وعود كاذبة

زكرياء السرتي – [email protected]

في كل مرة تتجدد الوعود المعسولة لعامة المغاربة المحرومين دائما، المكرمين نادرا، المظلومين أبدا. تتجدد الوعود بقرب انفراج الأزمة الخانقة القاتلة، وإمكان التحول إلى وضع أحسن وأفضل. ويتقبل الناس هذه الوعود المسكنة لغياب الفعل التعبوي للنخب السياسية والثقافية، وانعدام الوعي الشعبي الكافي.

يتقبل الناس الوعود البراقة على أمل ضعيف وأمنية كاذبة في حصول أمر ما، وحدوث طارئ ممكن. بينما يطور الفاسدون أساليب الوعد وقنواته بما يمكنهم من تأمين مصالحهم المتنوعة المتجددة، ومزيد استنزاف الأموال والثروات العمومية.. كما قال محمد الهلالي:

فسد الزمان فساد فيه عصابة *** ظهرت به بالإثم والعدوان

لا يتوانى المفسدون من بني جلدتنا في سلب الحريات وتأخير الحقوق والمماطلة في تثبيت القانون، بل الإصرار على خرقه وتجاوزه وفق برنامج طموح يستهدف ترويض الرعايا وتأديب المتنطعين الخارجين عن الآداب المرعية والسنن المرضية.

قد يحسب القارئ الكريم أن كلامنا هنا على سبيل الكناية والإشارة. لكن جراحنا المثخنة بالفقر والمذلة والهزء، ومشاكلنا المتراكمة بسوء التدبير والسفاهة، تأبى أن نعد الأسماء والمواقع والهيئات التي أفسدت هواء نستنشقه، وضيعت خيرا نأمله، وسفهت دينا نتعبد الله به.

أجل، إن المظاهر المتنوعة للأزمة المغربية من بطالة وفقر ونهب وارتشاء وفساد مالي.. تمنع كل مواطن صادق نبيه من التتبع الذي يرتقي إلى مرتبة المرض النفسي.. إذ المظاهر تبقى كذلك إن علم الأصل الذي عنه تتفرع المشاكل والعقبات.أفسدوا مذ فسدوا جهراً ولا *** يَصلح الفرع إذا الأصل فسدْالأصل هو فساد نخبة حاكمة دربت على إنتاج الوعود والأماني الكاذبة، وتزييف الذاكرة الجماعية، وتثبيت الامتيازات…

الأصل هو انفصال ثلة من بني جلدتنا عن قيم الشعب ودينه وأطره المرجعية، وإيغالها في التمويه عليه بالإكثار من الخطب والكلمات والبرامج والمنجزات.

الأصل هو غثائية أمة سلبت إرادتها وغيبت عقولها وسفهت أحلامها، وكان أن غلبت على أمرها، فأطاعت هوى متبعا وجبرا متربعا، وخضعت وهانت.

الأصل هو دين يتلاعب به السفهاء الأوصياء على الأمة بأساليب شتى ومداخل متنوعة تدلس عليها تدليس المحترفين، وتخطب فيها خطابة المنافقين.

لا يستثنى المغرب في مضمار الفساد الدولي الذي يعم أقطارا متقدمة وأخرى متخلفة، وترصده المنظمات والمؤسسات غير الحكومية سنويا، وأحيانا بشكل دوري من خلال المؤتمرات والملتقيات التي تعقد هنا وهناك.. هكذا يكون بلدنا “السائر في طريق التنمية والتقدم والتطوير الديمقراطي”  حسب زعم نخبتنا السياسية الحاكمة  منطقة آهلة بأسلحة الدمار الشامل.. هذه المرة ليس في المجال العسكري، بل في مجال تدمير القدرة الشرائية للمواطنين وزرع أشواك الضياع والتيه والتشاؤم في قلوب الناس وخاصة الشباب.

بلدنا، “المتقدم سياسيا المتطور اجتماعيا”، منطقة آهلة بمؤشرات الفساد كما حددت ذلك منظمة الشفافية الدولية في تقريرها لسنة 2005 ليكون المشهد المرسوم دوليا بخلاف ما تروجه أجهزة الدعاية الرسمية والحزبية التي تحول فوضى الواقع الاجتماعي الموبوء إلى نظام مطرد الحلقات، وقتامة وضع الحريات المدنية والسياسية إلى نموذج متميز على الدول المجاورة العربية والإفريقية ، واللاتينية أيضا، أن تسير على نهجه وسبيله… وما هو إلا مرض عمى الألوان أصاب النخبة الغائبة في متاهات الفساد المالي والأخلاقي والديني.

منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة غير حكومية رائدة في تكرسها لكبح الفساد، تأسست سنة 1993 ولها فروع في تسعين بلدا، وأمانتها العامة في برلين. هذه المنظمة أكدت في تقريرها الأخير على أن الفساد متفش في أكثر من سبعين بلدا، وأن أكثر من ثلثي عدد البلاد المشمولة باستطلاع رأي مؤشر مدركات الفساد للعام 2005 والذي هو 159 بلدا، حصلوا على أقل من 5 نقاط على سلم مؤلف من 10 علامات للبلد الأقل فسادا. وهكذا يكون المغرب قد حصل على 3.2 في الرتبة 79 بعد سوريا والسعودية ومصر وبوركينا فاسو وتركيا والكويت وتونس…

يعرف التقرير الفساد بكونه سوء استعمال الوظيفة العامة لأجل تحقيق مكاسب خاصة، عبر قبول الموظفين الحكوميين الرشى في المشتريات وما شابه في المشاريع العامة، وإن لم يحصل التمييز بين الفساد الإداري والفساد السياسي أو بين الفساد الصغير والفساد الكبير. ولعل الحالة السياسية والاقتصادية للمغرب المعاصر لا تعدو أن تكون تجسيدا لهذا التداخل بين مستويات الفساد وأنواعه، والتمازج بين محتضني الفساد والقائمين على أجهزة الدعاية السياسية والإعلامية.

يزعم الحاكمون في هذا البلد أن المغرب بحاجة اليوم إلى مبادرة محكمة للتنمية البشرية تخرج الفئات الشعبية من أوحال الفقر والجريمة والمخدرات والأمية…ويعدونهم ويمنونهم. وما يعدونهم إلا غرورا!

ويتفانى الصحفي الحزبي المناضل في عرض الفكرة عرضا يجعل القارئ والمشاهد متذوقا لحلاوة الثمار وإن كانت بذورها لم تزرع بعد! يتفانى المحسوبون على مهنة المتاعب في تزيين الفساد المتفشي زمانا المتمدد مكانا بين يدي الرأي العام الذي لم تبسط أمامه الحقائق المرة يوما إلا وهي ملفوفة في ثياب الوعود الزائفة الكاذبة بمستقبل قريب تنسى فيه الهموم وتضمد الكلوم ، وتعاد الحقوق المهضومة وتصفى المظالم المعلومة.

وبين زعم أولائك وتفاني هؤلاء، يستمر المحرومون من أبناء بلدي في استمراء عذابهم وتملي جراحهم، وهم الغالبية التي لا يكون لها شأن عند الله والناس إلا بتوبة عميقة ورجعة صحيحة، إلى مسالك الصواب والصدق، والصلابة في تمثل الحق، والجرأة في دفع الباطل، والإقبال في تشييد صرح الإسلام الصائل، وتقويض الظلم المتستر غدا بحول الله وقوته.

إن مواجهة سفاهة المفسدين نصيحة هي الدين الذي أمرنا أن نقيمه ونسير على نهجه. روى الإمام مسلم في صحيحه، في باب سماه “باب بيان أن الدين النصيحة”، عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم».

تكذيب السفهاء المفسدين باب من أبوب الجهاد المتعين في الزمان والمكان، وضرب من ضروب النهي عن المنكر، ومقدمة للأمر بالمعروف الأكبر الذي يكون بمنعهم من التصرف في أموالنا وثرواتنا وأعراضنا مثلما أكد القرآن الكريم في سورة النساء: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما)، وبإسناد الأمور إلى من لهم الأهلية الشرعية والشعبية.

لا يقبل المؤمنون الناصحون اليوم وغدا أن يستمر هؤلاء في كيل الوعود الزائفة الشائنة للناس تحت أي اسم أو ذريعة أو مبرر. لا يقبلون ولا يسكتون. وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جرير قال: « ثم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم». ونصيحة المجاهد ألا يقنع بالكلمة يقولها في مجلس أو محاضرة أو ملتقى فحسب، بل ينبري لتثبيت أحكام الشريعة في واقع أمته الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتمكينها من أداء رسالتها العالمية في دعوة الناس إلى ربهم، وتسهيل انقيادهم إلى الكريم الرحيم.