نظمت الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، في إطار لقاءاتها التواصلية مع الأقاليم والفروع، زيارة لمدينة الدار البيضاء يومي السبت 31 دجنبر 2005 والأحد فاتح يناير 2006، حيث كان للأستاذ محمد الحمداوي، عضو الأمانة العامة ومجلس الإرشاد، ليلة السبت موعد مع عدد من أطر وقيادات الجماعة بالمدينة من خلال محاضرة بعنوان “معالم في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان”، والتي تميزت بحضور عدد من أعضاء الأمانة العامة هم الأساتذة عبد الصمد فتحي ومصطفى الريق وعبد الحميد البارودي.

استهل الأستاذ الحمداوي محاضرته بمقدمة ذكر فيها بعدد من الثوابت التي ينبني عليها منهاج الجماعة في التصور والسلوك، فجماعة العدل والإحسان، يقول الأستاذ، جماعة دعوة بوابتها الأساسية التربية ثم التربية ثم التربية، أخذت الإسلام في شموليته ما دامت تسلك منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. والجماعة لم تجعل لها شعار “العدل والإحسان” ترفا بل لأنها لا ترضى بهدف اجتماعي سياسي غير العدل الاجتماعي والسياسي على شريعة الله، ولأنها لا تضع نصب أعين أعضائها غاية دون الإحسان.

ولأن الجانب السياسي من الدين كان ضروري إفراده بجزء من الاهتمام والجهد، لكنه شدد على أن حامل راية المنهاج السياسي لا ينبغي أن يكون في نفسه هوس واستخفاف ورقة في دين الله بل إن لواء النصر يجب أن تحمله أجيال من المومنين.

وأشار إلى أن السياسة هي فن الممكن والمتاح في تدبير الشأن العام للأمة بالحكمة المطلوبة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية.

بعد هذا التقديم الإطار، عرج الأستاذ محمد الحمداوي للحديث عن بعض المعالم في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان، واختزلها في ثمانية:

1- المبدئية: فالجماعة لا يحركها دافع حزبي أو طائفي ولا تعارض الوضع القائم مجرد المعارضة السياسية، بل استجابة لأمر الله بالتغيير الذي جاء به القرآن والسنة وتأثم الأمة إن لم تقم به، قال تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وأولئك هم المفلحون” (سورة آل عمران، الآية: 104).

ومن المبدئية رفض المشاركة السياسية المشوهة التي تنتج مؤسسات شكلية صورية تتلاعب بإرادة الشعب. ومن المبدئية أيضا مفاهيم مركزية كبرى كالعدل والشورى والحريات العامة وحقوق الإنسان.

2- العلمية: ذكر المحاضر هنا بأن اشتغال الجماعة في الميدان السياسي مبني على دراسة النظريات السياسية والتحليل العلمي لها، ودراسة الأوضاع المعاشة من أجل إعطاء إجابات علمية ومنطقية على الأسئلة المطروحة. في هذا الإطار كان حرص الدائرة السياسية على تأسيس مكاتب الخبرة والدراسات في مجالات الحياة المتنوعة من اقتصاد وتعليم وسياسة & وغيرها، من أجل الإسهام بالحلول العلمية لنهضة البلد من نكسته.

3- الواقعية: ليس منهاجنا محلقا في أجواء المثالية يقول الأستاذ، بل يستهدف واقعا معاشا مغربيا في أفق متوسط ثم العالم الإسلامي بعد ذلك. والواقعية لا تعني الخضوع والارتهان للواقع، بل استيعاب الواقع وأخذ معطياته في التخطيط وتقديم البديل العلمي والمنشود.

4- الإجرائية: هذا المَعلم يشير إلى تنزيل المنهاج السياسي في الأبعاد المختلفة للأمة، منهاج يبسط ويقدم خدمات مباشرة تصل إلى كل مكونات الأمة، لذلك كان تأسيس الأقاليم والفروع والقطاعات في كل المناطق.

5- التكاملية: ذلك أن الاشتغال في السياسة بمعزل عن باقي المجالات التربوية والدعوية والعلمية ينتج كائنا مشوها.

6- المرحلية: التغيير ليس قفزا على المراحل بل عملية تقوم بها أجيال من المومنين، وتحتاج إلى تدرج في البناء وإتقان في كل مراحل هذا البناء.

7- السلمية: الجماعة تعتبر العنف السياسي صبيانية، فهي مع التعددية وضد الإقصاء، بل منهاجها مبني على الرفق والمنافسة والتنسيق مع الأغيار.

8- الاستراتيجية: وهو العمل من أجل أن تعود الخلافة الثانية على منهاج النبوة كما بشرنا بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وذكٌر في الأخير الأستاذ محمد الحمداوي بقول المرشد في كتاب العدل: “ندعو إلى عدل الإسلام وأخوة الإسلام وتكافل المسلمين وتعاونهم على البر والتقوى كما أمر الله عز وجل. وندعو إلى أخلاق الإسلام وقيمه، وحرية الإنسان وحقّه في معرفة ربه، وحقه في الكـرامة والأمْـن والرزق، وواجبَه في المشاركة في جهاد الأمة لتحرير الأمة من براثن أعدائهـا، واقتناء وسائل التقنية المتطورة لمصاولة القوى الرأسمالية العسكرية العولمية ومطاولتها لكيلا يكون نصيبنا من خيرات الدنيا والآخرة نصيب المغبونـين في القِسمة الضيزَى التي يبغيها مستكبرو العالم لمستضعفي العالم”.

بعد ذلك فتح المجال للإخوة الحاضرين حيث أدلى عدد من المتدخلين بعدد من الأفكار وطرحوا بعض الأسئلة، والتي ارتبطت بالجانب التصوري للجماعة.

وقد كانت إجابات الأستاذ محمد الحمداوي مناسبة للتوسع والوقوف عند بعض الأفكار والرؤى، أهمها:

– الشورى والديمقراطية: إذ أكد الأستاذ على أن الديمقراطية ليست نقيض الشورى، ولكننا نميز بين الفلسفة والآليات، فالفلسفة اللائيكية للديمقراطية مرفوضة وللشورى فلسفتها المؤسسة الخاصة لأن الشورى في تطبيقها لها بعد تعبدي، أما الآليات فقد تكون مشتركة ويمكن أن نستفيد منها مع أنه ينبغي على الفكر الإسلامي أن يبتكر من داخل النسق الشوري آليات أسمى وأفضل تتجاوز الآليات الديمقراطية التي تتعرض لانتقادات كثيرة.

وذكر بأن الشورى لها بعد إنساني عميق حيث تطبق على الجميع أما الديمقراطية فتطبق داخل الحمى الغربي الذي منه تخرج الجيوش المحتلة، وما حق النقض داخل الأمم المتحدة الذي تتفاضل به بعض الدول على باقي الأمم إلا تجلي بارز لهذه الديمقراطية المنتقاة.

كما أشار الأستاذ الحمداوي إلى أن الحريات العامة في مستقبل الدولة الإسلامية هي أقوى وأوسع من الحريات الحالية، ويبقى ضابط الشرع وما يتفق عليه الناس هو الحكم في حياة المجتمع معززا قوله بنماذج خالدة من السيرة النبوية العطرة والخلافة الأولى الراشدة.

– الدعوة والدولة: أشار إلى الرؤية التجديدية للجماعة في هذه العلاقة، والقائمة على رقابة وسيادة الدعوة على الدولة، مذكرا بأن التخوف من استبداد الدولة جعل المجتمع المدني الغربي هو حصانة الديمقراطية والمراقب لتطبيقها ضد الانزلاق نحو الطغيان.

وقال نأمل أن يشكل هذا المجتمع المدني (جماعة المسلمين) القاعدة الأساسية والضمانة ضد الاستبداد، ليكون التداول على السلطة وفق نموذج متفق عليه.

وذكر بأن وضيفة الدعوة الأساسية هي التربية، أي تربية الإنسان على أن لا يخشى الناس بل يخشى الله الذي لا إله إلا هو، الشيء الذي يفتل في قوة المجتمع ويمثل الحصانة ضد الانحراف.

وارتباطا بهذه الفكرة فالجماعة لن تتكفل وحدها بعملية التغيير يقول الأستاذ، لأنها جزء من المجتمع فلا تصادر حقوق الآخرين ولأن التغيير يتطلب كل الجهود نظرا للوضع الكارثي الذي نعيشه ولأن الجماعة دعوة وظيفتها الأساسية التربية وبالتالي فالجانب المهم من عملها ينصرف إلى إعداد المجتمع.

– الخلافة الثانية: البعض يروج بأننا نقصد نمودج الخيمة والجمل عندما نذكر الخلافة وهذا غير صحيح ونظرة تسطيحية لمشروعنا وتصورنا، بل إن الخلافة، يؤكد الأستاذ الحمداوي، قريبة من النماذج المعاصرة على مستوى الشكل وليس المضمون كالاتحاد الأروبي مثلا.

فشعوب أوربا جمعتها المصلحة وليس شيء آخر مع حفاظها على خصوصياتها المحلية، أما عوامل الوحدة في الأمة الإسلامية فهي أقوى وأعمق الدين واللغة والتاريخ والمصلحة…

وإذا كان شعار “الإسلام هو الحل” صحيحا فإن هذا لا يغني عن ضرورة التدقيق وإعداد الإجابات والمشاريع الحقيقة، الإسلام هو الحل، لكن كيف؟ ما هو برنامجك في الاقتصاد مثلا؟ وهي أسئلة مطروحة على مختلف الإسلاميين، الذين هم في أمس الحاجة إلى تأسيس نموذج بديل، مشيرا إلى أن أفغانستان أتقنت صناعة الموت بهزمها للمحتل السوفياتي لكنها فشلت في صناعة الحياة في إعطاء نموذج المجتمع المسلم والدولة الإسلامية.

وألمح الأستاذ إلى أن الجماعة قطعت أشواطا كبيرة في إعداد مشروعها من خلال مكاتب الدراسات والخبرة التي انكبت على هذا العمل منذ 1998، وسيأتي اليوم الذي تكشف فيه الجماعة عن مقترحاتها.

وقال بأن البناء له مراحل، وأسبقيات المرحلة الحالية بالنسبة للجماعة هي إنضاج المشروع السياسي والإسهام في ميثاق فعلي وعقد اجتماعي حقيقي يكون صمام أمان من السقوط في متاهات الفتن.