جلست على عتبة بيتها … تحت زيتونة وارفة … ثنايا جبهتها تختزن معاناة لم يقطر بها الحبر بعد .. ألقى التحية والسلام، فردت: مرحبا … لا تقعد على الأرض فهي باردة.

قال: لقد جئت لأطمئن عليك … وأسمع حكايتك.

بدت متلهفة للحكي … تنهدت نارا تلفح … وصدرها المجروح يغلي كالمرجل ثم قالت: لقد ارتفع ثمن الخبز والوقود، وشح الماء من السدود، لم نعد نحلم باللحم ولا الجلود، ليس عندنا نقود، وكل الشعارات زائفة ليس لها وجود. منذ غابت الشمس وساد الظلام ومدينتي تعيش تحت نار الحسام، الملايين على الجوع تنام، والملايين تصرف من جيوب النيام، وكلما ناديتُ بتوفير الطعام جعلوا من ندائي اتهام. عِرضنا يهتكه اللئام فوق الأرصفة وفي جنح الظلام، وحماة العرض شاهدون على الحرام، ويحمون وفود “الكرام” التي تأتي لاصطياد “الحمام” من “أرض السلام”، ويوصوننا بالضيافة والإكرام فإن ناقشنا هذا الكلام أبادوا بعضنا لتخفيف الزحام، حالنا إلى الحضيض عام بعد عام ، إن بلدي مات والسلام.

قال: إنك تبالغين، وثقافة اليأس تنشرين، وبمنجزات العهد الجديد تجحدين.

قالت: إنك تعيش ذاكرة النسيان، فهذا الزمان هو ذاك الزمان، أما سمعت عن التسلط والطغيان وقلة الأمان، أما سمعت أنين السكان ومرارة الحرمان، ومعاول الحفر بالأوزان. لقد أحببت هذه الأوطان وجعلت وجودها في صدري من الإيمان.

قال: لقد روى فلان عن علان بأنك دنست دين الرحمان، أبعدي الدين عن الدنيا واحبسيه في دكان، ذاك دين الديان والحكم شأن ثان، دع الأمس وحدثينا عن الآن.

قالت: نترك القول الفصل في هذا لأهل العرفان.

قال: ليس الأمر بالعِمّةِ والقُفطان، فيقينهم بهتان ولو أن صلاتهم بالأطنان، وقولهم فيه قولان، وإن صدقوا فهم يطلبون السلطان.

قالت: إنما نريد الاطمئنان وإقامة الميزان كما حدده القرآن، وليكن هذا السلطان أيا كان من الإنس أو الجان.

قال: وماذا عن أحلامك في المنام؟

قالت: يا سيدي، لقد رأيت في المنام أنه في عام من الأعوام سأعيش في وئام ولن أشكي قلة الطعام، وأتكلم دون قطع اللسان، ولا يخجل ثغري من الابتسام، ولم يعد أنفي مصاب بالزكام، ولا تسمع أذني عن متهم بلا اتهام، وأن كل شيء في نظام تام.

قال: لا عيب في ذلك ما دام الأمر لم يخرج عن المنام، لكنك تبشرين الأنام، بتغيير الأحوال.

قالت: عند البعض حب فائض للجدال، والبعض الآخر يربط ذلك بمآل قصور من رمال، وبعض ثالث من الخير استقال وتخصص في بيع الخيال في دكاكين النضال، في سوق السياسة حط الرحال وربط مصيره بثقافة السؤال.

قال: لماذا نضيع أوقاتنا في القيل والقال؟؟

قالت: عندنا يستوي الرجال وأشباه الرجال كما يستوي الكبش والغزال، يمين وأصحاب شمال يتبارون على الاحتيال، ويتقنون الرقص على الحبال.

قال: وأنت ماذا تفعلين؟

قالت: يا سيدي معذرة فليس لي يدان، وليس لي وسيلة وليس لي ميدان، كل الذي أملكه لسان، وأنا محرومة حتى من الكلام ولو كان آية من القرآن. النطق سعره باهض والموت بالمجان، ولا أريد أن أعطي فرصة للشيطان حتى لا يعيد قصة عمر وعلي وعثمان.

قال: إن ما تقولينه جنون وكذب وبهتان.

قالت: وأين حقوق الإنسان؟ أَوَ كلما أعلنت رأيا أهاجم مهاجمة الذئب للخرفان، يُعَرْبدُ ويُزَرْبدُ الأعداء والخلان ليدافعوا عن ليل الغربان، وربما اقترح أحدهم الحكم علي بالإعدام.

تَوَقَّفَت، أَخَذَت نَفَسًا عميقاً وكأنها أخرجته من ثنايا عمرها السحيق، رَمَقَت السماء بعينيها اللتين تخفيان جمالا ساحرا أذبلته هموم سنوات طويلة & فيما راح هو يحدث نفسه: ربما اختزل التاريخ أحداثه واجتمعت الألف ليلة وليلة في هذه اللحظة.

فجأة انتزعته من استغراقه وصوتها يعلو بالتكبير والتهليل، ولأول مرة يَرْمُق مسبحة تتحرك برشاقة وحيوية بين أناملها قالت وعيناها إلى السماء: في مثل هذا الليل يخرج عادل، لا يخيفه ما يقع من ترهيب وما يعيش بلده من وضع عصيب.. وبرحمة ورفق يطفئ هذا اللهيب، عندها تتشقق الأرض وتعلن اندثارها & وتحلق طيور الشؤم وتعلن أحزانها & وتهب عواصف الباطل وتعلن قساوتها.

تصببت حبات عرق باردة على جبينه المشتعلة. وأحس بالخجل من نفسه التي تضاءلت أمام هذا الشامخ عادل & بحثت عن نفسه فلم يجدها، نظر إليها فإذا المسبحة لا تتوقف، فكر: أية علاقة بين عادل وهذه المسبحة؟

غادرها هاربا إلى الأوراق يختبئ بين الكلمات عسى أن يريح ضميره من وهن القعود & نظر إليه القلم ثم كتب: أما قرأت حكاية شهرزاد عن ليلة مات فيها إنسان & قطفوا ثمار أرضه وحملوه الصوائر & أيها المنعم بالديباج والمرمر .. يا من يأكل الفستق في صحون البلور & أما سمعت عن طفل جائع وعن وليد حرموه المراضع .. دمت قرير العين بجواريك ورزقت منهن الخلف .. لكن تذكر حكاية شهرزاد واجعلها في الليلة الثانية بعد الألف.