ثلاث تنبيهات للقارئ الكريم أن تتكاثر السطور فيصعب إبراز ما نحب أن يكون عنوانا لعملنا إن شاء الله تعالى:

    عملنا دعوة إلى الله، والدعوة إلى الله عامة لا تستثني: الحاكم والمحكوم، والظالم والمظلوم، والطبقات المحتكرة الآثرة كالطبقات المحرومة، والمتعلمة والجاهلة، والكهول والشبان، والنساء والرجال، من كان من هؤلاء على نصيب من الوعي بموقعه في المجتمع ومن هو عن ذاك مشدوه، من كان منهم على نصيب من اليقظة بأنه إنسان له حقوق وعليه واجبات ومسلم صائر إلى ربه بعد الموت ومن هو عن كل ذلك لاه، إننا معشر الإسلاميين متفائلون مستبشرون انطلاقا، كان من حكام المسلمين عمر بن العزيز فنرجو أن يجد لنا منهم اليوم رجل من أمثاله على شرطه، فذاك انفتاحنا وتحديدنا لرجال الدولة، نصر الله الإسلام بعمر بن الخطاب وكان في جاهليته عدوا شديدا، فنرجو أن يبعث الله من صفوف أبناء المسلمين المعرضين عن دين الله اليوم رجالا من أمثاله، وهذا انفتاحنا وتحدينا لرجال الثقافة والكفاءة.

    إن أمتنا المسكينة تعصف بها رياح الفتنة فتجعلنا مزعا أشتاتا، ونحن نميز بين الناس وبيننا بميزتين ونصنفهم على ضربين:

    أ) من كان منهم ينتمي للإسلام ويجهر بانتمائه فنحن وإياه سواء غاطسون، في فتنة، ما بين أن يصبح منا ونصبح منه إلا أن ينضم إلى الصف الإسلامي الملتزم بالجهاد.

    ب) المتنكر للإسلام الملحد الكافر فذاك الجاهلي الذي ما بيننا وبينه إلا العداوة في الله والبغضاء حتى يومن بالله، وفي انتظار أن يومن تتكرر عليه دعوتنا فذاك ما نملك، لا سلطان لنا فنستتيب الناس ويغزو الملحدون حرمنا ويستفزوننا بجرأتهم على الله ونستعدي عليهم من بيده القانون يزن به على الناس فلا نرى أن ملحدا أو أحدا أصابه ما يكره من جراء إلحاده.

    إنها مواجهة لاشك وحرب لا هوادة فيها بين الحق والباطل، فالدعوة بم هي انفتاح على الناس كافة تستدعي أن تكون الاستجابة لها ودرجات الإعراض عنها حتى محاربتها معيار التمايز المومنين عن الكافرين، بيد أن ما درج عليه بعض مفكري الإسلام من وضع خط واحد حاد كالسيف يفصل بين المومنين الأطهار والجاهليين الكفار خطأ في التقدير يعقبه خطأ في العمل، نعتبر أن على المساحة الإسلامية مراتب عديدة من المسلمين، يسمون مسلمين بلغة القرآن وهم منافقون وأعراب لما يدخل الإيمان في قلوبهم، وفي كلمة لما فسحة للرجاء والرفق، يشغل المراتب الإسلامية المتدرجة من المحسنين فالمومنين إلى دركات الأعرابية والنفاق ألوان من الناس يألون من الفكر والعواطف والصدق والأخلاق والكذب والفساد والرجولة والفسولة، أضف إلى ذلك ما لكل منهم من مصالح مادية ونفسية وما يفرضه عليه نمط عيشه وطبقته الاجتماعية من ولاء وكراهية وكيد أو إنسانية.

    إننا إن صنفنا الناس تصنيفا مقتطبا مستقطبا نكون قد عاملنا المادة الإنسانية التي يتألف منها المجتمع الإسلامي معاملة من يمهد للكراهية والعنف مثلما يفعل الشيوعيون في تصنيفهم المستقطب أنه إسلام فتنة ونحن الإسلاميين داخله لا خارجه كما كان الصحابة المجاهدون داخل الأمة التي يشغل حواشيها أعراب منهم المسلم الضعيف حتى المنافق الكائد، وأنها أمامنا جاهلية تغزونا ونحتل منا ديار الفكر وديار الأخلاق وديار مقوماتنا المادية.

    إن تصنيفنا الواسع المنفتح الذي لا يهمل الجوانب المتنوعة جدا لا يهدف إلى تحليل الصفوف والحكم باستحالة التعبئة وخطا التمايز، بل هو هادف رأسا لجمع الصف الإسلامي وتعبئة الجهاد الإسلامي لكن على الرفق المتطلب عملا دائما طويلا محبا متفائلا، لا نقصد أن نعاكس عمل الشيوعيين الذين يدفعون في عجلة الكراهية الاجتماعية التي تهمد لجدلية العنف التي تخرج بالمجتمع من الاستغلال الطبقي، وإنما نضع بين أعيننا الإنسان كل الإنسان والمجتمع بكل مقوماته وألوانه لنبدأ عملا قاصدا متحررا، فعلا لا رد فعل، للقضاء على الظلم كل الظلم: الظلم الأعظم، وهو الكفر، والظلم الأعقم ومنه الاستغلال الطبقي واحتقار صنف من الناس لأصناف مسترذلين.

    إن الدعوة الإسلامية عانت وتعاني من حرب إبادة شنها ويشنها الجاهليون وصنائعهم من الأعراب، عانت وتعاني من سوء تفاهم بين جماعات الدعوة بعضها مع بعض وبين رجال الدعوة وسائر الناس، وأهم ما يتخذه الأعداء بإبادتنا من ذرائع يرجع إلى اتهام الذئاب للحملان بأنها رفعت رأسها من أرض القضم المستكين، مع من يستعلف، وحدثت نفسها بجهاد وعمل، وأهم ما يمنع الناس أن يفهموا عن رجال الدعوة هو ما يمنعهم أن يسمعوا الصوت الصادق الواضح، ألا وإن رجال الدعوة الإسلامية متهمون، عن كيد أو عن جهل أو عن التباس، بأنهم سفاكون عنيفون وأنهم لا يستبينون لأنفسهم موقفا صريحا أمام المشكلة الأساسية في الفكر الإنساني المعاصر وهي مشكلة الظلم الاجتماعي.

    ففي هذا التنبيه الأول نخلص من وجوب عموم الدعوة وانفتاحها وفهمها للإنسان كل الإنسان إلى وجوب وضع النقط على الحروف فيما يرجع للعنف والظلم الاجتماعي:

    1. العقيدة بمعنى الانتماء الصريح للإسلام وكف الأذى عن المسلمين ثم المساهمة في بناء الإسلام مهما كانت المساهمة، ثم الإيجابية من أجل الإسلام، ثم الاستماتة في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا هي الركن الأول من أركان المجتمع الإسلامي، فمن كان معنا بقسط من هذا الانتماء نزولا من المهاجر المجاهد إلى الساكت الذي لا يؤذينا ويعلم الله ما في قلبه فهو مثلنا مسلم ومثلنا مفتون ما دمنا لا نحكم بما أنزل الله، ومن كان علينا تنفح منه روائح الزندقة والكفر أو تنطلق منه قطرات الأذى أو يصب علينا مكره وبلاءه أو يعلن علينا حرب الإبادة فهو لنا عدو وجهاده واجب على الأمة كلها، لكن ما دامت الأمة مفتونة وما دامت يد الدعوة التي ينبغي أن تمتد بالرحمة لا تؤيدها يد الدولة التي ينبغي أن تقيم حدود الله بل تتنكر لها فما لنا أن نسفك دما أحله الله للدولة الإسلامية وحرمه على أفراد الأمة ولو كانوا جماعة ما دام غيرها يتكلم ويحمل السيف.

    نقول بلسان بسيط أن أسلوب التنظيم السري والحركية العنيفة أسلوب صبياني اضطرنا إليه فيما مضى من سابق عمل المومنين غربتنا واستئساد الناس علينا، وقد آن أن نطلق ذلك الأسلوب وننكره أشد الإنكار، نأثم إن ادخرنا على إخواننا جماعات الدعوة النصح في هذه المشكلة وفي غيرها، وعلى كل فأنا لا أنطق باسم جماعة غلطت أو لم تغلط اعترفت بغلطها أم لم تعترف، افتروا عليها أو لم يفتروا حسبي أن أقول ما أعتقد وأعتقد أن من بين المومنين في عصرنا من استعجل ودخل في السرية فتعرض لما يصحب العمل السري من غموض وعنف، وأنا لا أقر غموضا ولا عنفا ولا أسلوبا يؤدي إلى واحد منهما، جاءني شاب وراسلني غيره في أمر التنظيم وما ينبغي أن يكون عليه من السرية واحتجوا بما في بعض الكتب الإسلامية من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم سرا أول أمره واستنتاج أن كل عمل إسلامي ينبغي أن يبدأ سرا، وما من علاج للعجلة والحماس واللذين يحملهما الشباب الإسلامي المبارك، ككل الشباب، ألا تعلم التؤدة والسكينة ليصبح الحماس الجياش عزما صامدا وتصبح العجلة صبرا ودؤوبا على العمل، فكل ما ترجو أن تحصده من الاندفاع الحماسي فتنة زائدة تنضاف إلى فتنتنا المزمنة وتزيدها تعقيدا وقتامة وإبهاما، وإنما ينبغي أن ننطلق من أننا أمة مسلمة، ومن أن هذا الإسلام الذي يكتب في دساتيرنا ويفسره كل من شاء تفسيرا يبرر موقفه، له معنى يتعلق تطبيقه بذمة كل مسلم، فمن ثم لنا معشر الإسلاميين حقوق سياسية مثلما لغيرنا، فلم نتستر؟ ما دامت الديمقراطية، حيث يسود هذا النوع من أنظمة الفتنة، تسمح لنا أن نتكلم ونجتمع ونتنظم فسنعمل على وضح النهار وسنطلب بأن يكون لنا مواطئ أقدام تحت الشمس وسنزاحم بالأكتاف الصادقة أكتاف رجال المصالح والمراوغات على جادة الحق حتى يستقيم لنا عليها سير، فإن منعنا من الكلام والتجمع والتنظم فإنما ستجني الأنظمة المفتونة شوكا، ولن تبلغ من الغباوة أن تظن أنها عندما تغلق المتنفسات ستحول دون انفجار هذه الإرادة العارمة، إرادة الأمة كلها للحق والعدل.

– يتبع –