء لتعقد الأمور أكثر عوض فتح أبواب الحوار مع الطلاب والاستجابة لمطالبهم. الأمر الذي ينم عن تجدر العقلية الأمنية في عمادة هذه الكلية أو أن القرار اتخذ خارج أسوار الجامعة وهذا أدهى وأمر. واسمح لي أن أغتنم فرصة هذا الحوار لأهنئ الجماهير الطلابية على مستوى الوعي النضالي الراقي الذي عبرت عنه بالمشاركة الفاعلة سواء في الاقتراح أو التقرير أو التنفيذ، وكذا على المستوى الأخلاقي العالي الذي تتسم به والمتجلي في الانضباط للمشورة العامة والالتزام بمسؤولية تنزيلها والالتفاف حول القيادة المنتخبة قي إطار منظمتنا العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وأعتقد أن هذه القيم التي تحكم المعركة هي سر نجاحها الباهر، والذي بلغ نسبة 100%، وهي كذلك التي دفعت الطلاب إلى تسليم بطاقاتهم إلى مكتب التعاضدية دليلا على الالتحام الكبير والثقة اللامتناهية التي تربطها بقيادتها الأوطمية المنتخبة، كما أشد على أيدي الطلبة في كلية الحقوق وأستنهض فيهم روح الصمود والثبات حتى تحقيق المطالب العادلة والمشروعة، فما ضاع حق وراءه طالب.

سؤال:

لماذا انفجرت هذه المعارك هذه السنة بالضبط؟

جواب:

القضية في نظري بنيوية، متعلقة بفشل منظومة الإصلاح الجامعي الأخير عموما على كل المستويات، وخاصة الجانب البيداغوجي منه، وما مشكل الامتحانات الذي طفا على السطح هذه الأيام إلا أحد تجليات الأزمة الخانقة التي تعيشها الجامعة المغربية والتي يعاني الطلاب ويلاتها. ومافتئنا نحذر في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من خطر فشل الإصلاح ومن كارثية الوضع الجامعي. كما أننا لم نأل جهدا لنبلغ صوت الطلاب إلى المسؤولين بدءا من مراسلة السيد المالكي وزير التربية والتعليم أزيد من أربعين مراسلة، والسيد الوزير الأول، وراسلنا في منتصف الشهر السابق مجلسي النواب والمستشارين، لكن للأسف لا أذن لمن تنادي. كما أننا خضنا عدة أشكال نضالية عرفت نجاحا كبيرا في إطار معركة” أنصفوا الطلاب” التي نعيش مرحلتها الثالثة، فهذا التعنت والتجاهل الإداري هو الذي أوصل الأمور إلى هذا المآل الباعث على القلق والتخوف على مستقبل الجامعة.

وكما لا يخفى عليكم نحن نعيش السنة الثالثة من عمر الإصلاح، وبالتالي تناسلت المشاكل وتفاعلت وتعقدت خصوصا مع انطلاق هذه السنة الجامعية، وأعتقد أنه لا يمكن فهم مشكل الامتحانات الحالية دون استحضار سياق العملية التعليمية بأكمله لأن التقويم في نهاية المطاف حلقة من حلقات العملية التعليمية ليس إلا. لذلك أقول وأجمل بأنه:

1- تم خرق دفتر الضوابط البيداغوجية جملة وتفصيلا، وخاصة الفصول المتعلقة باستيفاء الوحدات والفصول والأسلاك؛ مع ما ينتاب هذا الدفتر أصلا من حيف نرفضه؛ مما أغرق الجامعة في ظاهرة “الفصول والأسلاك المختلطة”، وهي مهزلة لم تبلغها جامعة قط في تاريخها، وتؤثر على البرمجة السليمة للامتحانات بسبب صعوبة التنسيق بين مسؤولي الفصول والمسالك.

2- فتح الباب على مصراعيه للكليات “ليرقعوا بما يمكن الترقيع به” بعدما تأكد فشل الإصلاح، مما ضرب أحد أهم الأسس التربوية العادلة وهي مبدأ تكافئ الفرص فلا يعقل أن يجتاز طلبة في كلية ما الامتحانات النهائية في حين يعفى زملاؤهم في نفس التخصص في كلية أخرى منها لعدم قدرة الإدارة على تنظيمها متخفين تحت غطاء استقلالية الجامعة.

3- النقص المهول في الأطر التربوية بسبب المغادرة الطوعية.

4- تأخر انطلاق الدراسة في الوقت المبرمج، بسبب إما تأخر التحاق بعض الأساتذة في بعض الكليات أو بسبب المشاكل الإدارية التي لا تكاد تحصى أو بسبب تأخر صرف المنح الذي يعوق الالتحاق الطلابي في وقته.

5- ضعف البنية التحتية وخاصة قلة القاعات والأقسام، أمام كثرة الأفواج وتداخل الفصول التي فرضها الإصلاح في صيغته” المرقعة” تسببت في عدم استكمال الطلبة مقرراتهم الدراسية في عدد من الوحدات، إذا أضفنا إلى هذا السياق انفراد الإدارة ببرمجة الامتحانات دون إشراك الطلاب، ودون تمكينهم من الوقت الكافي للاستعداد تكون الصورة الكارثية قد اكتملت.

سؤال:

لماذا لا تلتجئون للحوار مع الإدارة عوض مقاطعة الامتحانات؟

جواب:

الحقيقة مخالفة تماما، فالمقاطعة تكون دائما تتويجا لمسار نضالي تصاعدي، بل يكون طلب الحوار وتقديم المقترحات العملية لتجاوز المشاكل هي الخطوة الأولى والثانية والأخيرة، ذلك لأننا لسنا هواة التأزيم وما ينبغي لنا ذلك. وإذا كنا كذلك فينبغي أن لا نغفل أننا نتعامل مع خليط غير متجانس من المعادن البشرية في الإدارة. وإلا فكيف تفسر استجابة إدارات كليات مكناس والحقوق المحمدية وكليتي ابن طفيل بالقنيطرة والحقوق سلا الجديدة وأخيرا كلية العلوم مراكش والعلوم بن مسيك لمطالب الطلاب بعدما اقتنعت تحت ضغط المعارك النضالية المحلية بطبيعة الحال أو بالحوار كما هو الشأن في وجدة، وبالتالي الحيلولة دون الوصول إلى مقاطعة الامتحان. إن الذي يتحمل مسؤولية المقاطعة هو التعنت الإداري لا غير.

سؤال:

تتحدث بعض الأطراف عن كون المعركة لها خلفية سياسية، وتأتي في إطار تصريف العدل والإحسان لبرنامجها داخل الجامعة فما رأيكم؟

جواب:

دعني بداية أوضح أمرا مهما؛ متعلق بنقاش قديم يعتبر من تراث الفكر النقابي؛ وهو ما اصطلح عليه بجدلية النقابي والسياسي، فرغم تنوع القراءات لهذه العلاقة إلا أن أحدا لم يتنكر لها، نظرا لتداخل مجالات الفعل وترابطها. لذلك أقول إذا كان المتحدثون عن الخلفية السياسية يقصدون كون المطالب لها بعد سياسي بمعنى أن هذه المطالب النقابية تفرض تغيير السياسة التعليمية الفاشلة برمتها لتتحقق، فأقول بأن مطلب تغيير السياسة التعليمية هو أحد الأسس الرئيسة للملف المطلبي الوطني الذي صادقت عليه الجماهير الطلابية في تجمعاتها العامة وتخوض من أجلها اليوم معركتها الوطنية بقيادتها الوطنية المتمثلة في الكتابة العامة للتنسيق الوطني، وما نجاح إضرابات 20/10/2005 و16/11/2005 إلا غيض من فيض والخبر ما ترى لاما تسمع. أما إذا كان أصحاب الخلفية السياسية يقصدون كون طلبة العدل والإحسان هم من يقود هذه المعركة في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب فهذا مفخرة لطلبة العدل والإحسان وليس سبة، لأنهم استطاعوا أن ينالوا ثقة الطلاب الذين انتخبوهم بعشرات الآلاف، ولدينا التقارير الشاهدة، في انتخابات سنوية شفافة وجماهيرية يستدعى لها كل الفصائل للمشاركة لكنها ترفضها خوفا من الهزيمة وخوفا من الديموقراطية التي يتبجحون بها في منتدياتهم الحزبية. بل الأدهى والأمر هو انسحابهم الكلي من الساحة النضالية، أو اكتفاؤهم في أحسن الأحوال بتنظيم أنشطة ثقافية بعيدا عن هموم الطلاب ومعاناتهم. وهنا أتساءل هل يعقل أن تنجح المقاطعة بنسبة 100 وبشكل تلقائي، ويصل الأمر إلى تسليم الطلبة بطاقاتهم لمكتب التعاضدية تعبيرا عن الثقة العظيمة بين القيادة والطلاب، فنقول بأن المعركة معركة العدل والإحسان؟ وإذا افترضنا جدلا أن ما يذهب إليه هؤلاء ويتشبثون به صحيح، والحال أنه خاطئ وهراء من القول، فإنه لا يفيد سوى أحد أمرين اثنين: إما أن طلاب المغرب كلهم مقتنعون بخيارات جماعة العدل والإحسان ويسيرون حدوها، وهذا ما لا ندعيه لأنفسنا، بل إنه استبلاد واستخفاف من هؤلاء الحاقدين بعقول الطلاب وإراداتهم . أو أن هؤلاء الطاعنين لا تحركهم إلا الخلفية السياسية الحاقدة على كل ما يأتي من العدل والإحسان ولو كان خيرا مائة بالمائة كما في حالتنا هاته حيث أنه لا يمكن لغير المكابر والحاقد إلا التسليم بواقعية ومعقولية الاحتجاجات الطلابية بغض النظر عمن يؤطرها.