لعز الدين عبد السلام بن غانم المقدسي المتوفى سنة 678 هجرية

وهو أول واعظ بالجامع الأزهر في القاهرة، بعد أن أصبح مسجدا سنيا على يد السلطان الظاهر بيبرس، في أواسط العقد السابع من القرن السابع الهجري.

هذه القصيدة مستلة من أطروحة لدكتوراه الدولة في الأدب العربي ليونس علوي مدغري.

حققت هذه القصيدة من أربعة مصادر؛ وهي: الديوان الصغير لابن غانم المقدسي، في نسخته المخطوطة بباريس برقم 3522 (=خ5) (ق.38) (وهو الأصل هنا) باستثناء الأبيات التالية: 21،28-31؛ وكتاب “الروض الأنيق في الوعظ الرشيق” لابن غانم المقدسي، في نسخته المخطوطة بالمكتبة الظاهرية بدمشق برقم 5253 (=خ11)(ق101-102أ) باستثناء الأبيات: 23،29-31؛ وكتاب “ذيل مرآة الزمان” للمؤرخ اليونيني (4/21-22) حيث نجد الأبيات التالية: 1-8، 10-12؛ وفي كتاب “الفائق في المواعظ والرقائق” (ص74) للشيخ شعيب الحريفيش، حيث نجد القصيدة كلها باستثناء الأبيات التالية: 4-5،11،15-16،25-28.

المناسبة التي نظم فيها ابن غانم هذه القصيدة: قال اليونيني في “ذيل المرآة” (4/19): “حكى الشيخ شرف الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن سباع ابن ضياء الفزاري  رحمه الله- قال: حججت في سنة خمس وسبعين وست مائة، واجتمع في الحج من علماء الأقطار ابن العجيل من اليمن، وتقي الدين ابن دقيق العيد من الديار المصرية، والشيخ تاج الدين الفزاري من الشام، وغيرهم. واجتمعوا في الحرم الشريف، وكان عز الدين عبد السلام [ابن غانم المقدسي] المذكور قد حج من مصر، فجلس تجاه الكعبة المعظمة، وحضر أمير مكة وغيره، فارتجل خطبة”. ثم ساق اليونيني الخطبة بتمامها. وهي الخطبة نفسها التي وردت في “الديوان الصغير” و”الروض الأنيق”، وساق الحريفيش طرفا منها. وهي في مدح الكعبة المشرفة، جاء في آخرها، كفاصل بين الخطبة وبين الشعر، هذه الكلمات: “فهي التي هاجر منها الحبيب، ما هجرها ولا قلاها، وما انقلب قلبه إلى قبلة سواها، حتى أنزل عليه جبريل في آيات تلاها: “قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها”. ثم أنشد يقول:

[وافر]

فَـوَلِّ بِـوْجْهِـكَ الْحَسَنِ الْمُفَــدَّى *** إِلَـيْـهَـا حَـيْـثُ وَجَّهْـتَ اتِّجَاهَــا1

فَـإِنَّ أَبَاكَ إِبْرَاهِـيـمَ قِـدْمــــاً *** لِأَجْــلِ رِضَــاكَ عَنَّـا2 قَدْ بَنَاهَــا

وَإِسْـمَـاعِـيلَ طَافَ بِهَا، ولَبَّــى، *** وَطَـهَّــرَهَـا لِمُشْتَـــاقٍ أَتَاهَـــا

هُوَ الْبَـلَـدُ الْأَمِيـنُ وأَنْـتَ حِــلٌّ *** فَـطَـأْهَـا يَـا أَمِـينُ ! فَأَنْتَ طَـــهَ

وَ لَــوْلَا أَنْــتَ حَلَّ فِي ذُرَاهَـا3 *** لَـمَـا شَرُفَـتْ ولَا حُمِيـَتْ حِمَاهَـــا

تَوَجَّـهْ حَـيْـثُ كُنْتَ لَهَا وكَبِّــرْ4 *** وَ لَا تَـعْـدِلْ إِلَــى شَيْءٍ سِـوَاهَــا

وَ وَجْــهُ اللهِ قِـبْلَـةُ كُلِّ قَلْــبٍ5 *** لِـمَـنْ شَـهِـدَ الْحَقِيقَةَ واجْتَـلَاهَـــا

وَ هَـذَا الْبَـيْتُ بَيْتُ اللهِ بُشْـــرَى *** لِـنَـفْـسٍ فِـيهِ قَــدْ بَلَغَتْ مُنَاهَــا6

وَ هَـذَا الْحِجْرُ والْحَجَـرُ الْمُفَـدـَّى *** وَزَمْــزَمُ والْحَطِيـمُ ومَا زَهَاهَــــا

فَهَلِّـلْ عِنْـدَ مَشْهَـدِهَا7 كِفَاحـــاً *** وَ زَمْـزِمْ عِنْـدَ زَمْزَمِــهِ8 شِفَاهَــا

فَهَذَا الْفَخْرُ إِنْ حَاوَلْتَ فَخْـــــراً *** وَ هَذَا الْجَاهُ إِنْ حَاوَلْــتَ جَـاهَـــا

فَـيَـا حُجَّـاجَ بَيْتِ اللهِ طُوفُـــوا *** بِكَعْبَتِـهَـا ولَبُّــوا فِــي ذُرَاهَـــا

فَطُـوبَـى9 ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَــى *** لِـنَـفْسٍ فِـي مِنـىً بَلَغَـتْ مُنَاهَـــا

فَـقُـلْ لِلسَّـالِكِيـنَ10 بِكُلِّ فَــجٍّ *** لَكُــمْ ثَــجٌّ وعَـجٌّ قَـدْ تَنَـاهَـــا

فَـلَـيْـسَ الْحَـجَّ إِدْلَاجٌ ومَسِيــرٌ *** وَ لَا قَطْـعُ الْمَـرَاحِـلِ فِي سُرَاهَـــا

وَلَيْــسَ النُّسْكَ تَقْصِيرٌ وحَلْـــقٌ *** وَسَعْــيٌ ثُــمَّ بِـالتَّجْرِيدِ بَـاهَـى11

وَلَا يُجْدِي سِوَى الْإِخْلَاصِ حَقّـــاً *** وَنِيَّـتِـهِ الَّـتِــي فِيــهِ12 نَوَاهَــا

وَإِقْـلَاعٍ عَـنِ الْعِصَْيَانِ13 جَمْعاً14 *** وَتَـجْـرِيــدٍ لِنَفْـسِكَ عَنْ هَوَاهَــا

وَإِرْفَـاقٍ وإِنْـفَـاقٍ وبَـــــذْلٍ *** لِـذِي الْحَـاجَــاتِ مِمَّا قَدْ عَرَاهَــا

وَتَـقْـوَى اللهِ أَفْضَـــلُ كُلِّ زَادٍ *** لِـنَـفْـسٍ بِالتُّـقَى عَرَفَتْ هُدَاهَــا15

فَقُلْ بِلِسَانِ عَزْمِكَ فِي رُبَاهَــــا *** إِذَا شَاهَــدْتَ فِي الْمَعْنَـى سَنَاهَـــا:

إِلَيْكَ شَـدَدْتُ يَـا مَوْلَايَ رَحْــلِي *** وَجِئْـتُ ومُهْجَتِـي تَشْكُو ظَمَاهَــا16

وَهَا أَنَـا جَـارُ بَيْتِكَ يَا رَجَــائِي *** وَبِالْأَسْـتَـارِ مُمْتَسِــكٌ عُـرَاهَـــا

وَلِلْجِيـرَانِ والضِّيفَـانِ حَــــقٌّ *** عَلَـى الْجَـارِ الْكَــرِيمِ إِذَا دَعَاهَــا

وَهَـا ضِيفَـانُ بَيْتِكَ يَـــا حَبِيبِي *** وَتَــرْجُو أَنَّ فَضْلَـكَ مِـنْ قِرَاهَــا

عَلَى أَبْوَابِ جُـودِكَ يَــا إِلَـهِي17 *** رِجَالُ الْوَصْلِ قَـدْ أَلْقَــتْ عَصَاهَــا

تَمُـدُّ أَكُفَّــهَـا بِالذِّكْرِ فَقْــــراً *** إِلَيْكَ وأَنْتَ18 تَعْلَـمُ مَـا دَهَـاهَـــا

بِهَــا دَاءٌ ولَيْـسَ لَــــهُ دَوَاءٌ *** سِـوَى مَــا فِـي وِصَالِكَ مِنْ شِفَاهَـا

إِلَيْكَ شَفِيعُنَا الْهَادِي الْمُفَـــــدَّى *** وَمَــنْ قـَــدْ حَلَّ جَهْراً فِي حِمَاهَـا

شَفِيعُ الْخَلْقِ يَـوْمَ الْحَشْرِ حَقـــّاً *** رَسُولُ اللهِ أَقْــوَى النَّـــاسِ جَاهـَـا

عَلَيْهِ مِنَ الْمُهَيْمِــــنِ كُلَّ وَقْـتٍ *** صَلَاةٌ غَيـْــرُ مُنْحَصِرٍ مَــدَاهَـــا

الهوامش:

1- هكذا في النسختين، وفي الأصل: حيث ما اتجهت اتجاها، وفي “الفائق”: إليها حيث كنت اتجاها.

2- عند الحريفيش: حقا.

3- في (خ1): حماها.

4- هكذا في النسختين، وفي الأصل: ولا تبالي، وفي “الفائق”: ووجه حيث كنت إذن إليها.

5- في “الفائق”: فوجه الله قبلة كل حي.

6- في “الفائق” : وهذا البيت بيت الله فيه تسر النفس إذا بلغت مناها.

7- في (خ11): مشهده، وعند اليونيني: مشهد.

8- في ( خ11) : زمزمها

9- هكذا في (خ11)، وفي الأصل: وطوبى.

10- هكذا في (خ11)، وفي الأصل و”الفائق”: للناسكين.

11- هكذا في (خ11)، وفي الأصل: ناها.

12- هكذا في (خ11)، وفي الأصل: فيها.

13- في (خ11): الطغيان.

14- في “الفائق”: جهرا.

15- هكذا في (خ11)، وفي الأصل: قواها.

16- في “الفائق”: جواها.

17- هكذا في (خ11)، وفي الأصل: يا حبيبي.

18- هكذا في(خ11)، وفي الأصل: (وأنت كريم) بدل (إليك وأنت).