أجرت أسبوعية “المشعل” في عددها الأخير حوارا حول المشهد الحزبي بالمغرب مع الأستاذ مصطفى الريق، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وأمين قطاعها النقابي. نعيد نشره تعميما للفائدة.

سؤال- أعلن محمد خليدي العضو السابق بالأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية عن ميلاد حزب إسلامي جديد، ما هي الإضافة النوعية التي يمكن أن يحملها حزب إسلامي جديد؟

جواب- بسم الله الرحمن والرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

انطلاقا من الإيمان بالحرية والتعددية لا يمكنني في البداية إلا أن أبارك أي مولود سياسي أضيف إلى الساحة، لكن الحكم على هذا المولود بكونه إضافة نوعية أم لا، فهذا في تقديري مرتبط بطبيعة المشروع الذي يمكن أن يحمله، وبالبرنامج السياسي الذي يمكن أن يقدمه، وهي أمور لم تطرح بعد  حسب علمي – وبالتالي لا يمكن استباق الأحداث لأن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها.

أما كونه حزبا إسلاميا جديدا، فالأمر يوحي وكأن هناك أحزابا إسلامية سابقة سيضاف إليها هذا الحزب، والواقع غير ذلك، لأن المخزن لم يسمح لحد الآن بتأسيس أحزاب إسلامية، بل يسعى جاهدا إلى إدماج الإسلاميين كأفراد داخل أحزاب سياسية، ولذلك منع  على سبيل المثال  الاخوة في حركة التوحيد والإصلاح من تأسيس حزب “التجديد الوطني” مما جعلهم يندمجون في حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” سابقا “العدالة والتنمية” لاحقا.

سؤال- التكتل والاندماج مس كل تشكيلات الحياة السياسية، في الوقت الذي نشهد فيه عملية تفريخ حزب جديد، هل في رأيكم عملية التفريخ ستضعف عمل وقوة الأحزاب؟

جواب- الأحزاب السياسية الموجودة ضعيفة أصلا إلى درجة أصبحت معها عاجزة عن تأطير الشعب، بل غارقة في أزماتها الذاتية، وهذا راجع في تقديري إلى عدم امتلاكها لمشروع مجتمعي واضح وأصيل ومنسجم مع عقيدة الأمة، إضافة إلى تفريطها في القضايا الكبرى التي تعد مطالب ملحة لهذا الشعب الكريم، لكون برامجها الانتخابية تعرض للاستهلاك ثم تطوى طيا بعد انتهاء عملية الانتخابات.

إذا أضفنا إلى هذا الواقع البئيس للأحزاب السياسية عملية “التفريخ” التي غالبا ما تكون بإيعاز من المخزن أو عبارة عن رد فعل (وأنا هنا لا أقصد المولود الجديد بل أتحدث بشكل عام)، فإن الأمر يزداد سوءا.

والحال أن تأسيس الأحزاب ينبغي أن يكون نابعا من حاجة مجتمعية، وإرادة مستقلة تخدم عملية تأهيل وتأطير المجتمع حتى يكون التأسيس إضافة نوعية ولبنة في البناء لا معولا من معاول الهدم.

سؤال- ما هو رأيكم في تحليل البعض الذي يقول بأن النظام السياسي هو المستفيد الأول من عملية تفريخ الأحزاب، خصوصا الإسلامية منها بعدما حقق حزب العدالة والتنمية نجاحا مهما على مستوى حصد المقاعد البرلمانية؟

جواب- لا شك أن المستفيد الأول مع عملية إفساد المشهد السياسي عموما هو المخزن، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك التقاء موضوعي مع بعض الوصوليين. إلا أن هذا الإفساد لا يرتبط فقط بعملية تفريخ الأحزاب، بل يرتبط أساسا بإفراغ الأحزاب من مضمونها، ذلك أن المشهد الرسمي يجعل من المخزن هو المركز، والإطارات الحزبية مجرد هوامش تدور في فلكه.

فالكل يعلم أن الدولة في المغرب هي المهيمن الوحيد على الحياة السياسية، وما الأحزاب وما يتبعها من هياكل وبرامج إلا أدوات لتأثيث المشهد وتزيينه قصد إيهام الرأي العام الخارجي بأن المغرب بلد ديمقراطي، يعرف تعددية حقيقية وتنافسا حرا وما شئت من نعوت الإطراء التي يمكن أن يضيفها الغَبَاء.

وواقع كالذي ذكرتُ، لا يبقى فيه للشعار الإسلامي الذي يمكن أن ترفعه بعض الأحزاب ولا لعدد المقاعد التي تحصل عليها في البرلمان، تأثير ذوبال، بل يكاد يستوي النائب البرلماني الإسلامي، والنائب البرلماني العلماني، والحزب الذي حصل على مقعد واحد، والحزب الذي فاز بعدد كبير من المقاعد، لأن الكل في آخر المطاف محاصر بسقف سياسي وقانوني مفصل على مقاس المخزن تفصيلا، بما يجعل كل الأحزاب وكل النواب خداما للأعتاب.

أما هاجس التحكم في الإسلاميين، سواء عن طريق إحداث انشقاقات أو تفريخ إطارات.. قصد توظيفهم بما يخدم “التوازنات”، فهو هاجس كل الحكام العرب لأنهم متأكدين أن الإسلاميين ألصق بالشعب، وأكثر تعبيرا عن إرادته، وأكثر تغلغلا في كل شرائحه، وبالتالي فهم المستقبل، وما درس مصرعنا ببعيد.

سؤال- خطت الأحزاب اليسارية خطوات مهمة في باب الاندماج والتكتل، في حين نجد الأحزاب الإسلامية تفرخ أحزابا أخرى شبيهة بها، كيف تقرؤون هذه المفارقة؟ وما هو السبب المباشر والرئيسي لهذه الوضعية غير الصحية؟

جواب- ما قامت به الأحزاب اليسارية من محاولات لجمع شتاتها التنظيمي لا يزال حلما يتطلع إلى تحقيق “الحزب الاشتراكي الكبير”، إذ الاندماج الكلي لم يتحقق بعد، وهو ليس بالأمر الهين، خاصة إذا كان الدافع إليه حاجة موضوعية أكثر مما هي قناعة ذاتية، وهذه الحاجة الموضوعية هي الخوف من “اكتساح الإسلاميين” إذا أتيحت لهم الفرصة، ورفع عنهم سوط الاستبداد.

أما بالنسبة للإسلاميين، ففي ظل منعهم من تأسيس أحزاب سياسية، يمكن أن نتحدث عنهم كحركات إسلامية، وفي هذه الحالة تبقى عملية “التفريخ” حالة معزولة ومحدودة جدا إذا ما قورنت بالانشقاقات التي عرفتها الأحزاب اليسارية.

وعلى كل حال، فالاقتراح الذي تقدمت به جماعة العدل والإحسان وهو اجتماع كل الفضلاء على ميثاق إسلامي جامع، يبدو لي أنه مدخل مهم لإصلاح أوضاع البلد التي تسير من سيئ إلى أسوأ، أوضاع تستنزف فيها الخيرات، وتبدد فيها الطاقات، وتضيع فيها الكفاءات التي انتقلت من الهجرة عبر قوارب الموت إلى إحراق النفس التي حرمها المستكبرون من كرامة الحياة.

سؤال- هناك من يقول بأن إقحام الدين في السياسة محاولة لتوريطه أكثر واتخاذه مطية للوصول إلى أهداف في كنهها سياسية نفعية، ما هو ردكم على هذا القول؟

جواب- هذه “أسطوانة مشروخة” طالما رددها اللائكيون ليفصلوا الدين عن الشأن العام للأمة، أما حقيقة الإسلام فإنها تأبى هذا “الفصام النكد” إذ السياسة بما هي “حسن التدبير لتحقيق مصالح الأمة” جزء لا يتجزأ من ديننا الإسلامي، بل من العلماء من عد “علم السياسة” من أشرف العلوم لأن مدارها على المصلحة، وهناك قاعدة أصولية تقول: “حيثما وجدت المصلحة فتم شرع الله”.

ولعل علة اللائيكيين أقبح من زلتهم، إذ يقول قائلهم: بأن الدين شيء مقدس، في حين السياسة  وهي في عرفهم: حيل وأكاذيب وميكيافيلية  شيء مدنس، فكيف يجتمعان!؟ فالتعارض مطروح عند اللائيكيين لا عند الإسلاميين.

هذا ما تطرحه الفلسفة النظرية، لكن الحقيقة الواقعية هي أن العلمانيين أدركوا ويدركون أنه في كل المحطات الحاسمة في تاريخ الأمة، لا صوت يعلو فوق صوت الإسلام، ولا كلمة تنفذ إلى القلوب غير كلمة الإسلام، فعوض أن يقروا بخطأ الفصل بين الدين والسياسة شرعا وعقلا وحكمة، راحوا يطلبون من الآخرين الاقتداء بهم حتى ينالوا شرف الحداثة والتقدمية، وهم في الحقيقة يريدون عزلهم عن مصدر قوتهم وسبب عزتهم.

سؤال- هل الانشقاق الذي عرفه حزب العدالة والتنمية مؤشر لانشقاقات أخرى تعرفها أحزاب أخرى؟

جواب- الانشقاقات الحزبية أضحت ظاهرة مألوفة في المغرب خاصة عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وهي ظاهرة يشتبك فيها الذاتي بالموضوعي، التربوي بالسياسي، ولاشك أنها ستستمر طالما بقي الاستبداد جاثما على صدور المغاربة لأنه يؤدي إلى ركود في الحياة السياسية تغيب معه المصلحة العامة، فيخلو المجال أمام النزوعات الفردية.

ولذلك لابد من البحث عن المداخل الحقيقية للإصلاح ولبها التوبة الفردية والجماعية، لينتقل الناس أفرادا من الغفلة عن الله إلى العبودية المطلقة له، وينتقل البلد من “قوارب الموت” إلى “أوراش الحياة” التي يمكن أن تفتح أمام الكفاءات بعيدا عن كل زبونية أو حزبية أو محسوبية، وهو أمر ممكن جدا إذا كانت هناك إرادة سياسية صادقة.

سؤال- هل عدم دخول جماعة العدل والإحسان إلى اللعبة السياسية مرده هو الخوف من الوقوع في المأزق الذي تتخبط فيه العدالة والتنمية؟

جواب- لا أدري إن كان الإخوة في العدالة والتنمية يعتبرون أنفسهم في مأزق أم أنهم على العكس من ذلك يقدرون بأنهم يسيرون بخطى ثابتة في الاتجاه الصحيح، لكن بالنسبة لجماعة العدل والإحسان فهي تعتبر أن اللعبة السياسية الانتخابية وفق الشروط الحالية هي لعبة فعلا، لا تناسب الصغار فضلا عن أن ينخرط فيها الكبار، والمغاربة يدركون ذلك جيدا، ولذلك ففي كل محطة انتخابية تتقلص نسبة المشاركة، خاصة لدى الشباب، إلى درجة أخجلت حاسوب وزارة الداخلية في انتخابات 2003 مما جعله يتلكأ ثلاثة أيام كاملة قبل أن ينهي عملية حساب وترتيب النتائج.

ولذلك فالجماعة تنأى بنفسها عن المشاركة في مثل هذه المهازل التي من شأنها أن تطيل عمر الاستبداد وتخدر حس الناس وتصرفهم عن البحث عن المخارج الحقيقية أو تصيّرهم أعرابا ينادون من وراء الحجرات عن تغيير بينهم وبينه  إن عولوا على الانتخابات  ظلمات ثلاث.