سعيد أهمان

مدير نشر أسبوعية منار الجنوب

يجزم الجميع على أنه لا يمكن الحديث عن الحريات العامة دون إقرار تام بحرية الصحافة، ودون إلغاء أشكال التحكم في مضامين ما يكتب و”تسييج ما ينشر”، وحينما أقول هذا فلا أقصد التسيب لأن الصحافة مسؤولية، ولكن الإدارة تبقى دائما طرفا، ولا بد أن تعلل قراراتها بالمنع أو الحجز أو ما شابهه، والحَكم (بفتح الحاء) هو القضاء المستقل.

مناسبة القول تحرك وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة في سيناريو جديد بإخراج قديم ورديء وأسطوانة اعتلاها الصدأ والبلاء، فتحدث في برنامج على قناة “دوزيم”، حيث اللعب بالعناوين من قبيل أخلاقيات المهنة وقانون الصحافة والمرحلة الانتقالية لقطاع الصحافة في أفق “تحسين القطاع” لا تحصينه، كلام يكذبه الواقع، فقد كان الوزير منذ تعيينه أكد على “أنه في عهده لن تحجز أي صحيفة”. وهو ما تم على “النقيض” حيث بالأمس حجزت “الصحيفة” و”المستقل” و”الأسبوع” و” لوجورنال” و”لوروبورتير” و”ماروك إيبدو” و”رسالة الفتوة” و”جون أفريك” و”لوكوتيديان” و”العدل و الإحسان”. ومنعت صحف من الطبع ببلوى التعليمات آخرها “البيضاوي” واللائحة في “غرفة الانتظار” تواجه “القانون” و”بلوى التعليمات”.

من يواجه الصحافة ضد من؟ أي مستقبل لقانون النشر والصحافة في حلته الحالية أو المنقحة الموعودة؟ ماذا عن الحواجز التي تعترض الزملاء الصحافيين في الوصول إلى مصادر الخبر، وعن الزبونية في الخبر الذي يعرض في أسواق المزاد العلني؟ أين نحن من مجتمع الإعلام والتواصل وتوصيات المناظرة الوطنية للإعلام وإصلاح المشهد الإعلامي ومبيعات صحفنا لا تتعدى 300 ألف نسخة يوميا وسط زخم مئات العناوين؟.

المجال لا يتسع للحديث عن دهاقنة الإعلام وسماسرته، ولا عن أولئك الذين لا ذمة لهم ولا عهدا، يتامى شاخت أقلامهم لا شغل لهم اليوم إلا النفخ في الرماد، غدوا أبواقا متخصصة في تزييف الواقع وتخدير الحس الشعبي بإعطائه جرعات قوية من الأمل في المستقبل والازدهار الذي لم يضرب لنا معه موعد، وتمنيه ببشرى جِدته (بكسر الجيم) أنه استمرار واستمراء للماضي في الحاضر والمستقبل بأسلوب “صحافي مهني” بديع. و في ذلك قول الشاعر:

وإذا رأيت عجيبة فاصبر لها *** فالدهر قد يأتي بما هو أعجب

وإذا كان هذا الموقف منطقيا، فالذي لا يستساغ هو أن شيئا ما يحدث في “مغرب العهد الجديد”، حيث كثرة “المطاردات” و”التهديدات” و”المحاكمات” التي تلاحق الصحافيين من قبل أجهزة أو مؤسسات أو لوبيات ضاغطة براغماتية وفق “طبعة مزيدة ومنقحة”، بعضها ضدا على الفصل 67 من قانون الصحافة وبعضها مبالغ في أحكامه التي تضمر أشياء أخرى غير “الإنصاف” و”رد الاعتبار”، وثالثها بـ”التعليمات” التي تسلط وفق تعامل “WESTERN”، إذ أن عدم الامتثال لها يعرض لمتاعب لا قبل بها، كل ذلك يسير في اتجاه التهديد بالمحاكمة أو السجن أو الحبس أو الغرامة أو هما معا، مما يجعل أصحاب القرار منطقيين لا أقول مع أنفسهم، لكن مع الشعارات المرفوعة والادعاءات المزعومة و الأماني المعسولة، فلا يمنعوا  البعض- حقه في التعبير والنشر كما هو شأن غيرهم، وإما أن يقولوها بصراحة ويعلنوها بوضوح بأن “القانون” الذي يسري على الجميع -حسب وزير الاتصال- يستثني ثلة أيا ما كان السبب، من القيام بما يخوله القانون لغيرها، وهو ما يخلص إلى أمرين الأول أن صحافتنا ليست في “نضج” والثاني أن عقلية “التكميم والإلغاء والعرقلة” ما تزال “تعشعش” في ذهنية المخزن ولم يقو على المسير بالإيقاع الصحافي.

لقد ضحكنا وعجبنا، وضحك الناس معنا وعجبوا من الصحافة التي تعيش بين “القانون” و”التعليمات”، فأعطي الدليل مرة أخرى للقراء والسامعين فضلا عن الصحافيين على أننا ما زلنا مطمورين في أوحال “دولة الحق والقانون” لكن بـ”المنع عن طريق التحايل” و”التعليمات” فقط سواء كان القانون معك أو ضدك؟؟

الجواب نتركه لقابل الأيام.