2. وها نحن خلصنا للنقطة الثانية: للركن الثاني من أركان المجتمع الإسلامي وهو العدل، نعم إن الطبقية والطبقات بالمعنى الذي تستعمل له الاشتراكية الكلمتين لا يضم شتات مقومات الإنسان في مجتمعه، لكنهما كلمتان تبلغان المعنى الغضبى الذي يملأ قلب المنكرين للظلم الاجتماعي إلى أسماع هذه الإنسانية المحرومة التي يحطون بها إلى مستوى البهائم، للاشتراكيين والشيوعيين علينا معشر الإسلاميين تفوق واضح ومهم جدا في الدعاية لدورهم كناصرين للطبقة المحرومة، وإننا إذ نلح على سخطنا وعزمنا أن نحارب الظلم الاجتماعي لا ننسى منافسينا على هذا الدور السياسي الخطير، لكنا ننطلق من محاربتنا الكلية للظلم بشطريه: الظلم الأعظم وهو الخروج عما فرضه الله على الأمة من إيمان به وتطبيق لشريعته، والظلم الأعتم المظلم وهو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان واحتقاره واسترذاله.

    في تنبيهنا الأول هذا قلنا أن دعوتنا دعوة إلى الله فهي بطبيعتها عامة اتباعا لسنة الأنبياء والمرسلين كل منهم حسب شريعته التي استعبده الله بها ونطاق دعوتها، واتباعا لسنة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وهي بطبيعتها دعوة لا دولة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا تنفيذ للمعروف وردع عملي للمنكر ما دامت مقاليد الأمور بيد غير يدنا، والرحمة والمعروف يتنافيان مع الظلم، والفتنة الجاثمة على صدر الأمة السارية في مجاري حياتها المادية والمعنوية المحرومة إلا وجهه المادي المتعلق بتقسيم الأرزاق.

    لكي ننتقل من مجتمع إسلامي مفتون لابد من جدلية كما يعبر صحاب الإديولوجيات، لابد من صراع وتمايز: إما على مذهب الماديين الذي يصنف المجتمع تصنيفا ماديا وإما بمنهاج الإسلام الذي يصنف الناس أيضا لكن بنية رفق لا يتنافى مع القوة بل يفترضها، وبنية محبة لا تمحو البغض في الله بل تسبقه، لذا فنحن ندعو الناس جميعا بحسن ظن فيهم مسبق حتى يظهر أننا أخطأنا في تقديرنا، من شاء وكان بحيث يتحول رجلا مثاليا كعمر بن عبد العزيز فستجدنا أول من يجاهد تحت لوائه، ومن شاء وكان بحيث يستقيم لله كما استقام عمر بن الخطاب فسنكون له إخوة محبين لا نسأل عن ماضيه بل نترقب ما يصدر منه وندعو له وننصره، خطوة واحدة تتم فيها هجرة الناس إلى الصف الإسلامي، خطوة من أرض الظلم إلى أٍرض العدل، من أرض الأعرابية أو الجاهلية رأسا إلى أرض الطهارة والإيمان، وتوجد هذه الأرض داخل بلاد الفتنة لا خارجها، مع الشعب ومن أجل الشعب مع المستضعفين في وجه المستكبرين.

    التنبيه الثاني نحدد فيه موقفنا العالمي بعد أن بينا موقعنا من الفتنة، في السطور السابقة، صنفنا الناس وصنفنا أنفسنا بينهم ومعهم في معمعان الصراع بين ظالم ومظلوم، مومن وكافر، ولا يكفي حتى في افتتاحية ماضيه تلك الإشارات حتى نعلن عن مذهبنا بأوضح من الانتماء المعلن للصف الإسلامي إن هذا الصف المبارك كله تتداول فيه أفكار وأساليب ونظرت إلى الواقع وإلى الأمر الإلهي وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفاوتة ومتدابرة أحيانا، فهناك المذهبية واللامذهبية، هناك من ينتسب للسنة وينسب غيره للبدعة، هناك من يفهم الإسلام على نطاق العبادة الفردية لا يعدوها ولو كان في جماعة وهناك من يتهم مثل هؤلاء المتبتلين بالقعود عن الجهاد، وهناك، بعد الإسلاميين الحركيين، طوائف وأفراد تقرب أو تبعد من فهم للإسلام على أنه دين بالمعنى الذي يستعمل فيه الفكر الغربي هذه الكلمة، أي بمعنى أنه علاقة بين الله والإنسان الفردي، ثم إن في الصف المواجه أفكارا مستوردة في جملتها أو تفاصيلها ومذاهب لبرالية واشتراكية، وأخرى انتهازية وانتخابية.

    هنالك هذا الواقع العالمي من حولنا المتأجج بنيران الجاهلية المتآمرة الظالمة، هنالك الامبريالية بمعنى الظلم الأصغر الأعتم وهنالك الإلحاد بمعنى الظلم الأعظم، هنالك الدول المحرومة الضعيفة تأكلها الدول المستبدة باقتصاديات العالم وخيراته ونحن دويلات الإسلام المتفرقة من ضمنها، هناك مشاكل الاقتصاد الملحة الحادة، ومسالك السياسة الدولية الوعرة تضاف إلى مهالك الفتنة الداخلية التي نبحر بين متاهاتها.

    هنالك من وراء الأفكار التي تعمر رؤوس الإسلاميين وغيرهم، ومن وراء العالم وصخبه ومشاكله آدميون نسوا آدميتهم أو ذكروها، آمنوا بالله أو كفروا، تردوا في بهيميتهم أو ردوا فيها، هنالك من وراء الأفكار والواقع الصلب إنسانية أمر الله المومنين أن يبثوا فيها كلمة الحق والخير والعدل، وإنما يوشك أن يبلغ الدعوة من يخاطب الناس بما يفهمون، ومتى أخطأنا في تقدير ما تعانيه الإنسانية من آلام وما يملأ حياتها من هم وما يستبد بها من أفكار نوشك أن نخاطبها من الفضاء البعيد حيث تتوالد النوايا الحالمة بعيدا عن الناس وواقعهم ومشاكلهم وعلاقاتهم بماضيهم وحاضرهم ونظرتهم إلى مستقبل تتراكم في آفاقه أمارات تفوق جاهلي يضيفه الكفار إلى تفوقهم وعنف تطحن رحاه بين من تطحن شعوبنا الإسلامية المسكينة.

    إن من يدعو الناس لسلوك وتغيير اجتماعي لابد أن تكون له نظرية عن الإنسان ودوافعه، وعن الواقع وضغوطه، وعن الحركة الإنسانية وقانون التدافع بين الأمم والأفراد عبر الزمان والمكان، يصفوننا معشر الإسلاميين بأننا جمود لا نتحرك لأن فكرنا فوضى قاصر ولأن إرادتنا التي يعرفون مضاءها ويعترفون به يعوزها نور الفكر لتتماسك وتسير إلى غاية، ويتهموننا بالانغلاق عن الفكر الإنساني والرفض المغمض للنظر في فلسفات الإنسان وعلومه المتناولة للسياسة والاقتصاد والاجتماع، ومتى خاطبناهم بمعنى الإنسان وغاية وجوده على الأرض سخروا مما يسمونه غيبية وخرافية، وكأننا نتكلم لغتين مختلفتين إحداهما لا تعض على الواقع المادي والأخرى لا تفقه لما وراء المادة معنى، ولعلنا قد قصر بعضنا فيما مضى عن التفكير لغد الإسلام وعن اقتباس الكمة في صغر الأمر وجزئياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مفضلين أن يصرفوا الجهد كله لبناء رجال قادرين غدا على اختراع مذهب اقتصادي وتنظيم سياسي واجتماعي في يوم الحاجة، هذا نظر، ورأينا أن نوضح نظرتنا للناس والعالم والماضي والحاضر والمستقبل حتى يتأتى لنا أن نعمل على ضوء ما نعلم وحتى يتأتى لنا أن نتعلم ونحن نعمل على أساس منهاج سابق يربط الأهداف والمقاصد والغاية بمبادئ الشريعة الطاهرة عبر متغيرات الزمان والمكان.

    ولمكان هذه المتغيرات، ونظرا إلى أن التحجر المذهبي الناتج عن التحجر الفكري إنما يأتي على الناس لغفلتهم من الحركة الدائبة التي تحول الظروف وذهنيات الناس وقابلياتهم للعمل فإن اجتهاد من سبقونا بإيمان، من عاصرناهم ومن كانوا من قبل قد هيأ لنا مرقاة لنفكر مستقلين غير مقلدين، وأن منهاجنا في الفكر والعمل يستند مباشرة لكتاب الله وسنة رسوله لا نتخذ بيننا وبينها وسيطا، فرغ السلف الصالح من إثبات ما صح من أمر العبادات فلسنا نرجع إلى الخلافات المذهبية واللامذهبية ونأخذ الأمر على أنه يسر لا عسر، وحدود الله في الحلال والحرام والعقوبات حدود ثابتة لكل زمان ومكان، وضوابط المعاملات بين الناس وحقوقهم العامة سنها الله ورسوله للمجتمع الإسلامي فعلينا غدا أن نتكيف حتى نحكّم الله ورسوله في القانون الذي به نتعامل، كل هذا نفرغ منه لنستأنف النظر بالمنهاج النبوي المستند على الكتاب والسنة، المستفيد بعدئذ من اجتهاد المسلمين ومن تجارب الإنسانية كلها، في كليات الدعوة والدولة، في تنظيمهما وغايتهما، في الاقتصاد الإسلامي وكيف ينبغي اختراعه، في التربية الإيمانية الإحسانية وما الطريق إلى الله، في المجتمع الإسلامي ووسائل بنائه وتركيبه، في سياسته توحد المسلمين داخل هذه الحدود الموروثة، حدود الجغرافيا والأنانيات والعادات والذهنيات، استعدادا للوحدة الإسلامية الشاملة عبر كل هذه الحدود، في نوع الحضارة التي يجب أن ننشئها لتكون وسطا في خدمة الإنسان السائر إلى غايته بعد الموت لتكون بديلا للحضارة الجاهلية حضارة الأشياء السائرة إلى انهيار.

    الأفق واسع والمشروع الإسلامي الذي تعمر نيته وإرادته والرغبة في المساهمة فيه قلوب مئات الملايين من المسلمين الرازحين في أغلال الجهل والمرض والفقر، في بلايا مباشرة وغير مباشرة وجهها المادي يسمى بلغة العصر تخلفا اقتصاديا وفوضى اجتماعية وتبعية سياسية، ووجهها المعنوي يسمى بلغة الكتاب والسنة فتنة تغذوها روافد الجاهلية من مجاري الثقافة الكافرة الغازية، والتسلط الأمبريالي والنهب الطبقي.

    الأفق واسع والمشروع الإسلامي الذي تتوق إليه وتحمل صور له لماعة أفئدة المومنين وسائر المسلمين يحتاج إلى كل جهود الإسلاميين ليخاطب عقول أمتنا بوضوح الرؤية مواكبا هذا الخط الفصيح العملي المتمثل في الإقبال على الله في صفوف الشباب المسلم الذي عاف حضارة الجاهليين ولفظها فهو نائب إلى ربه.

    المشروع الإسلامي يجب أن يعرض على العالمين وعلى المسلمين بمنهاج يحلل الواقع المعاصر في سمت مستقبل الإنسانية الذي يظهر اليوم للمتوسمين قاتما ليكون بديلا عن الهوة التي تهدد النظام الرأسمالي وبديل عن المجتمعات الاشتراكية الشيوعية حيث يهان الإنسان في أعز ما لديه في كرامته الإنسانية، مقابل نمو اقتصادي سريع يهيء العلف للجماهير المسوقة بالسيف والسوط.