وحيدا كان يمشي في الشارع كعادته، يحمل محفظته متوجها إلى الكلية، غارقا في بحر من الخيال، ينتقل من صورة إلى صورة إلى صورة… فوجئ بوقع خطوات متمايلة تقترب منه رويدا رويدا، خطوات من حذاء بكعب عال وحاد… التفت فإذا بها كاسية عارية، مائلة مميلة، تعبق منها روائح تصرخ منادية… رمقته بنظرات شبقة، ثم سارت الهوينى أمامه، كيانها يصرخ كله برغبة جامحة، وشهوة لا حدود لها… قالت له وقد استعبدتها الشهوة المجنونة…

– من فضلك…!! دلني على الطريق المؤدية إلى كلية الآداب… ؟

عرف قصدها… هم بأن يرد عليها… خفق قلبه لعينيها الخضراوين الجذابتين، وشفتيها المحمرتين، وخديها الورديين، وصوتها المنكسر المغناج… هم بأن يتحدث إليها… سؤالها لم يكن بريئا إطلاقا… كل شيء فيها كان يبحث عن الحرام… زم شفتيه بقوة، استل سيفا من غمده، ذبح الخبيثة إذ هزه التوجيه الرباني هزا عنيفا: “الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين”… أشاح بوجهه عنها، وغض بصره، إذ انبجس من ذاكرته قول الصادق المصدوق: “إن العين تزني وزناها النظر”… ردع نفسه… تراجع محوقلا ومهللا ومكبرا…أعاد السيف إلى غمده وقد غمره إحساس فياض بالبشر والحبور…

وواصل المشوار، التقى بزميله “مراد”. “مراد” كان مغرما جدا بالحديث عن الآخرين: “وسام” الذي يتاجر والده في الحشيش والأفيون، و”أشرف” الذي سمح والده لأخته بالزواج من بلجيكي، و”هدى” التي تستقبل صديقها في بيتهم على مرأى ومسمع من كل أفراد أسرتها، و”وفاء” التي تعتبر “نانسي عجرم” قدوتها ومثلها الأعلى، وتسعى جاهدة لتقليدها في كل حركاتها وسكناتها، و”عبد المجيد” الذي طلبت أمه من أبيه الطلاق لأنه يرفض فكرة الخروج إلى الشاطئ في الصيف…

ظل “مراد” يتحدث بشغف واندفاع عن أسرار هؤلاء جميعا…

يعض صاحبنا على شفتيه استغرابا، ويقشعر بدنه تعجبا، وتنفتح عيناه اندهاشا… هم بمشاركته في الحديث عنهم… زينت له الخبيثة ذلك، وكاد أن ينساق… أن ينساب… أن يتبخر… عدل عن ذلك في آخر لحظة إذ تردد في أذنيه صدى الزجر الإلهي الصارم: “ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه”، تخيل مرادا صديقه وهو يأكل مرغما جيف كل المغتابين، بداله الأمر في غاية الفظاعة والشناعة، أحس بالغثيان، هم بأن يتجشأ… استمسك، استعاذ بالله من خبث نفسه، استل السيف من جديد، ذبحها ذبحا… ولاذ بالصمت…

– اللهم اهدنا، واهدهم، واهد الجميع للطريق المستقيم…

التقى بثلة من الزملاء، انخرطوا جميعا في نقاش دافئ حول صعوبات وطول المقرر، وسلوكات بعض الطلبة، وبعض الأساتذة… كان النقاش شهيا ومغريا…

ارتفع صوت المؤذن… حان موعد صلاة العصر… حدثته نفسه بأن هذه الجلسة لن تعوض، وأنه على وشك أن يربط علاقات جديدة مع أصدقاء جدد، وأن الصلاة يمكن إرجاؤها إلى حين عودته إلى البيت في حين أن مثل هذه الجلسة لن تعوض إطلاقا… كل الزملاء من صنف الغافلين اللاهين، لا أحد منهم ردد مع المؤذن كلمات الآذان، ولا أحد منهم عمل بوصية النبي الأكرم فدعا له عليه الصلاة والسلام بنيل الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة… كان على وشك أن يستسلم لهذا الجو اللاهي الغافل عن الله… ربما بدافع الحياء، أو بدافع المداراة، أو بدافع الواقع ومقتضياته… كان على وشك أن ينهار… أن يستسلم… أن يتنازل… أن يذوب… غير أنه تماسك في آخر لحظة… تلألأت أمام عينيه كلمات الحديث الشريف : “تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق : يرقب قرص الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا”… استل السيف من جديد…

اصطكت أسنانه، وارتعدت فرائصه، حملق في كل من حوله، انصرف مهرولا بعدما صرخ في وجوههم بصوت مرتعش مذعور:

– آسف، سأضطر للانسحاب… حتى لا تفوتني صلاة العصر جماعة في المسجد…

في طريق عودته إلى البيت كان وحيدا… يستغرب من أمر هذه النفس التي لا تكف عن أمر صاحبها بالسوء والمعاصي… وغاص في خضم قوله تعالى: “إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي”… واستحضر تعليق الداعية المحبوب: “(أمارة) على وزن (فعالة) وهي صيغة مبالغة، يعني أن هذه النفس لا تكف عن الأمر بالسوء وبالمعاصي…”، ولكنه تساءل في قرارة نفسه: ما الفرق بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان؟ بينما كان يفكر محتارا في أمر هذا السؤال المحير، وقع بصره على متسول يمزق القلب بدعائه الخاشع المنكسر & هم بإخراج قطعة نقود من جيبه & صاحت نفسه من جديد مستنكرة:

– هل أنت مسؤول عن هؤلاء المتسولين؟~~~ لست مسؤولا عنهم & ثم إن درهمك هذا لن يغير من وضعه شيئا، فلتحتفظ لنفسك على هذا الدريهم، فلعلك أحوج الناس إليه؟ ثم لا تنس أنك بإعطائك هذا المتسول تؤخر التغيير في المجتمع، وتساهم في تكريس الوضع المزري &

كاد أن يمتنع فعلا عن العطاء، بعدما بدت له أدلتها مقنعة إلى أبعد الحدود، هم بأن يرجع الدرهم إلى جيبه & غير أنه تذكر في آخر لحظة كيف أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تعطر الصدقة قبل أن تعطيها المساكين لأنها تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في أيديهم، وتذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا تستح من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه” & حينها فقط ابتسم في هدوء & استل السيف من غمده مرة أخرى، ذبحها من جديد بعدما استعاذ بالله من خبثها ومن الشيطان الرجيم، حوقل وكبر وهلل بصوت غير مسموع & منح المتسول الدرهم & موقن بأنها لم تمت بعد، وأنه مضطر إلى إعادة ذبحها آلاف بل ملايين المرات… غمره شعور فياض بالانشراح والحبور & حينها فقط فهم بعمق قول أحد العارفين بالله عندما سأله أحدهم: “متى يصير داء النفس دواءها؟ فقال: إذا خالفت النفس هواها، صار داؤها دواءها” &