حين خلق الله تعالى الإنسان فوق الأرض لم يخلقه عبثا دون غاية أو هدف (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (1)، بل خلقه لغاية جليلة وهي عبادته عز وجل، لأن هذا الإنسان إلى معاد فحساب ثم جزاء (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) (2)، وأن هذا الإنسان إن أٍراد الحساب اليسير والجزاء الحسن عليه أن يجد في الصالحات لأن الله تعالى لا يضيع أجر صاحب العمل الصالح (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (3).

والله تعالى أنزل ذكره على حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم من أوامر ونواهي وأمره بتبليغه إلى الناس بتدرج حتى يشتد عودهم ويقوى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (4)، إذ الناس معادن وقابلية كل فرد وصدقه واستعداده تختلف وتتفاوت بين فرد وفرد.

والإسلام جاء شاملا لجميع مناحي الحياة، موازنا للمطالب بين الروح والجسد، إذ “التوازن سمة بارزة في هذا الكون” (5) والإنسان باعتباره محورا وفاعلا فيه، لا يمكنه أن يخرج عن هذا الناموس الإلهي لذلك فقد اعتنى الإسلام بالإنسان اعتناء كبيرا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (6).

فـ “الإنسان في التصور الإسلامي مكرم مفضل عند الله يحمل هذه الكرامة بين جنبيه طالما هو متصل بالله متبع لهداه” (7) وآية ذلك حفظه لمقاصد التشريع التي حصرها الأصوليون والفقهاء في خمسة وهي الدين والنفس والمال والنسل إذ لا ينظر إليه أنه شقان منفصلان “شق أرضي يعمل وشق سماوي يتعبد… ومن تم فليس شيء في كيانه منفصلا، عن بقية الكيان: الروح والعقل والجسم كيان واحد، والعمل والعبادة كيان واحد، والدنيا والآخرة كيان واحد” (8).

وقد كان الشعر  وما زال – هو اللون الفني الذي لا يستطيع أحد إنكار تأثيره في النفس والروح والعقل حيث عُرف العرب والمسلمون بشغفهم الكبير به والاستماع إليه وإنشاده في المنتديات والأسواق، ولم يتخل المسلمون في أي حقبة عن الاهتمام والعناية به، بل استمر شغفهم به على مر العصور حتى وقتنا هذا حيث الأمسيات الشعرية الجادة تحشد أعدادا هائلة من الباحثين عن الجمال والمتعة واللذة الفنية.

لقد ذكر مصطلح الشعر والشعراء في القرآن الكريم عدة مرات حيث قال عز وجل: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (9) وقال تعالى: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (10).

أما مصطلح شاعر فقد ذكر في أربعة مواضع وهي قوله تعالى: (بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ) (11) وقوله عز وجل: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) (12) وقوله (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (13) وقوله أيضا: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ) (14).

وهذه الآيات التي تنفي الشاعرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها انتقاص من قيمة الشعر والشعراء، ولو كان الأمر كذلك لنبه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سمع الشعر واستحب إنشاده بل كان يأمر بعض صحابته الشعراء بهجاء الكفار والرد عليهم إفحاما لهم ورفعا لمعنويات المسلمين.

قال صلى الله عليه وسلم مشجعا سيدنا حسان بن ثابت: “أهجهم وجبريل معك” (15)، وقد نافح الصحابي الشاعر حسان عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الدعوة الإسلامية حتى لقب بشاعر الرسول. وهناك شعراء آخرون اشتهروا بهجاء المشركين والدفاع عن الإسلام بالإضافة إلى حسان بن ثابت منهم عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتخر بهم وقد قال فيهم: “هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل” (16). فالشعر كما كان له في العصر الجاهلي دور الدفاع عن القبيلة والتحدث بلسانها وتسجيل مفاخرها وأمجادها وأيامها أصبح في ظل الإسلام له رسالة يبلغها ويزيل الشوائب من طريقها ويحفز الناس على التمسك بها.

وإذا كانت الآيات السالفة الذكر لا يستشف منها لا الحرمة ولا الكراهة ولا من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هناك مجالات نهى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عن الخوض فيها انسجاما مع تعاليم رسالته السامية التي جاءت لإخراج الناس من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، مثل الشعر الذي يطعن في الأحساب والأنساب والغزل الفاحش والشعر الذي يوقد نار التعصب القبلي. كما أن هناك أحاديث نبوية نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغلب الاهتمام بالشعر وحفظه وإنشاده على الأمور الأخرى ذات الأولوية، مثل تلاوة القرآن والقيام بالطاعات خصوصا وأن تلك الفترة كان الدين الإسلامي في بدايته فخيف انشغال الناس بالشعر عن غيره من الأمور الجسام، قال عليه الصلاة والسلام في هذا الباب: “لأن يمتلئ جوف أحكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا” (17). قال العيني “امتلاء الجوف بالشعر كناية عن كثرة الاشتغال به حتى يكون وقته مستغرقا به فلا يتفرغ لذكر الله عز وجل ولا لقراءة القرآن وتحصيل العلم” (18).

كما نبه الرسول صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت إلى النسب القرشي المشترك بينه وبين المشركين ليحرص على جعل الرد عليهم دفاعا عن الإسلام وليس انسياقا مع تيار الهجاء المولد للتعصب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف بنسبي؟ فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين” (19).

ولم يَحِدِ الصحابة ولا الخلفاء الراشدين عن موقف رسول الله من الشعر، فقد سجن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشاعر الحطيئة لما أقذع في هجاء الزربقان بن بدر، وسجن سيدنا عثمان بن عفان عبد بني حسحاس لهجائه لجماعة وتعيير أمهم بالكلب، حيث قال له قولته المشهورة “أما والله لو كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنزل الله فيك قرآنا”.

واستمرت عناية المسلمين بالشعر على مر السنين، وظل يحتفظ بالقيمة العليا التي حظي بها قبل، سواء من طرف العلماء أو الأمراء أو عامة الناس، حتى في العصر الذي عُرِف بعصر الانحطاط إذ ظلت العناية والرعاية بالشعر حاضرة ومستمرة فـ”الظاهرة البارزة الأولى في تاريخ الأدب العربي عامة  والعصر المملوكي والعثماني خاصة  أن موكب الشعر لم يتوقف أو ينقطع على الرغم من تغير الأوضاع السياسية، وتبدل الأحوال الاجتماعية وتباين الأجواء الفكرية والثقافية بين شتى الأمصار ومختلف العصور، ولقد احتفظ الشعر بمكانته التقليدية من العناية والرعاية، وظل الناس يتداولونه، ويتذكرونه، ويتسامرون به، ويحفظونه على ظهر قلب. ولا غرو في هذا فهو تراث العرب الثقافي الخالد وهو هالة السحر والجلال التي تحف بالشاعر العربي” (20).

الهوامش:

(1) المؤمنون: 115

(2) الذاريات: 56 و57

(3) الكهف: 30

(4) المائدة: 67

(5) منهج الفن الإسلامي  محمد قطب: ص 41

(6) الإسراء: 70

(7) منهج الفن الإسلامي  محمد قطب: ص 39

(8) منهج الفن الإسلامي  محمد قطب: ص 40

(9) يس: 69

(10) الشعراء: من 224 إلى 227

(11) الأنبياء: 5

(12) الصافات: 36

(13) الطور: 30

(14) الحاقة: 41

(15) صحيح البخاري شرح العيني ج 22

(16) شرح العيني لصحيح البخاري: ص 181، ج 22

(17) شرح العيني لصحيح البخاري: ص 188، ج 22

(18) مفهوم الشعر والغناء من منظور إسلامي  عبد السلام الجيلاري: ص 63

(19) صحيح البخاري  كتاب الأدب: المجلد الرابع

(20) مطالعات في الشعر المملوكي  بكري شيخ أمين