تقديمبعد مرورهم بتجارب وتحولات، هاهم الإسلاميون اليوم نابذون للعنف بالإجماع، مقتنعون بأن الطريق السليم هو العمل السلمي العلني، منهم من اختار الأمر بعد مغامرات، ومنهم من هداه الله لذلك منذ أن وضع مشروعا واضحا لعمله. غير أن نبذ العنف في بعض الأحيان قد يتحول إلى تجرد شبه تام من عناصر القوة. كيف ذلك؟بين العنف والقوةليس العنف هو القوة. العنف صفة من صفات الجاهلية، والقوة مطلب مشروع، مأمور بها في الدين، ولا تجرمها القوانين.

العنف أهواء، غضب، حقد وكراهية، أمراض ثمارها التدمير والتخريب، صاحبه محب للعمل في الظلام ومستعد للتحالف حتى مع إبليس، يفر من الضوء كما يفعل اللصوص. سالك العنف أسلحته الحيل والمكائد، وهو بارع في التمويه لا يجاهر بكل مواقفه.

بينما القوة إيمان يهذب النفس، وبناء يتطلب الجد والمثابرة، وحكمة تفرض الضبط والانضباط، وتعبئة دائمة تتبدى في رص الصفوف وتوحيدها.

العنف تدينه الأخلاق والدين وجميع الشعوب. والقوة صفة لا تتعارض مع التشريعات والقوانين، وضعية كانت أم سماوية.

بسبب هذا الخلط الذي وقعت فيه أغلب مكونات الإسلاميين، حيث نبذوا العنف ومعه القوة التي هي العمود الفقري لكل حركة تريد لنفسها الاستمرار والتجدد والوصول إلى ما كانت تصبو إليه. فتحولت كثير من الحركات الإسلامية من كونها حاملة “مشاريع” إلى مجرد كيانات تنظيمية متجردة من مقومات البقاء، لا حيلة لها سوى المناشدة والمطالبة وإسماع الصوت عبر ما تتيحه لها “الشرعية الرسمية”، من منابر إعلامية ومقاعد برلمانية ومجالس تمر إليها عبر انتخابات وأية انتخابات؟ !

لعبة الدعاية المضادة للإسلاميين محليا ودوليا نجحت في الضغط على هؤلاء ضغطا متواصلا، زادها في النجاح التباس في الرؤية وغموض في المصطلحات وارتباك في التصور. إن الضغط المتواصل على الضحية الفاقدة للتركيز يؤدي حتما إلى ارتكاب الأخطاء، وحسن الحظ من تقف أخطاءه عند التراجع ورفع اليد والمناشدة. والمناشدة بداية لنهاية ولو كانت مؤجلة.

الآن لنلق نظرة على مواطن القوة:قوة من غير عنف- القوة العددية: إنه لا مكان في زمان تحتل فيه مسألة “الرأي العام” حيزا هاما لدى الحاكمين والمحكومين على السواء، فالهدف الشرعي لا يكفي لوحده، فلابد من قوة عددية سواء من الأعضاء أو الأنصار أو المتعاطفين، أو من كل هؤلاء جميعا.

إن القرار السياسي يأخذ دائما بعين الاعتبار عنصر الشارع ومن يسيطر عليه. فكثيرا ما تتظاهر السلطات الحاكمة بتجاهل الحركات المعارضة، وفي نفس الوقت تراعي ما يمكن أن يقع فيه القرار السياسي من أخطاء قد يتغذى منها هؤلاء. وعليه يمكن اعتبار حركات سياسية واجتماعية مشاركة سياسيا إن كانت لها قوة عددية كافية، ولو كانت محرومة من الاعتراف الرسمي.

غير أن القوة العددية لوحدها لا تكفي.

– القوة التنظيمية: كثير من الحركات الإسلامية استطاعت أن تحرز الغلبة عدديا في الشارع وفي كثير من المناسبات، لكنها تعرضت للالتفاف والإجهاض ومع الوقت تلاشت، والسبب هو أنها عجزت عن احتواء تلك الأعداد، وحجر الزاوية في الاحتواء هو التأطير ورص الصفوف في إطار التنظيم.

إن التنظيم علاج الغثائية، والغثائية وصف نبوي للكثرة الطافية العافية، تتجمع بسهولة وتفترق بسهولة.

كثير من الحركات اعتقدت أن تناغم مطالبها مع مطالب الشعب، كاف لتقول أنها والشعب صف واحد، وما على الحاكم إلا قبول الأمر الواقع، لكن الأحداث والوقائع والحقائق، بينت أن الشعب ضحية نموذجية للعبة الاستخفاف التي تليها الطاعة العمياء. إن الإعلام أبسط وسائل الاستخفاف بالغثائية.

– قوة المشروع: في الغالب الأعم، تفتقد كثير من الحركات الإسلامية، مشاريع متكاملة. وبداية الخطأ تكون في اعتبار أن “الحل الإسلامي” دواء محفوظ ولا وقت يمكن إضاعته في الباب، والمهم هو الوصول إلى السلطة ومن تم مباشرة المهام، مهام التنفيذ، هكذا وبكل بساطة.المشروع الذي اشتغلت عليه هاته الفصائل إذن هو الوصول إلى الحكم.

بعد الفشل في الوصول إلى الحكم، جاءت مرحلة السعي إلى المشاركة فيه، عبر تأسيس أحزاب سياسية، أو التحالف مع أحدها، بعدها اقتصر الهم على ولوج المؤسسات الرسمية، البرلمان على الخصوص، وهي الآن لا تنشد غير إسماع الصوت “إسلامي” ومناشدة القائمين على الأمر، لا أكثر.

– قوة الخطاب: قوة الخطاب تتجلى في الجهر بالحق، والوقت المناسب هو حينما يوافق ذلك مطلب غالبية الشعب، فيكون الموقف علنيا وأمام الملأ، كلما كان الموقف منسجما مع ضمير الشعب ومتناسبا مع درجة وعيه وكلما كانت التضحية تحت أنظاره كلما كانت القوة ضاربة.

وعليه كلما مالت المواقف للجانب المقابل، وكلما كان في الموقف تبرير أو تزويق أو سكوت غير مبرر، يكون حكم الشعب هو الانسحاب والصمت.

وبين هذا وذاك يميز الشعب فصيلا ثالثا هو من النوع الحربائي المنافق الكذاب، بالنهار يمتطي أمواج الآمال، يقتنص الفرص لاسترضاء أصوات الجموع، ليبيعها عند أول مشتر بالليل.

– قوة القيادة: حينما يكون القائد قويا وذا شخصية فذة ومتميزة، يكون التنظيم قويا متماسكا، وحينما تتشتت القيادة بين أكثر من قائدين فأكثر، يكون التنظيم متراخيا، يزيد من رخاوته التفاف الأجنحة على شخصيات متقاربة لا متجانسة.

في الساحة اليوم تنظيمات إسلامية، أغلبها سار أو يسير نحو الاندماج في الحياة السياسية، وعليه ولكي يحسنوا صورتهم أمام الغير، جعلوا القيادة إما تنسيقية وظيفتها التقريب بين الآراء، وإما جماعية لا يحسم في تضارب آرائها غير الأصوات. والجميع فخور بأن القائد الوحيد لا مكان له في ميدان الصراع الذي لا يخلصنا منه غير الأصوات. الأصوات فيصل والقائد الوحيد دكتاتورية ممقوتة.

لقد تم الإجهاز على أهم قوة يشهد التاريخ والتاريخ وحده، بأنه لا مكان في مضمار التدافع بين القوى الاجتماعية، لمن لا تمتلك قائدا يستطيع صهر النفوس والقلوب، وتحقيق التجانس بين الأفراد. فالتجانس شرط أساسي لتماسك التنظيمات، مهما كانت طبيعتها. خاتمةإن القوة ليست هي العنف. القوة من صفات الله عز وجل. والعنف سير في درب إبليس. إن التدافع قانون إنساني كوني لا يرحم أحدا مهما حسنت نياته، ولا تنفع معه المناشدات. لقد نجحت الدعاية المضادة لدين الله في تحويل كثير من التنظيمات الإسلامية، إلى هياكل فارغة تؤطر الغاضبين لتحويل مطالبهم إلى مناشدات، تحول البناء إلى المناشدة.