ها قد مرت أزيد من سنتين ونصف على أحداث 16 ماي الدامية ببيضائنا الحبيبة. خلال هذه المدة ضرب الإرهاب في العديد من البلاد العربية والأوربية ليتبين أن هذه الظاهرة ليست خاصة ببلد دون الآخر، إنما هو بضاعة معولمة كشأن كل البضائع. سنتان ونصف لم تكن كافية لتكشف عن كل الخيوط، لكن بكل تأكيد تغيرت أشياء كثيرة في هذا البلد الأمين الذي لم يعد آمنا.

اعتقالات بالجملة بلغت حسب بعض الإحصائيات 7000 شخص، فيهم المذنب وفيهم البرئ. حملات إعلامية عاصفة سخرت فيها كل الوسائل المتاحة، كان الدافع إليها تصفية حسابات انتخابات ضيقة وشعارها الكبير المعلن “ما تقيش بلادي”، وفي نفس الوقت كانت رسالة لمن يهمهم الأمر “ما تقيش مصالحي فأنا سأدافع بالأنياب والأظافر دونها”.

سنتان ونصف من المقاربة الأمنية والحملات الإعلامية هل كانت كافية لتقضي على الإرهاب في هذا البلد الأمين؟ كلا!

اكتشاف خلايا الانفجاريين مؤخرا، تزامنا مع “العبقرية الدبلوماسية” التي تلت اختطاف المواطنين المغربيين بالعراق مؤشرات جادة على أن شبح “الانقتاليين” كما سماهم د. طه عبد الرحمن ما زال يخيم على مغربنا ويهدد أمننا.

والسؤال الذي يطرح، هل سلكنا الطريق الصحيح لقطع دابر هذه الظاهرة المرضية التي نشأت مبكرا في تاريخ المسلمين ؟

كيف نشأت تيارات السلفية الجهادية؟

عندما أرادت الأنظمة العربية  قومية ولبرالية- في مصر والشام والغرب الإسلامي ضرب عدوها التقليدي المتمثل في اليسار، غضت الطرف عن نشاط بعض الحركات الإسلامية، وهي تعرف جيدا أنه لن يقضي على أصحاب عقيدة ماركس ولينين إلا أصحاب عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم، والشعوب كلها تدين بدين الإسلام. لكن عندما احتاجت لضرب الحركات الإسلامية الجادة فيما بعد، كان الحل السحري جاهزا: الوهابية والبترو دولار.

لعل القليل من يعرف أن أول دار للقرآن أنشأها المغراوي وكانت في مراكش سنة 1974 في نفس المدينة ونفس السنة التي أرسل فيها الأستاذ عبد السلام ياسين رسالته التاريخية الشهيرة” الإسلام أو الطوفان” إلى ملك البلاد.

كانت الوهابية في مراحلها الأولى ولا تزال، تنصب محاكم تفتيش للمسلمين،لا شغل لها إلا البحث في عقيدة الناس بسطاء وعلماء لتصنفهم في قائمة الفرق الضالة الثنتي وسبعين، والمحظوظ فعلا من أدخل ضمن الفرق الناجية!

كان اللعب بالوهابية عمل الأنظمة العربية وعمل القوى العظمى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية بعد اندلاع الجهاد في أفغانستان. لكن الحدث الحاسم الذي سيقلب طاولة اللعب تلك على أصحابها، كان”دخول المشركين إلى جزيرة العرب” سنة 1990 بوطء القوات الأمريكية وحلفائها أرض الحرمين لحماية منابع النفط من”الديكتاتورية” البعثية الصدامية. كانت نسبة كبيرة من المجاهدين العرب الذين اكتسبوا تجربة كبيرة في أفغانستان، من ذوي الميول الوهابية ولم يجدوا غضاضة من مناصرة حركة طالبان عندما دخلت الأحزاب الإسلامية الأفغانية في حرب على مواقع السلطة بعد أن انتهوا من جهاد الروس. تكونت الإمارة الإسلامية بأفغانستان وكانت مأوى لأعداد كبيرة من”الأفغان العرب” الذين أصبحوا عرضة للملاحقة من قبل الاستخبارات لدى عودتهم إلى ديارهم.

إن من ألف الجهاد ورافق السلاح لاشك قد ترسخت لديه فلسفة مفادها: لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يردع الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا ما بعد الحرب الباردة إلا قعقعة السلاح وأصوات القنابل.

تكون تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، الثري السعودي الذي ترك الترف وعانق شضف العيش في جبال تورا بورا الأفغانية، وأعلن الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية تحت شعار” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”. انقلب السحر على الساحر، وكان لهذا الانقلاب تداعيات على كل البلاد العربية والإسلامية، خاصة المؤيدة ” للحرب الأمريكية على الإرهاب”، وكذا على البلدان الأوربية التي تتوفر فيها جالية إسلامية مهمة.

11 شتنبر2001، تاريخ الهجوم على أمريكا في عقر دارها سيبقى معلمة بارزة في التاريخ العالمي، لأنه خلط أوراقا وزلزل عروشا وأعاد النظر في كثير من الاستراتجيات. أعلن بوش الثاني إعلانه الشهير: معي أو مع الإرهاب، فلم يترك خيارا لأنظمة مقطوعة عن شعوبها، فسارت تبذل جهدها وتضاعفه لتنضم إلى الصف المحارب للإرهاب.

اختلاط أوراق السلفية في المغرب عند أهل السلطة:

الغطرسة الأمريكية الممارسة في أنحاء عديدة من العالم وتأييدها اللا مشروط للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني الأعزل، ولد الكراهية للأمريكان وبالتالي الإعجاب الشديد لعدو أمريكا الأول أسامة بن لادن. فكنتَ ترى صورته في أقمصة كثير من الناس من آسيا إلى أمريكا اللاتينية مرورا بإفريقيا فهي وسيلة للتعبير عن الرأي على أية حال.

في المغرب كانت الأوراق مختلطة في نظرة السلطة إلى تيارات السلفية. فإذا كانت مواقف وآراء الحركات الإسلامية المنظمة في جماعات معروفة ومعلنة، لم يكن الحال كذلك بالنسبة للسلفية الوهابية التي لا يجمعها تنظيم. ولم يكن النظام المغربي في حاجة لمعرفة هذه التيارات ما دامت تخدم مصالحه- دون علم منها في الغالب حسن ظن منا-. ومصلحة النظام في تلك المرحلة بعد أن فرغ من اليسار ودجنه، ودجن جزءا من الحركة الإسلامية، كانت تلتقي مع الوهابية في حرب الأستاذ عبد السلام ياسين وجماعته العدل ولإحسان الذين رفضوا كل المساومات. كتب وأشرطة كثيرة صدرت في تسعينيات القرن العشرين هدفها النيل منه وعرقلة دعوته، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: سلسلة الإحسان لصاحبها المغراوي يرد بها على كتاب الإحسان- المنهاج التربوي لجماعة العدل ولإحسان- ، كتاب رسالة الإسلام إلى مرشد العدل والإحسان وكتاب الشورى المفترى عليها والديمقراطية لمحمد الفيزازي، “الجهل والإجرام في جماعة العدل والإحسان” للحدوشي ….وغيرها كثير. ومعظم مؤلفي هذه الكتب هم الذين اعتقلوا بعد أحداث 16ماي 2003 بالبيضاء ويعرفون في وسائل الإعلام بشيوخ السلفية الجهادية.

كانت الأمور مختلطة بُعيْد أحداث 11 شتنبر (ما بين وهابية قاعدة و”قاعدة” وهابية، ما بين سلفية ترتمي على أعتاب الحكام ، وسلفية مجاهدة) عندما كان التكفير مقتصرا على اللسان والقلم ومنصبا على العلماء العاملين لم يكن منه بأس فعدو عدوي صديقي كما يقال، لكن الأمر تحول إلى أحزمة ناسفة ورجال مستعدين للانفجار على طريقة استشهاديي كتائب القسام الفلسطينية، مع فرق بسيط هو أن القساميين ينفجرون في وجه اليهود المغتصبين وانفجاريونا في وجه مسلمين، لكن من سميناهم مسلمين هم عندهم وعند شيوخهم شر من اليهود، إنهم مرتدون كافرون قد حلت دماؤهم.

فماذا جنت السلطة من تشجيعها للوهابية غير العاصفة؟

الفتنة أشد من القتل:

انطلقت في الآونة الأخيرة أبواق وأصوات تحذر من فتنة قد اقتربت، ردا على رؤى 2006 التي تواترت بين أعضاء جماعة العدل والإحسان وأكدها مرشدها بقوله:”2006 وما أدراك ما 2006.” مفاد الرؤيا أن أحداثا جساما ستقع في المغرب وتبشر أن ذلك سيكون في صالح البلاد وبدءا المرحلة تستعيد فيها عافيتها، هكذا دون ذكر للتفاصيل أو لطبيعة الحدث…..

انطلقت الحملة على” العدل والإحسان” وعلى مرشدها عبر صفحات الجرائد والكتب وتوزيع الأقراص المدمجة وإنشاء موقع للإنترنيت وغرف النقاش في الشبكة العنكبوتية … كلها تجعل من رؤيا 2006 “خرافة مضحكة ومخجلة” على حد تعبير النائب البرلماني و”الزعيم الإسلامي” عبد الإله بن كيران (الصحيفة عدد13- 19يوليوز2005). وإذا كانت هذه الرؤيا مبعث ضحك رفاق بن كيران، فإنها مصدر خوف لآخرين أن تكون دعوة للفتنة. يقول الدكتور أبو جميل العلمي السجلماسي: “… وأقول إن الخطر الداهم، نسأل الله تعالى أن يقينا فتنته هو أن تكون من وراء هذا الفكر وإذاعة مثل هذا الأمر أياد تخطط من وراء الحجب لتوقع فتنة بين المسلمين ولتضرب الصحوة الإسلامية وتقسم ظهرها من الداخل في هذا البلد” (الأيام العدد 198-26 شتنبر-2 أكتوبر 2005).

ومقال بنفس الجريدة عدد203 بتاريخ 31 أكتوبر- 5 نونبر2005 بعنوان” الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها” لصاحبه ذ. أحمد علمي والذي لا إخاله إلا اسما مستعارا “للكاتب الإسلامي” المسكين الزبير دحان المشارك في قرص الخرافة.

قبل الاسترسال في الموضوع لا بد من التعريف بمفهوم الفتنة ليتضح جليا من يدعو للفتنة في هذا البلد.

ما هي الفتنة؟

الفتنة مصطلح إسلامي خالص ورد ذكره في آيات قرآنية كثيرة، وخصصت له المصنفات الحديثية أجزاء مهمة تحت مسمى “كتاب الفتن”. قال الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن الكريم: (والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضد ذلك).

وأورد الإمام البخاري في صحيحه من كتاب الفتن، الباب الخامس (ظهور الفتن) مجموعة أحاديث كلها تربط الفتنة بالقتل.

– حدثنا عياش بن الوليد، أخبرنا عبد الأعلى، حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يتقارب الزمان وينقص العمل، ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج، قالوا يا رسول الله : أيُّم هو؟ قال :” القتل القتل” (حديث رقم7061).

– وفي حديث آخر، حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق قال: جلس عبد الله وأبو موسى فتحدثا فقال أبو موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج  والهرج القتل ” ( حديث رقم 7064)

الهرج هو أبرز سمة للفتنة التي تموج كموج البحر كما سأل عنها عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان الخبير بالفتن رضي الله عنهما، ولن نتحدث عن فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، فهذه تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ورد بذلك الحديث رقم 7096 من صحيح البخاري .

وبعد هذا نسأل: هل دعا الأستاذ ياسين وجماعته لفتنة، وما موقفه من الهرج؟

موقف الأستاذ ياسين من سفك دماء المسلمين:

1- الموقف المبدئي:

المجتمعات الإسلامية فيها الكثير من مظاهر الجاهلية الأولى بلا شك : ظنها وحكمها، حميتها وتبرجها. لكن هل يجوز أن نطلق عليها صفة الجاهلية ؟

يقول الأستاذ ياسين: “أهو مجتمع جاهلي فنقاطعه ونعامله على أنه غيرٌ؟ ومن نحن حتى ننفصل عنه وندعي الهداية من دون الناس؟ … أين تقف الجاهلية؟ وما خصائصها؟ أسئلة لابد من بحثها والجواب عنها حتى لا نربط مصير الدعوة بأحكام مسبقة خطإ، وبكلمات أطلقها بعض الدعاة ممن لهم ظرفهم واجتهادهم وقصدهم فتلقفها طوائف من الملتحين واستعملوها استعمالا فضائيا فزادوا وزرا ثقيلا على أوزار تنوء بكاهل الأمة. وأي وزر أعظم من تكفير أمة محمد صلى الله عليه وسلم بغير علم!”(1).

يرفض الأستاذ ياسين إلصاق صفة الجاهلية بالمسلمين ويستعيض عنها بمصطلح الفتنة الذي يعني فيما يعني اختلاط الحق بالباطل. والتدقيق في المصطلح أمر بالغ الأهمية لترتب أحكام تتغير حسب الصفة فيما يخص مسألة الدماء.

وفي المنهاج النبوي(2) نجد في الشعبة الثالثة والستين من شعب الإيمان: حقن الدماء والعفو عن المسلمين، نقرأ عن المزالق التي يجب أن يتفادى جند الله الهويَّ فيها:

“- في مرحلة إعداد القوة نتجنب أساليب الاغتيال السياسي لسببين: أولهما أننا أمرنا ألا نقتل المسلمين زمان الفتن. والثاني، وهو سياسي، أن القضايا الغريبة عن الشعب، العاجزة عن الانتصار بالإقناع والتمكن في المجتمع، هي وحدها التي تلجأ إلى أساليب الإرهاب والاغتيال …

– بعد القومة وأثناء التصفية ورد المظالم، لا يفتح جند الله باب إراقة الدماء، بل يعالجون ماضي الفتنة بما ينبغي من العفو الشامل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة …

ديننا يأمر بحقن الدماء، ويجعل سفكها بغير حق من الموبقات، ويتوعد بالخلود في النار من قتل مؤمنا متعمدا، ويغلظ النكير على قتل المعاهد، وعلى الانتحار، وعلى المشاركة في قتل المسلمين والرضى به، وعلى المشاركة في الظلم والتعذيب، وعلى جلد المسلمين وعلى قتل من قال: لا إله إلا الله”.

2- الموقف من أحداث 16 ماي بُعيْد وقوعها:

في مجلس الأستاذ عبد السلام ياسين ليوم الأحد 18 ماي 2003 استنكر بشدة ما وقع في البيضاء من عمل شنيع قائلا: “الإخوة الكرام من الصعب جدا أن نتحدث عن أحداث مؤلمة وجارحة في الدين وجارحة لأعراض المسلمين ودمائهم بالمغرب وهو ما حدث في الدار البيضاء… هناك شباب مغرر بهم يُكذب عليهم فيظنون أنهم يعرفون دينهم فيأتون بالمذابح الشنيعة الفظيعة، نعوذ بالله، بدعوى أنهم يغزون مواطن الفساد، بؤر الفساد. لا شك أن هذه الأماكن التي هجم عليها من فجروا أنفسهم فيها فساد لكن هل هذا الفساد يزال بمثل هذه الهجومات؟ وفعلا ماذا فعلنا؟ قتلنا المسلمين الأبرياء والنتيجة لا شيء.

جماعتنا منذ تأسيسها وهي تنادي بعدم العنف. العنف لا يبني. عملنا تربية ثم تربية ثم تربية وجيل يربي جيلا آخر حتى تخرج أمتنا من غثائيتها وتصير قوية. أما والأمة غثاء، الأمة هزيلة، فكل عنف إنما يزيدها غثائية ويزيدها ضعفا ويعطي أعداءها حججا لكي يحكموا ولكي يدلوا أمام العالم بأن الإسلاميين إرهابيون وجهال وقتلة”.

3- الأستاذ ياسين يحذر من أحداث البيضاء قبل وقوعها:

في سلسلة دروس المنهاج النبوي التي كان يلقيها الأستاذ ياسين في بداية الثمانينيات من القرن الماضي نقرأ من المجلس الرابع المنعقد يوم الثلاثاء 19 رمضان 1401هـ (1981م) تحت عنوان اقتحام العقبة والذي نشر في سلسلة كتب بنفس العنوان العدد 4 بتاريخ 1999عن دار الفرقان للنشر الحديث. يقول الأستاذ ياسين في معرض تساؤله عما ينبغي أن نفعل لمواجهة اضطهاد الحكام: (هل نكتفي بالاجتماعات على الموائد نقول: اللهم إن هذا منكر! هذا لا يقبله الله عز وجل ولابد أن نقوم. هل نعمل عملا فوضويا كالذي مر في الدار البيضاء؟ ننفجر؟ نَقتُل ونُقتَل على غير هدى؟ كلا.

إن كان الحكام يريدون الانفجار  وللجالس المتنصت أن يبلغ الأخبار للجهات الرسمية جزاه الله خيرا أو سلسلة من الانفجارات فما عليهم إلا أن يزيدوا في اضطهادنا)(3).

فهل كان هذا الكلام رجما بالغيب أم كان خرافة مضحكة !؟ وأنتم يا من اصطليتم بنارها مؤهلون أكثر من غيركم لإخبارنا إن كانت كذلك.

النظام المخزني يكرر نفس الأخطاء:

محمد بن محمد الفزازي هو أشهر شيوخ ما سمي بـ”السلفية الجهادية” بالمغرب وله مناظرات وكتابات(4) يهاجم فيها شيوخ الوهابية القاعدة من أمثال محمد بن عبد الرحمان المغراوي نزيل مراكش (وقد تحدثنا عن عدائه الكبير لجماعة العدل والإحسان وهو ما كان محل ترحيب من قبل السلطة المخزنية). كان له حوار مع الجريدة الأسبوعية “الصحيفة” العدد 45، بُعيد أحداث 11 شتنبر2001 الأمريكية، ولعل الحوار كان أحد أهم الأسباب – فضلا عما جاء في حوار آخر مع جريدة الشرق الأوسط بعد أحداث 16 ماي 2003- الذي جعله محل متابعة وليعتقل لمدة ثلاثين سنة.

عندما سئل عن زعيم تنظيم القاعدة، أجاب: ” أولا لم أتشرف في يوم من الأيام بمعرفة أي شخص من تنظيم القاعدة، وهذا من سوء حظي…. أما رأيي في الشيخ أسامة بن لادن، فأقول في ذلك: كأني به صحابي في القرن الواحد والعشرين الميلادي وأراه يمثل صورة المسلم في أعلى صورة”.

لا يهمني رأي الفزازي في “الشيخ أسامة” ولكن يهمني تصرف السلطة المخزنية التي رعت تيارا لتضرب به “عدوها اللدود” الذي رفض الانحناء لها، تفسيقا وتبديعا وتكفيرا، حتى إذا فقدت السيطرة عليه وبدأ يهدد أمنها الداخلي ويؤيد ضرب القوة العظمى  سيدة العالم والذي كان المغرب أول من اعترف باستقلالها!- صارت رؤوس شيوخ هذا التيار مطلوبة.

ما أشبه الليلة بالبارحة! ولكن مسؤولينا يعميهم العداء فلا يبصرون أو ينسون سريعا فيعيدون نفس الأخطاء بنفس السيناريو تقريبا. فهاهم يرعون اليوم عينة جديدة من “الشيوخ” ولنفس الأهداف.

أبو جميل السجلماسي وهو لقب يذكرني بكثير من الأسماء التي سطع نجمها في سماء عالمنا الإسلامي، أبو فلان + البلدة الذي ينتسب إليها. أبو حمزة المصري، أبو الفرج الليبي، أبو قتادة الفلسطيني…وأبو مصعب الزرقاوي المنتسب إلى مدينة الزرقا الأردنية والذي قد يكون مواطنانا المحافظي وبوعلام “ضيوفا” عنده في “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي يترأسها، تماما كما يترأس أبو جميل السجلماسي “معهد الغرب الإسلامي”. لم أجر هذه المقارنة لأتهم الدكتور العلمي السجلماسي بانتمائه لتنظيم القاعدة، ولكني أنقل للقارئ الكريم بكل أمانة مقتطفات من مؤلفه “معالم في منهج المعرفة الإسلامية ونقد التراث” (منشورات معهد الغرب الإسلامي). يقول في فقرة شغب فساد الرأي في تفسير التراث (ص 106-107) بعد أن يوجه هجوما خاطفا للدكتور البوطي: “ولا بأس أن يدعو البوطي بعد اختزاله مشاكل الأمة في غياب التصوف إلى مهادنة أنظمة الجور والطغيان، وترك الجهاد في سبيل الله، والعناية بجهاد النفس”. يقول ذلك في معرض التهكم. ثم يعرج بعد ذلك مباشرة إلى جماعة “العقلانيين الجدد” فيقول:

“وقد ساق فهمي هويدي حديث النبي صلى الله عليه وسلم “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار” ثم شغب حوله بكلام غث واعتراضات جوفاء باردة، وقعد مع أصحابه الموقعين على الفتوى.

يخترعون على هامش الحديث كلاما آخر. ولا بأس أن يمرغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الرغام لأنه لم يعد يساوي عند هؤلاء فلسا أمام زخارف المواثيق الدولية، وقوانين الغرب، ورعاية المقاصد الأمريكية لئلا تتهمنا أمريكا بالإرهاب والتواطؤ مع سيد المجاهدين “أسامة بن لادن” وتنظيم القاعدة، ولا حرج فنحن أمة هامدة قاعدة!!”.

صدر الكتاب في ماي 2002، أي قبل سنة من أحداث 16 ماي 2003 الدامية. وأخطر ما في الموضوع، أن الكتاب موجه لطلبة الجامعة (مقرر الشفوي) يفرض عليهم شراؤه -يوقعه المؤلف- وقراءته والاقتناع بأفكاره ومناقشته وجها لوجه مع مؤلفه الذي يتحكم في جزء من نتيجة امتحانات الطلبة النهائية ومصيرهم. ولكم أن تتصوروا ماذا يمكن لطالب في طور التكوين ولم يبلغ مرحلة النضج الفكري بعد، أن يناقش وأن يستوعب(5).

إن الجهات المسؤولة وهي توظف هذا الرويبضة ليجرّ جماعة من “الأغبياء” على حد وصف د. عبد الكريم الخطيب لبعضهم في سياق مغاير لما نحن بصدده، من أجل ضرب “العدل والإحسان” حسبما تظن، وتمكنه من منابر كثيرة في المجالس العلمية ورابطة العلماء وتتيح له الأسفار للقاء جاليتنا بأوربا وتمكنه من عقول غضة طرية من طلبة الجامعات في مختلف الأسلاك (إلى السلك الثالث)، إنما تلعب بالنار وتعيد نفس الأخطاء التي أنتجت 16 ماي 2003.

فهل من عقلاء في السلطة لينتبهوا إلى هذا الخطر المهدد أمننا.

ونعيد طرح السؤال: من يريد الفتنة حقا بهذا البلد؟ من؟!

الهوامش:

(1) كتاب العدل: الإسلاميون والحكم، ص 575-576، الطبعة الأولى 2000 مطبوعات الأفق.

(2) المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 309-310، صدر بتاريخ 1982.

(3) يمكن الاستماع للدرس كاملا في موقع الأستاذ ياسين الالكتروني(www.yassine.net) ضمن مكتبة المسموعات.

(4) كتاب “عملاء لا علماء” الذي ذكر فيه: “لابد من التصدي لهؤلاء الخونة المرجئة (يقصد المغراوي وأتباعه) بما يستحقون وفق ما شرعه الله تعالى… والحذر كل الحذر من التلبيسات والتدليسات والتظاهر بمظهر الدفاع عن القرآن أو دور القرآن، وعن السلفية والسنة… إن هم إلا سماسرة الدرهم والريال”. (عن جريدة الصحيفة- إسلاميون في الظل: العدد 45 بتاريخ 21- 27 دجنبر2001).

(5) والكتاب فضلا عن هذا يصلح أن يكون مادة لمن أراد أن يتخصص في علم الجرح دون التعديل، لأنه لم يترك مفكرا أو عالما لا يوافق هوى الدكتور أبو جميل حسن العلمي السجلماسي إلا وجرحه ولم يترك مصطلحا في السباب والشتم إلا أورده، والسعيد السعيد فعلا من سلم من لسانه وقلمه.

رئيس تحرير مجلة منار الهدى