قال الله تعالى: “بل الذين لا يومنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد” (سورة سبأ، الآية 8).

   عذاب الآخرة لأن الإيمان لا يتجزأ: فمن لم يومن بالآخرة لم يكفه إيمان عائم بالغيب. من لا يومن بالآخرة لم يصدق ما جاء به الوحي، فلا عبرة بزعمه أنه يومن بالله ورسوله.

   وعذابُ الدنيا وضَنْكها يتمثل في عيش حيواني يكنُفه الخوف من الموت، وينغِّصُه ذكرُها، ويقلِّصُهُ الجهل بما وراء الموت والقُنوع بأن الإنسان ظِل جاء عبثا ويذهب هَدَراً إلى لُعْبة كئيبة فاقدة المعنى. وإن تَلَهَّى الحيوان الكئيب برهة بزينة الدنيا فإنما هُو حلُمٌ طائف ثم تُخَيِّمُ غَيْمة اللا شيئية.

   أما من اجتمع عليه الكفر والفقر فعذابه في الدنيا بأوصاب المرض والجوع والكدح البائس، لا ينقص ذلك من عذابه في الآخرة مع من تمتعوا في الدنيا بزهرة الحلُم الزائل.

   وإن ما أوجبه الله عز وجل على المومنين من القتال من أجل المستضعفين يهدف بالنية الواعية إلى إزالة عوائق الظلم عنهم لتتأتى لهم فرصة الاستماع لبلاغ الإنذار وبيان البِشارة. فلا يسمع المشغول بقوت يومه مَن يحدثه عن غد بعيد. وما ابتلى به الله عز وجل العبادَ المُترفين من زينة الحياة الدنيا عائق آخر، يُكوِّن مع عائق الحرمان توازُنَ الشقاء والعذاب. فالدعوة تأتي هؤلاء وأولئك بالبلاغ، “إنْ عليك إلا البلاغ” (سورة الشورى، الآية 48)، ويفعل الله عز وجل بالعباد ما هم أهله، يُرديهم كفرُهم أو ينفعهم إيمانهم.

   وإن من كمال الإيمان وشرط الدعوة أن يُؤَرِّقنا هَمُّ المحرومين من النوعين، وإن كان الهم بالمستضعفين أسبقَ فلا ينبغي أن يحجب عنا همّ الآخرين. فالعبادُ رَحِمٌ واحدة، وصِلَتُها بالشفقة والإحسان خصلة إيمانية إحسانية رفيعة. وأيُّ إحسان أحسنُ وأرفع من تنبيه الغافل وإعلام الجاهل وإنذار المستهين وتبشير السادِر بما ينتظر العباد بعد الموت.

   رحِمٌ واحدة هي رحِم الإنسانية، وحقوق الإنسان، في مقدمتها حقه الأسمى، يُمليها على المومنين الأمر الإلهي العَليُّ إن كانت تُمليها على النظراء الفضلاء الخلُقيين ما فيهم من مروءة. قال الله عز وجل: “يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. واتقوا الله الذي تسَّاءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا” (سورة النساء، الآية 1).

   تَسَّاءلون: تُسْألون عن الرحِمِ الآدمية هل أديتم حقها. في مقدمة حقها البلاغ والبيان والشهادة بالسلوك النموذجي والإحسان، والجهاد الدائم لكشف عوائق الظلم حتَّى يسمَع الناس جميعا كلام الله. تعالى الله.

   كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بهذه الشهادة يقول: “اللهم ربَّنا ورَبَّ كلِّ شيء ومليكَه، أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك. اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكَه، أنا شهيد أن محمدا عبدُك ورسولُك. اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العبادَ كلُّهم إخوة”. رواه الإمامان أحمد وأبو داود.

   شهادةُ أنَّ العبادَ كلّهم إخوةٌ في الرحِمِ الآدمية تُلزم الشـاهد واجبـاتٍ تُجاهَ الإنسانية لا تنافي ولا تزاحم ولا تعطِّل الإلزام الوَلائي بين المومنين، والاصطفاف في صف المسلمين. فشرط “أشداء على الكفار رحماء بينهم” (سورة الفتح، الآية 29) قائم بسيف “لكم دينكم ولي دين” (سورة الكافرون، الآية 6) يمنعنا عن الرخاوة والهشاشة التي تُزلق إلى “المثلية البشرية”.

   بِر الرَّحِم الآدمية يحبهُ الله الجليل الرحيم. قال عز من قائل: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركُم أنْ تبَرُّوهم وتُقسِطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين” (سورة الممتحنة، الآية 8).

   ولمعرفة رسُل الله بمواقع حُب الله كان حَدَبُهم على الخلق وشفقتهم وخوفُهم عليهم من عذاب الآخرة صفةً بارزة.قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام: “فقال يا قومِ اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُه. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم” (سورة الأعراف، الآية 59). وعن صالح عليه السلام: “قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُه.قد جاءتكم بينة من ربكم.هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تاكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فياخذكم عذاب يوم أليم” (سورة الأعراف، الآية 73). وعن شعيب عليه السلام قال: “إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط” (سورة هود، الآية 84).

   وما دعا نوح عليه السلام بالهلاك على قومه إلا بعد أن جاءه الوحي “أنه لن يومِنَ من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون” (سورة هود، الآية 36).

   الأصل أن لا يبتئس الرسول والمومن الوارث المبلغ رحمةً وشفقة وخوفا على الخلق. يُملي ذلك عليه إيمانُه من أعلى واجب حقوق الإنسان،من جانب الدين والمروءة معا. يَقف باعث المروءة عند معاملة المثيل البشري بتوفير كرامة العيش الدنيوي، ويطلُب الدينُ أن تحسن إلى الناس في معاشهم بقصد أن تدعوَهم إلى صلاح مَعادِهم. والرسول في حِرْصه على الصلاح الدنيوي المُهَيِّئ الممهد للصلاح الأخروي مُؤَرَّقٌ مهموم وشَفوق.قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: “لعلك باخعٌ نفسَكَ أن لا يكونوا مؤمنين” (سورة الشعراء، الآية 3). وقال له: “فلا تذهبْ نفسُك عليهم حَسَرات إن الله عليم بما يصنعون” (سورة فاطر، الآية 8).

   باعِثُنا على احترام حقوق الإنسان، على أداء حقوق الإنسان، على الجهاد من أجل حقوق الإنسان،باعث عالٍ.وكل تديُّن لا يكون من مضمونه الشفقة على الخلق، ومن أهداف جهاده البِر بالخلق والعدل في الخلـق، فهو تدين أجوف. كما هي منقوصة مبتورة -إنسانيَّةٌ مع ذلك مشكورة- الاهتمامات بالحقوق الدنيوية للإنسان دون حقه الأسمى.

   غدا إن شاء الله يُعرَض الإسلاميون على مِحَكّ المسؤولية.بل منذ الآن وهم في طريقهم إلى الحكم تَفرض عليهم المواقف السياسية، كما يندبهم لذلك دينُهم، الوِفاقَ والتعاونَ مع جمعيات حقوق الإنسان، الوطنية المحلية منها والدولية. إن اختلفت البواعث فالأهداف توحِّدُ. باعثهم المروءة، مروءةُ “نظيرك في الخلُق”.وباعثنا العقيدة والمروءةُ معا. فإن كانوا يحملون معايير الغَيْرَةِ على الضعيف والكراهية للظلم فنحن بقُسطاس الدين المستقيم نضع الرحمة مواضِعها، لا نَتْرك الوِفاق يُزهقنا إلى شيء من التنازل عن الحق المنـزّل.

   منابعُ حقوق الإنسان ومراضعُها في وعي جمعيات النظراء الفضلاء نضالُ الشعوب ومكاسب الأجيال البشرية. فهو “تراكم” كما يقولون خُلُقي ساهم في توريثه للإنسان أمراء إنجلترا حين فرضوا “الماجْنا كارطا” على الملك منذ أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وساهم فيه سييس ورفاقُه في الثورة البرجوازية الفرنسية على الأمراء، وساهم فيه قبل ذلك إعلان جفرسون والثائرون الأمريكان على الاستعمار البريطاني، وساهم فيه لينين وثورثُه البرلتارية، ويساهم فيه على مَرْأىً من جيلنا ومَسمَع الثـائرون “ثورة مخملية” في شرق أوربا وجمهوريات السوفيات العائدون من جنة ماركس الموعودة المكذوبة.

   قالت إعلانات الحرية البرجوازية: حريتي تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر. وقالت إعلانات الاشتراكية قبلَ أفولها: الفردُ خادمٌ للهدف الاجتماعي، فحقه أن يندمج وينصهر في الكل الاجتماعي ليَنْعم الجميع بالعدل.

   وازدهت البرجوازية بحقوقها الفردية الأنانية. ومرت دَكَّاكةُ الاشتراكية على الشعوب المُسفيتة وكبستها. وقال نكسون عن حقوق الإنسان المهضومة: “إنها مسرح المعركة الحقيقية”. وكان. فالحقوقية الرأسمالية مُنذ اليوم في عرس انتصارها تحتفل بإعلان حقوق الإنسان سنة 1948 بتاريخ النصـارى. ذلك الإعلان الذي بدأ منذُ انتهاء الحرب الباردة يكتسي صبغة الإلزام الفعلي بالقوة الدولية بعد أن بات زمانا حبرا على ورق بكرامة حق الفيتو.

   لا نتنكَّر لنضال الشعوب وكفاح مروآت الأجيال ولا نتجاهله. ولا يقطعنا هذا الاعتراف عن منابعنا. فالله تعالى أمر ونحن نطيع. من هنا نبدأ.

   من هنا نبدأ شوطا من أشواط جهادنا لإقامة دين الله في الأرض، نضُمُّ جُهدنا لجهود النظراء الفضلاء من بني جلدتنا ومن غيرنا. ومن بني جلدتنا مسلمون لعل في رحلتنا معهم يَصعَد الوفاق إلى الوَلاية التي أوجبها الله عز وجل على المومنين.

   يناضلون ونجاهد، هم في حدود طموحهم السياسي ونحن في ركاب الشرع، من أجل رفع الظلم عن الإنسان.

   من أجل كرامة المواطن وسلامته البدنية والنفسية،من أجل حريته.من أجل حقوقه المدنية الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقـافية التي لا تقبل التبعيض والتجزيء.ولنا مع النظراء الفضلاء المسلمين خاصة حوار لنحدد في أي سياق نفهم هذه الكلية ونطبقها. نجرهم لمنطق الإسلام وسياقه.

   يناضلون ونجاهد من أجل استقرار سياسي تكون قاعدتُه سيادَةَ الشعب في تقرير مصيره وسياسته، وفي انتخاب حكامه وتبديلهم، وفي تنفيذ السياسة ومراقبة التنفيذ.نحاور النظراء المسلمين لننتهي إلى الشورى بآليات الديموقراطية.

   يناضلون ونجاهد من أجل توفير السكن والعلاج والتعليم والعمل ووسائل النقل.ومن أجل العدل.ومن أجل التنمية.ومن أجل كرامة الأمة. الأمة في وعي النظراء الفضلاء المسلمين ينبغي أن تلتمس مقوماتها من الدين لا من القومية والوطنية المحلية التجزيئية الاستعمارية.

   من أجل حرية التحزب والتنظيم النقابي، والإضراب. من أجل حماية المواطن من الاعتقال التعسفي والتعذيب والشطط في استعمال السلطة.

   أفقنا في الوفاق مع النظراء إقامة الخلافة على منهاج النبوة. ولله عاقبة الأمور.