الاشتراكية هي حلم المثقفين من بلاد العالم المتخلف اقتصاديا، لكن هذه الاشتراكية متى أصبحت على باب التنفيذ تحولت شعارا فارغا من ورائه نفس البوائق ونفس الاستغلال الطبقي ونفس الترنح في السياسة ونفس التبعية، تتغير أشكال كل ذلك لا محتوياته، ولا يستقيم لهذه الدويلات الإسلامية أمر قبل الثورة الاشتراكية ولا بعدها لأن فكر القادة وإرادتهم، وأعني بالقيادة هنا المتصدرين للتحدث باسم الشعب العاملين من أجل الشعب الواضعينه تحت الوصاية، لا تتلاءم مع فكر الشعب وإرادته الشعب الإسلامي يفكر بذهنيات تمت للإسلام بصلات وثيقة، وأولئك يفكرون بذهنيات تمت للجاهلية بصلات أوثق، الشعب الإسلامي يريد إسلاما عمريا وأخوة إسلامية وتضامنا إسلاميا يحن إلى ذلك، أما أولئك فيريدون نموا اقتصاديا من أجل الشعب لكن ينوون ضمنيا أن يضحوا بقيم الإسلام بل بجوهره، لذلك لا ينجح لهم مشروع في بناء الاقتصاد لفقدان الانضمام الشعبي والمشاركة، ولا يتم لهم استقرار سياسي لانفصام ما بينهم وبين القاعدة الشعبية.

    في هذه الفترة التي دب الانهيار إلى الإديولوجية الشيوعية لا يزال من شبابنا من تلك الذرية الخاسرة الكئيبة المتخلفة فكريا من يومن بدين ماركس وأتباعه، في هذه الفترة التي برهن فيها كل من نادى باشتراكية من حكام المسلمين أن اشتراكيته تعبير إيديولوجي عن نظام رأسمالية دولة لا تختلف عن الرأسمالية الأخرى السافرة إلا بإضافة الفساد البيروقراطي إلى الفساد الجوهري في هذه الفترة لا يزال المذهب الاشتراكي قبلة الفكر والقلب لكثير من مثقفينا يعتقدون أن الاشتراكية هي مستقبلنا المحتوم، وأن لهم في ذلك لعقيدة وأن لهم لإرادة وتنظيما، وأن لهما لعزما، نعم لو كان بوسعهم أن يكفروا الشعب بالعنف الثوري ويفرضوا بالنار والحديد مسيرة مثل مسيرة كوبا على الأقل أو مجازر ستالين ومقلديه الصغار لأمكنهم أن يهيئوا مجتمعا على صورة مجتمعات “الكولاك” مجتمعات فيها علف وفيها أشياء لكن لا وجود فيها للإنسان ولا لكرامة الإنسان، أما والشعب مسلم فلن يكون في وسع الحالمين باشتراكية إلا أن يفعلوا مثلما فعل القائمون على اشتراكيات هزيلة متخلفة في ديارنا تسمي نفسها تارة إسلاما اشتراكيا وأخرى اشتراكية إسلامية، تلون في التعبير يغطي ثبوتا في الحقائق، حقائق الفشل والتبعية وعدم الاستقرار.

    إن هذه الاشتراكية  الحلم وصف ممنهج لعالم إنساني بديع جميل بمعايير الجاهلية المادية، ما دام فكرا فهو في عين المفتونين كذلك، تزينه وتكمله التحليلات “العلمية” الثابتة من قبل في عقول الماركسيين، حتى إذا آن أن يتجسم الحلم واقعا استعصى الواقع المشتبك على وصفات الأحلام العلمية العتيدة: فإما اشتراكية ديمقراطية مناخها الطبيعي أرض أوربا المرتكزة أنظمتها على دعائم الحضارة الهاوية غدا ومنذ اليوم، وعلى تقاليد شعوب استقرت سياستها على تعاقد هو الديمقراطية بما لها وما عليها، أما في بلادنا القديمة البالية فإن الحلم الجميل في عين غيرنا يصطدم بصلابة الواقع الداخلي والخارجي ويضطرب الأمر بالحاكمين البعيدين عن آمال الشعب الحقيقية فيضطرون إلى المسلك التقليدي مسلك التصاف إلى جانب العالم الاشتراكي فما يتبع ذلك من استسلام لإرادة الحلفاء الخارجين واستسلام للحلول السهلة حلول التأميم في صورة إغناء طبقة الموظفين الذين لن يلبثوا أن يخلفوا البرجوازية السابقة ويتبخر الحلم على بساط الواقع السطحي، أما الشعب ومن ينهشه من أقوام وما يأكل جوهره من ذهنيات وعادات وأنانيات فيزداد جهلا وفقرا ومرضا.

    الحل الإسلامي الذي يجب أن يواكب سير الحركة الإسلامية المباركة يجد أمامه هذا الحلم الاشتراكي المسيطر على أذهان النخبة الواعية من أمتنا كما يجد أمامه واقعا عصيا مشتبكا عويصا، ولا بد من تبشير بهذا الحل الإسلامي على شكل نظرية متكاملة واضحة منظمة منهاجية تدحض ما افتراه المترفون على الإسلام وتبطل ما يفترضه أعداء الإسلام والجاهلون به من ذرارينا وغيرهم من علاقة بين انحطاط المسلمين وبين الإسلام، يزعمون أن الإسلام هو سبب انحطاط المسلمين المباشر لأن الإسلام عندهم غيبية تعطل العقل، وتقليد يحول دون الابتكار، ونظام اقتصادي قام على الاستعباد ويقوم على الطبقية والتحالف مع الرأسمالية الغربية.

    ينتقد الاشتراكيون الرأسمالية والأنظمة المفتونة التي يسمونها رجعية ويربطون في نقدهم وصفا دقيقا للواقع نتفق معهم فيه بين الحليفين لكنهم يربطون كل ذلك بالإسلام، نعم الإسلام  الواجهة، الإسلام الإديولوجي التبريري فرية يستعملها الرجعيون باصطلاحهم كما يستعملها الثوريون التقدميون، نعم الإسلام بما هو دعوة إلى الله ونظام عام للحياة الكريمة ومثالية ترقى بالإنسان إلى آدميته وخلافته عن الله في الأرض هو غير واقع المسلمين منذ بدأ الفساد في المجتمع الإسلامي من قمته، أي من فساد المترفين الحاكمين بأمرهم لا بشرع الله، لكن أعداء الإسلام والجاهلين به لا يودون أن يحكموا على الإسلام كمشروع يجب أن يحقق بالجهد البشري والجهاد المتكرر المتجدد، بل هم يحكمون أن الإسلام هو مجموع كل هذه الانحرافات عن الحق وكل هذا الظلم وهذا التعفن السائدة في العالم الإسلامي لا غير، يستشهدون لذلك بأن علماء المسلمين هم حاملوا المظلة الإديولوجية التي يتفيأها المنحرفون والظالمون والمتعفنون، يريد أعداء الإسلام والجاهلون به أن يتجاهلوا أن التفسير التبريري للقرآن والسنة من عمل من نسميهم بلغة النبي صلى الله عليه وسلم “ديدان القراء” وأن هؤلاء الديدان قلة قليلة بين الأغلبية الصامتة المحوقلة من علماء المسلمين وأن هؤلاء الديدان لا يمثلون الإسلام ولا يفهمونه إلا مثلما يفهمه ويمثله أحد المثقفين المشغوفين بأهوائهم وضلالاتهم.

    كفانا الاشتراكيون عنتا في نقدهم للرأسمالية والرجعية التي ندخلها نحن في مفهومنا الإسلامي الرفيق الدقيق مفهوم “الفتنة” نتفق وإياهم على أن الرجعية فساد وتعفن وظلم اجتماعي وتحالف مع ما يسمونه امبريالية وندخله نحن في مفهومنا الإسلامي الواسع الدقيق مفهوم “الجاهلية”، لكنا ننبه من كان جاهلا ونتحدى من كان متحاملا أن الإسلام الحق كما عاشه المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلافات الراشدة جماعة قوامها الدعوة الإيمانية الربانية والدولة على أساس الشورى وشريعة الله برئ من المسخ الذي آل إليه الإسلام في يد المفسرين المبررين، ونتحدى أن الإسلام علاقة بين الله والإنسان المؤمن الفرد وعلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي معا. لله على الناس أن يفردوه بالعبادة، وللمسلم على كل المسلمين أن تصان كرامته ويعامل بالعدل والإحسان، على طول التاريخ الإسلامي وتطوراته وانقساماته وتدهوره السياسي والخلقي والحضاري العام مارس كل مسلم إسلامه على نطاق يميل إلى الفردية والاستسلام للواقع المفتون حتى أصبح الإسلام دينا بالمفهوم الذي ينقله من يعادي الإسلام أو يجهله ليحطه على الإسلام المتدهور ثم يعممه على الإسلام الذي هو دعوة ودولة ومصحف وسيف كما يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله ورضى عنه.

    والذي لا يدخل في حساب الاشتراكيين، أصحاب الفكر والحلم الجميل، عندما ينتقدون الرجعية وحليفتها الرأسمالية هو أن الإسلام ليس بديلا اقتصاديا للنظام الذي نتفق على إدانته بل هو في نفس الوقت رفع الإنسان من قيمه المادية إلى أفقه الخلقي والروحي السامي. إن الاشتراكية كمذهب اجتماعي  اقتصادي لا يمتاز عن أي نظام إنساني حتى ولو تحقق في أكمل إمكانياته، اختلافا جوهريا ما دام التفاضل بين الأنظمة الإنسانية لا يعدو القيم الإنسية والرخاء المادي، الذي ننتقد فيه الرأسمالية والرجعية وكل نظام إنسي هو أنها لا تقول كلمة للإنسان عن ماهيته الروحية ومستقره بعد الموت في الجنة أو النار في رضى الله الأبدي أو في عذاب جهنم الخالد، لنا معكم ومع الناس كافة قاسم مشترك هو إنسانيتنا وقابلياتنا للقيم الإنسية التي نسميها في الإسلام مروآت لا ننكر عليكم الذكاء وإن كنتم تدعون الذكاء مزية احتكرتموها دون الناس، لا ننكر محبتكم المعلنة للإنصاف والعدل مروءة عظيمة وإن كنتم تستغلون العدل لتختلسوا ثقة الشعب الذي يسمعكم تربطون العدل بالاشتراكية لا يعرف ما وراء الشعارات التي تغطي الكفر تحت اسم المروءة والإسلام، لا ننكر عليكم شيئا من ذلك وإن كنتم تتهمون رجال الدعوة الإسلامية بالغباوة والميل إلى الطبقة الآثرة والأمية الفكرية. لكن لنا حاسة حية هي عند بعضكم ضامرة وهي عند بعضكم لا وجود لها، إلا وهي حاسة قلبنا المومن بالله واليوم الآخر المومن بوجوب الحكم بما أنزل الله ومنه العدل بين الناس، فنحن إذ تصنفوننا مع العراقيل التي في طريقكم تودون أن تزول ليصفو لكم الجو، نصنفكم في مقدمة إمكانيات هذه الأمة وطاقاتها المبعثرة، نقدر ذكاءكم وخدمتكم لكننا نود لو تسمعون دعوة الله إليكم التي جاء بها إليكم رسل الله.

    إننا يا معشر الاشتراكيين نود أن نقرأ معكم كتاب العالم ونتعاون معكم على فهم مشكلات أمتنا، ونود ألا تذهب الطاقات التي تمثلونها وعيا وتقنية هدرا فتفوت على الأمة فرصة استعمال أبنائها القادرين، شرط واحد لذلك هو أن تقرأوا معنا كتاب الله بقلوب أيقظوها إن كان الإيمان خمد فيها أو ضمر، ثم اطردوا من بينكم الملحدين المارقين، نعلم أن منكم من يغشى المساجد وأن منكم من يضمر إيمانه، ما انضم إلى لواء الاشتراكية إلا عندما افتقد العدل والمروآت في صف الأغلبية الصامتة التي كان ينسب إليها الرضى بالإسلام  الواجهة.

    ها نحن أولاء ندعو كل الرجال والنساء من وراء التنظيمات الحزبية، لا تحجب عنا اختلافاتكم وماضيكم وحاضركم الإمكانات المستقبلية لوحدتكم، وما يوحدكم، ويحكم ! لا الإسلام، ها أنتم هؤلاء تخطبون ود الشعب فيتأبى عليكم الشعب لا يتبعكم، ما ذاك إلا أنكم عاديتم دين الشعب وجهلتموه، وما بينكم وبين أن تصبحوا رجالا حقا إلا أن تتوبوا من كل قلبكم وترقوا من مستوى كرامتكم الإنسانية إلى مستوى كرامتكم الإيمانية المفتوح في وجهكم بابها.