إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،

      فباسمه تعالى نفتتح الدورة العاشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان التي ستستمر من اليوم، السبت ثالث وعشرين شوال سنة 1426 الموافق لسادس وعشرين نونبر 2005 إلى يوم غد الأحد إن شاء الله. وتأتي هذه الدورة في نهاية الولاية الثانية من عمر هذا المجلس، باركه الله، لتنفتح بها ولاية ثالثة. نسأل الله العلي القدير أن يسدد خطانا جميعا، وأن يخلص نياتنا، وأن يلهمنا مراشد أمورنا، وأن يكلل مساعينا بالتوفيق والفلاح والنجاح، آمين.

      إخواني، أخواتي: أود في البداية أن أرحب بكل الإخوة والأخوات الذين شرفونا بالحضور في هذه الدورة، الإخوة في مجلس الإرشاد، والأخوات الزائرات، ومسؤولي الأقاليم، وكذلك بكل الإخوة والأخوات سيما الذين يحضرون هذا المجلس لأول مرة. نسأل أن يكون حضور الجميع نافعا مباركا وسعيهم مشكور متقبلا.

      وكذلك أريد بهذه المناسبة أن أحيي إخواننا الأبطال الاثني عشر، الرابضين وراء سجون الظلم والقهر والطغيان، مبشراً إياهم برجوع إلينا حميد إن شاء الله، وفرج عسى أن يكون قريبا. ولله الحمد وله وحده المنة على ما أكرم به إخواننا من صبر وثبات، سلكهم به في مصاف الرجال، وما خصهم به سبحانه من مكرمات فضحت ادعاءات المخزن الكاذبة، وعرت شعاراته الزائفة. زاد الله أحبتنا ثباتا وإيمانا ويقينا.

      وأريد كذلك أن أحيي إخوتنا البواسل في الأرض المباركة، أرض فلسطين السليبة الجريحة، الذين ما زالوا يضربون أروع الأمثلة في الثبات والجهاد والاستبسال. نسأل الله أن يتغمد الشهداء بواسع رحمته، وأن يبارك في الأحياء ليواصلوا مسيرتهم الجهادية المباركة، حتى تحرر أرض فلسطين ويعود إلينا أقصانا، ويرجع المهجرون والمشردون إلى أهلهم وذويهم آمنين مطمئنين.

      إن قضية فلسطين، إخواني الأعزاء، أخواتي العزيزات، هي قضيتنا وقضية المسلمين جميعا، وواجب النصرة في أعناق الجميع، لكن ما الحيلة والأنظمة العميلة الجبانة تمنع الناس من القيام حتى ببعض الواجب، وتحول دون تقديم أي دعم، وإن يكن رمزيا أو معنويا. فلا هي قامت بما ينبغي القيام به دينا وشرعا ومروءة وأخلاقا تجاه أرض الأقصى المباركة، ولا هي تركت من ينوب عنها في ذلك، وإن يكن جهد المقل، أو أدنى درجات الواجب. وإلى الله المشتكى!

      وأريد كذلك أن أحيي المقاومة الباسلة في أرض العراق الجريح المكافح، هذه المقاومة التي لم تفلح معها صواريخ الاحتلال الأمريكي الغاشم، ولا دباباته المدمرة، ولا أسلحته التي تفتك بالشجر والحجر والبشر، في إخمادها والقضاء عليها. هذه المقاومة الصامدة التي تزداد وتتوسع، رغم حملات التشويه المنتظمة، ورغم ما تقوم به عصابات مأجورة من عمليات إجرامية تستهدف الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ من أجل النيل من سمعة المقاومين المجاهدين. فحيا الله المجاهدين في بلاد الرافدين، وفي أفغانستان والشيشان، وفي كل مكان، ورحم الله الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن دينهم وبلادهم وأعراضهم، ولا نامت أعين الجبناء الذين من أجل كراسيهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم فكتب الله عليهم، جزاء وفاقا، الخزي والخذلان. فالشعوب تلعنهم، وأولياء نعمتهم يحتقرونهم ويستخفون بهم. وذلك جزاء من اتخذ من دون الله أولياء. “أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعا”. “ولله العزة ولرسوله وللمومنين، ولكن المنافقين لا يعلمون”.

      وأريد بهذه المناسبة كذلك أن أعبر عن تضامننا مع كل المستضعفين في الأرض، الذين يعانون القهر والتسلط والظلم، مثلما نعاني أو أشد، سواء من قبل أنظمة فاسدة تسلطت عليهم فسامتهم الخسف ومنعتهم النصف، أو من قبل قوى خارجية معتدية تريد أن تحتل أرضهم أو تأخذ ما بأيديهم ظلماً، أو تتحكم في مصائرهم عدواناً.

      ولا يفوتنا كذلك أن نعبر عن إشفاقنا وتعاطفنا مع كل المعذبين والحيارى الذين أصبحت تضج بهم كل بلاد المعمور، ونندد بسماسرة العالم المستكبر، وتجار الرذيلة، وموقدي الحروب الذين يتوسلون بوسائل شتى، وذرائع لا تحصى لمراكمة الأموال الطائلة، والأرباح الخيالية على حساب الفضيلة والكرامة الآدمية، واستخفافا بحق الإنسان الأصيل في أن يعرف ربه، وتوفر له الظروف ليدرك معاني وجوده. لا جرم أضحى هذا الإنسان عبدا للشهوات، أسيراً للغرائز، لا يعرف من أين جاء وإلى أين يسير، وما بعد الموت من بعث ونشور، وجنة ونار، يعمل كما تعمل الآلة، ويعيش ويأكل كما تأكل الأنعام، مردداً ما قاله الجاهلون الأولون “ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلى الدهر”.

      أيها الإخوة، أيتها الأخوات:

      دورتنا هذه تنعقد في ظروف خاصة ومتميزة. فنحن نختم بها العام السادس من عمر هذه المؤسسة التي نسأل الله عز وجل أن يباركها وأن يقيض لها من الرجال والنساء ومن الكفاءات والأطر ما يكفي ويزيد للقيام بالمهام المنوطة بها، ونستقبل بها من ناحية أخرى ولاية ثالثة جديدة. ولعل الأهم من هذا أو ذاك أننا نستقبل بها عام 2006، عام تأتينا البشائر تترى من لدن الكريم الوهاب، الحنان المنان، الرحيم بعباده الضعفاء، أنه لن يكون، بإذنه تعالى، كغيره من الأعوام التي سبقته، وأنه آن الأوان لهذا الليل الطويل البهيم أن ينجلي، وإن شيئا فشيئا، وأن مرحلة جديدة قاب قوسين أو أدنى.

      هذه بشرى معجلة لنا معاشر المومنين المستضعفين اللائذين بمن له الحول والطول، جل شأنه، وعز سلطانه، ولا إله غيره. بشرى معجلة لتُطَمْئِنَ الفؤاد، وتحفز على السير لمعانقة موعود الله، لا لانتظاره انتظار الخاملين والمتواكلين.

      بشرى معجلة تزيد القلب اطمئنانا، والعزيمة مضاء، والإرادة إصراراً، والعقل ثقة أنكم على الطريق الصحيح، فواصلوا المسير، وعليكم بالسكينة والوقار، وإياكم والأشر والبطر، ولا يلتفت منكم أحد، فإن قدر الله ماض، وحكمه نافذ، لا تنفع مع المقدور الحيلة ولا الحذر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

      هذه بشرى معجلة لنا ولعامة المستضعفين، في بلدنا العزيز وسائر بلاد المسلمين، الذين أرهقهم جور الحكام، وظلم الأمراء والسلاطين، وإفساد المفسدين، وتسلط العابثين، وفجور السفهاء المبذرين إخوان الشياطين، وجشع المترفين أولي النعمة، أعداء كل تغيير، الرافضين لكل إصلاح يخرج الأمة من معاناة طال أمدها، وضج من لأوائها صغارها وكبارها.

      بشرى معجلة تلقاها المؤمنون بالتصديق والترحاب، وشكر العزيز الوهاب، وتلقفها المرجفون والشاكون والخصوم والمناوئون بالسخرية والاستهزاء. قل إن كنتم تسخرون منا أو تحسدوننا على ما آتانا الله من فضله، فانظروا جزاء هذا الصنيع فيما أنزل الله من الكتاب لتعرفوا الجواب.

      لو اكتفى هؤلاء القوم، هداهم الله وعفا عنا وعنهم، بالإعراض وعدم الاكتراث لهان الخطب ولقلنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض، ولكنهم تجاوزوا ذلك وخرجوا علينا في حملة واسعة للطعن في جماعة العدل والإحسان، وتشويه سمعة العدل والإحسان، والنيل من مرشد العدل والإحسان، وكذا بقية المسولين.

      حملة واسعة التقى فيها أخلاط لا يجمع بينهم جامع إلا إرادة السوء لجماعة ظلت بفضل الله عصية على التدجين والترويض، صامدة أمام التهديد والإغراء، سواء بسواء، رافضة لكل استخذاء، لا تستقوي إلا بالله، ولا تركن إلا إلى جنابه جل في علاه.

      حملة عجيبة، وأعجب ما فيها أن يتولى كبرها قوم مسلمون، زعموا أنهم تحركوا بدافع الغيرة على دين الله، فطفقوا يلفقون ويفترون على عباد الله، ويتحدثون بالكذبة المفضوحة التي يخجل منها الخجل، دون أن يطرف لهم جفن أو يندى لهم جبين. وإن المرء ليعجب كل العجب، عافانا الله وإياكم، كيف يجتمع في قلب مسلم الإيمان بالله والافتراء على عباد الله، في جراءة نادرة لا يركبها إلا كل رقيق الدين أو متكبر لا يومن بيوم الحساب. “قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون”.

      أيها الإخوة، أيتها الأخوات:

      قبل أيام احتفلت الدولة المغربية بحدث كبير، زعموا، وذكرى أحيطت بعناية غير مسبوقة، ذكرى الاستقلال التي أتم عامه الخمسين. وقد اتخذت كل الإجراءات، وأنفقت الملايين، بل الملايير من أجل تخليد هذه الذكرى وتبيان دلالاتها، على ما زعموا، للأجيال الصاعدة.

      فإذا تجاوزنا، وما ينبغي، ما رافق هذا الاحتفال من ممارسات، وسلمنا بأن هذا يدخل فيما هو متعارف عليه بين الأمم من ضرورة الاحتفال بذكرياتها الغالية، ومناسبات وطنية هامة، فإنه مع ذلك يبقى من حقنا أن نتساءل عن حقيقة الأهداف وراء تخليد هذه الذكرى بالطريقة التي تمت بها، وعما إذا كان هناك مسوغ معقول للجهود والأموال التي استهلكتها.

      من حقنا أن نتساءل عن الأسباب الحقيقية وراء كل هذه الفخفخة والبهرجة والصخب الذي اقتضته الذكرى الخمسينية لاستقلال نعرف جيداً حقيقته، والدواعي التي دفعت المسؤولين ليجعلوا منه حدثا بارزا هذا العام.

      ترى هل يكون السبب رغبة خبراء السياسة المخزنية ومهندسيها في استغلال الفرصة للدعاية للإنجازات الضخمة التي تحققت في عهد الاستقلال الزاهر وفي ظل المؤسسة الملكية المجيدة؟

      لكن الملفت للانتباه أن الدعاية الرسمية قفزت فقزاً لطيفا، قد لا يكون من الصعب تفهمه، على شخص الحسن الثاني الراحل، رغم أن حكمه امتد لما يناهز أربعة عقود، وبدل ذلك تم التركيز على شخصية محمد الخامس رحمه الله.

      ترى ما السبب؟ وكيف تم تجاوز مرحلة وقد كانوا، وما بالعهد من قدم، يتحدثون عنها بإجلال وإكبار، يتحدثون عن الديمقراطية الحسنية الفريدة، والإنجازات الحسنية، والاختراعات الحسنية، والمشاريع الحسنية، والسياسات الحسنية، والمؤسسات الحسنية، والمسيرة الحسنية، والثقافة الحسنية، ومجالس العلم والوعظ الحسنية، وغيرها من الأشياء الكثيرة الحسنية أيضا؟

      هل لذلك علاقة بالرغبة في تجاوز ما تسميه وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان “بسنوات الرصاص”، و”الأيام السود”، وتلافي ما يثيره ذلك في ذاكرة المغاربة من آلام وأحزان وحسرة على الفرص الضائعة؟ أم السبب هو تكريس مشروعية قدروا أنها تضررت بثقل الماضي وإخفاقات الحاضر؟ أم يكون السبب استرجاع مصداقية ذهبت أدراج الرياح بسبب الوعود المخلفة، وكثرة الترويج لشعارات فارغة، والنفخ في مشاريع قليلة النفع إن لم تكن عديمة الجدوى؟ أم أن السبب غير ذلك أم كل أولئك؟

      والظاهر، على ما يبدو، أن الإخراج تم بالطريقة التي تعرفون لتحقيق مآرب شتى، من ضمنها ولا شك أن حصيلة الخمسين عاما الماضية كانت أكثر من إيجابية، لا يضر، يقول قائلهم، وجود هنات لا تسلم منها الدول السائرة في طريق النمو، بل وحتى الأمم المتقدمة ذاتها.

      لا نحب أن نكون عدميين ونقول إنه لم يتحقق شيء البتة، والحال أن هناك طرقات وقناطر ومدارس وجامعات ومعاهد ومستشفيات وغير ذلك مما هو معروف غير منكور.

      لكن المقاربة الموضوعية تقتضي أن يكون هناك تقويم عام لما تحقق في المغرب بالنظر إلى ما يتوفر عليه من إمكانيات وموارد متنوعة، والمقارنة مع بلدان أخرى في مستواه، تماثله في ثرواته وإمكانياته. فالحاصل، ودون الدخول في ما هو معلوم لدى الجميع، أن الفجوة بين الإمكانات والإنجازات في بلدنا هائلة جداً. والمقارنة مع بلاد تماثلنا تبين أنها ذهبت بعيداً وتخلفنا حتى أصبح يظن أن اللحاق بهم ضرب من الأحلام. بل الأنكى أن نجد بلدانا ليس لها من الثروات والمؤهلات الطبيعية معشار ما نملك، ومع ذلك، قطعت أشواطا بعيدة، حتى غدا الفارق بيننا وبينهم كما بين السماء والأرض. ليست هذه نظرة شاذة، أو رأياً تحكمت فيه فكرة مسبقة ناقمة لا تبصر إلا نصف الكوب الفارغة، ولكنها الصورة الحقيقية، يؤكدها الواقع القائم، وكذلك الدراسات المحايدة وحتى بعض المشاركين في الحكم وإن كانوا لا يجرؤون على التصريح بذلك علنا أو رسميا. والأدهى أن أضرار السياسات التعسة المتبعة لم تصب الناس في أقواتهم وحسب، وإنما أصابتهم في ذواتهم أيضا، فتأثرت لذلك العقول والقلوب، واضطربت المواقف، واشتكت المروءات، وساءت الأخلاق، وأصيب التدين في عمومه إصابات بليغة.

      لا نريد أن نخوض في تعرية واقع هو عار أصلا، أو نتحدث عما وصفه الأستاذ المرشد حفظه الله “بالخراب” الاجتماعي والاقتصادي. فهذا شيء أصبح معلوما يعرفه كل أحد، ويكتوي بلظاه كل المغاربة، إلا حفنة محدودة العدد تستحوذ على خيرات البلد، وتحتل مواقع النفوذ، تاركة لعموم الناس الفتات.

      وليس الغرض أن نستعرض السياسات الفاشلة، والفضائح المالية والأخلاقية المتتالية، أو أن نتحدث عن حجم الإفلاس الذي أصبح هو السمة البارزة في كل المجالات وعلى كافة المستويات، والظاهرة الملازمة لكل المشروعات، على قلتها، وكل المبادرات على تواضعها وتهافتها، رغم الإصرار المخزني على أن كل شيء على ما يرام، ورغم الدعايات الرسمية التي تسعى لتسويق عكس ما هو كائن بالفعل، وأنى لها أن تتستر على ما أصبح أشهر من نار على علم، أو تفيد في تجميل ما أفسده السفهاء، أو إقناع الناس بوعود معسولة سمعنا عنها منذ زمان فلم نر لها أثراً، أو بثِ الثقة في مبادرات زعموا أنها ستحقق للبلد التنمية الموعودة والعيش الرغيد، وما تم إلا ترويج للأوهام والأحلام ليس إلا.

      لكن الذي يعنينا، والحال ما تعلمون، أن نذكِّر بخلاصات هامة من فكرنا المنهاجي الأصيل لكي لا تلتبس علينا الأمور، أو تزل بنا القدم.

1) على مستوى التشخيص:

      إن أصل الداء وجذر البلاء في عموم أمتنا العربية والإسلامية هو نظام الحكم. إن هذه الحقيقة ينبغي أن ترسخ في الأذهان، وتكون موضوع عناية في تحليلنا للأوضاع، وفي أحاديثنا مع إخواننا وعامة الناس. إن الحكم بالهوى، والسياسة بدون مشورة معتبرة، هي التي أنتجت البرامج الفاشلة، وأساليب التدبير الكسيحة في الإدارة والاقتصاد وكافة المجالات، وهي التي توفر الحماية للمرتشين، والمفسدين والمتورطين في عمليات النهب الواسعة والاختلاسات وتجارة المخدرات، وشبكات الدعارة والمروجين لكل الموبقات.

      والحكم بالهوى، والسياسة بالمزاج، والسلطة المطلقة هي التي تقصي االكفاءات البارزة، والنزهاء وأصحاب الرأي والفضيلة، فينفسح المجال للمحاسيب والمتملقين.

      ونظام الحكم حين يسوس الناس لا بمقتضى الحكمة وإنما بما يهوى مثل ما حكاه القرآن على لسان فرعون حين قال: “ما أريكم إلا ما أرى”، يستفرد ولا بد بسلطة القرار، ويحيل مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان إلى مؤسسات صورية ليس إلا.

      فالحكم، في كلمة، الذي لا يقوم على العدل والشورى لا يمكن إلا أن يكون استبداديا، حتى وإن لم يرد ذلك، أو ادعى خلافه، ولا يمكن إلا أن يكون مصدر كل البلايا والكوارث مثل ما نعرف أو أشد.

      يقول الأستاذ المرشد حفظه الله تعالى في كتاب “العدل” ما نصه: “إن كان غيرنا من رهائن الفكر المغرب المفلسف “المعقلن” يستعيرون أدواتهم الفكرية وتركيباتهم المفهومية من مرجعيتهم المادية الكافرة بالله ورسوله، فنحن نستمع إلى منبع الوحي، النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، يخبرنا من زمانه بزماننا، من ماض مؤسِّسٍ عن لاحق مُخرَّب مهدَّم مفتت، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

      قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: “لتُنقضن عرا الإسلام عُرْوة عروة، فكلما انتقضت عُروة تشبت الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”. رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه.

      ثم يضيف قائلا:

      …كان الانقلاب الأموي الباغي ضربة في الكيان الإسلامي، تراجعت هزاتها على مدى التاريخ، كما تترجع هزات الزلزال.

      وما الأنقاص والأنكاث التي نراقبها في جسم الأمة من تجزئة في الوطن الإسلامي، وتفرق طائفي مذهبي، وذرية في التفكير، وتشتت في الوجهة، إلا نتيجة بعيدة “أصيلة” لتلك الضربة ورجاتها.

      ويا عجبا كيف نصم آذاننا ونغمض أعيننا عن هذا الحدث الزلزالي في تاريخنا، حدث اغتيال الشورى والعدل.” (العدل، ص46/47)

      هذه نقطة مركزية في تحليلنا للواقع لنعرف كيف آل أمرنا إلى ما آل إليه، وما السبيل لإعادة الأمر إلى نصابه.

2) على المستوى الاستراتيجي:

      لئن كان أفقنا يرسمه لنا الوعد الشريف بعودة الخلافة على منهاج النبوة، فإن دون ذلك، في تقديرنا الضعيف، مراحل ومهمات وقضايا لا مناص من استحضارها والقيام بما يلزم منها. وأذكر بما يلي:

      أولا: السعي الحثيث لتوسيع قاعدة الولاء لمطلبي العدل والإحسان، (الإحسان2، ص506)، والاستمرار في ذلك أيا ما كانت الظروف، وفي سائر الأحوال، قبل الانفراج المرتقب وبعده ودائما، والحذرُ من الولاء الانتهازي الذي سرعان ما يتنامى في اتجاه من أمسك بزمام الأمور أو كان منها قاب قوسين أو أدنى، (الإحسان2، ص508).

      ثانيا: تعميق التربية الإيمانية، وتصعيد الهمة الإحسانية لتجاوز الذهنيات الموروثة المثبطة، والتحرر من العوائق النفسية والاجتماعية التي تكرس السلبية واللامبالاة والاستسلام للأمر الواقع المذل، (الإحسان2، ص512).

      ثالثا: السعي ليكون لنا حضور صادق، ووجود وازن، وصوت يستحق التلبية، وذمة تليق أن تناط بها الثقة، وتُعقدُ غليها الآمال، واتخاذ كل الإجراءات والوسائل المفيدة في ذلك، (العدل، ص681 ) .

      رابعا: الإصلاحات الترقيعية التي تسعى لترميم صرح الأنظمة المنهارة معنويا، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان جراء ما كسبت أيدي الناس (الإحسان2، ص681)، غير مقبولة عندنا ولا تنسجم مع خطنا الواضح. ونرفض كذلك القسمة الضيزى التي بموجبها يعطى الإسلاميون زاوية مظلمة في البرلمان أو الحكومة ليشتغلوا، وتبقى للحكام اليد الطولى والكلمة الأولى، (الإحسان2، ص680).

      خامسا: تغيير وجه المنظر العام مقدمة ضرورية لكي نشارك، ويكون لمشاركتنا معنى في أي مبادرة ترمي لتغيير متدرج لكن حقيقي وشامل.

      سادسا: لسنا نرمي لنكون البديل الأوحد، ولا استعداد لنا لنتحمل وحدنا تركة القرون الثقيلة، أو مخلفات الماضي القريب الخرب. فالتغيير مسؤولية كل المغاربة، والأعباء ينبغي أن يتقاسمها الجميع، ونحن جزء من هذا الكل، لا نتهرب من مسؤوليتنا، نجتهد في القيام بواجبنا لا نألو جهداً ولا ندخر وسعا.

3) على مستوى المواقف:

      فإذا كانت مشكلة المغرب السياسية وغيره من بلاد العرب والمسلمين مرتبطة أساسا بنظام الحكم، فإن موقفنا الثابت هو أننا نعارضه معارضة صريحة، لا لبس فيها ولا التواء. نعارضه سياسيا لأنه لا مكان فيه للشعب للاختيار الحر، أو المراقبة، أو المشاركة في صناعة القرار، أو محاسبة كل ذي مسؤولية إن قصَّر أو جار، ونعصيه دينا لأنه لا يُحَكِّمَ شريعة الله العليم الخبير بما يصلح البلاد والعباد. من أجل ذلك فإننا نطالب ب:

      أ) إعادة صياغة نظام الحكم صياغة جديدة: إن التغييرات الشكلية والمتمثلة في مجموعة من القوانين هنا، أو بعض البنود الدستورية هناك، أو تأسيس بعض المجالس أو اللجان التي يكثر ضجيجها ولا نرى لها طحناُ، كل ذلك لا يجدي نفعاً. إننا نرى أن عملية التغيير أو الإصلاح بمعناه القرآني، ما لم تمسَّ البناء المخزني في صميمه، لن تكون إلا ذراً للرماد في العيون أو محاولة مفضوحة للتمويه أو الخداع أو كسب الوقت أو للالتفاف حول ما ينبغي القيام به للتأسيس لمرحلة جديدة.

      ب) إعادة النظر في أسلوب تدبير الشأن العام بصورة شاملة.

      ج) مراجعة كل السياسات المتبعة، سواء في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية أو العمرانية أو غيرها.

      د) ضرورة أن ينفسح المجال للجميع ليدلي كل بدلوه، مشاركا أو معارضا أو منافسا في خدمة بلده وأمته.

      والمطالب الثلاثة الأخيرة، وإن كانت تتفرع عن المطلب الأول أو من لوازمه، إلا أن التنصيص عليها مفيد، واستحضارها أساسي، لأنها تضيف بعداً هاما لمطالبنا في التغيير. وهي أنها ليست عملية فوقية وحسب، ولكنها عملية واسعة وعميقة تسري على أصول الحكم وفروعه وحواشيه.

4) على مستوى المقاربة المنهاجية/الأسلوب:

      لئن كانت الهوة بين ما نطلب وبينما هو موجود بالفعل سحيقة، فإن هذا ينبغي أن لا يفت في عضدنا أو يقعد بنا عن المطالبة بالتغيير الشامل والعميق. وفي الآن نفسه، فإن تمسكنا بهذا الموقف وثباتنا عليه لا يعني أننا غير واعين بشروط التغيير المطلوب، وسننه وثمنه أيضا. لذلك فإنه ومن تمام الوضوح أن نعلن أن الأمر يحتاج إلى صبر وأناة وطول نفس، كما تقتضي ذلك سنة الله الشرعية والكونية.

      ومن السنة، كما يقول الأستاذ المرشد حفظه الله التدرج في البناء، وعامل الوقت الذي تدل عليه “حتى” الواردة في قول الله عز وجل: “حتى أتاهم نصرنا” أساسي في القضية. “وما وسع أمة الإسلام في مرحلة بنائها الأول يسعها بل لا يسعها غيره، في مرحلة إعادة بنائها”،(العدل، ص172).

      ومن هنا ينبغي أن نَعْلم ونُعْلِم أن التغيير المنشود ليس قفزة في سماء الأحلام، وإنما هو جهاد واجتهاد متواصل، وعمل متدرج، ودعوة بالحسنى، ليقتنع الناس بالمشروع الإسلامي، فيوالوه، ويتبنوه، ويصبحَ قضيتهم، لا قضية فئة أو حزب أو جماعة، تفرضه من فوق على الناس وهم له كارهون، فيكون من ثم الفشل الذريع. إن التجربة البشرية تؤكد أن الإكراه لا ينتج إلا ولاء صوريا، ونفاقا لا يبني مجداً، ولا يحقق لأمة عزة أو منعة.

5) على المستوى الإجرائي/العملي:

      أحيل هنا على المخطط الثلاثي المعروض عليكم، ونوصي بضرورة التجاوب معه بعد إغنائه بكل ما يفيد. وكذلك نهيب بكل الإخوة والأخوات أن يتعاملوا بجدية ومسؤولية مع ما يصدر لاحقا من توصيات أو اقتراحات أو يتقرر من مبادرات. وينبغي كذلك المساهمة أو البحث والتنقيب عمن لديه الأهلية والكفاءة ليساهم في المشاريع المقترحة هذا العام، مثل الميثاق، والتمهيد للبرنامج السياسي، والمسألة الدستورية وغير ذلك. لا ينبغي لمؤمن صادق أو مؤمنة يستظل بصحبة العدل والإحسان المباركة، وينعم بأنوارها أن يدخر وسعا في ذلك أو يبخل. ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه. والله بصير بالعباد.

6) على مستوى الأداة:

      إن ما آل إليه أمر الأمة من تفتت طائفي مذهبي، وذرية في التفكير، واضطراب في المواقف، وتجزئة وتشتت فد ترك آثاراً بليغة في نفسية الإنسان المسلم وعقليته، آثاراً استفحلت مع طول الأمد، فكان من نتائجها هذه السلبيات المتفشية في مجتمعاتنا، منها قلة المبالاة بما يجري، وهذا الفصام النكد بين الآمال والأفعال، والرغبة عن الجهاد والميل إلى القعود، والتعلق بالأماني المعسولة. لا يدري كثير من الناس، أو لا يريدون، أن يعلموا أن الإصلاح والتغيير لا يتأتى دون النهوض والتشمير.

      يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: “ومن الفهم العامي أن يتصور الناس رجلا -بلغ ما بلغ من التوفيق والعلم والشجاعة والحيوية- يبرز فجأة والناس من حوله نيام خاملون فتحدث المعجزة”، (مقدمات لمستقبل الإسلام، ص35).

      من هنا تبرز أهمية مشاركة الجميع، ومساهمة الجميع، كل مما آتاه الله، وانخراط الجميع، كل بما يستطيع، لبناء أداة التغيير وهي الجماعة. ولا جماعة ما لم يتمثل فيها قوله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد: إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، (الشيخان).

      إن التواد والتراحم والانسجام، دائرة وتنظيما، إخوة وأخوات، والتنسيق المحكم بين كل مؤسسات الجماعة، وداخل الدائرة كل مؤسسة على حدة، من الشروط الضرورية لضمان الفعالية والجدوى والقدرة على إنجاز المهمات الصعبة، والتجاوب مع مطالب المرحلة، والتحديات المستقبلية. لذا نهيب بكل الإخوة والأخوات أن يبذلوا قصارى جهدهم في هذه السبيل، ويتخذوا ما يكفي من الإجراءات اللازمة لتحقيق المراد، والله المستعان.

7) على مستوى الإرادة:

      كل المشاريع والبرامج والتوصيات قد تبقى حبراً على ورق، وتكون كل الخطب والمواعظ والندوات والمحاضرات قليلة الفائدة، محدودة التأثير إن لم يكن هناك، وبتعبير الأستاذ المرشد حفظه الله: “إرادة قوية مصممة مخلصة لله تنفذ أمر الله وأمر رسوله وتنظم الشورى وتنفذ”، (سنة الله، ص306).

      ولا سبيل لهذه الإرادة إلا بتحقيق العبودية لله عز وجل، والتحرر الكلي من سلطان الهوى، وهو، كما يؤكد الأستاذ المرشد حفظه الله، “الشرط الأول الضروري لتأهيل الفرد المؤمن للانخراط عن كفاءة في صف جند الله”، (العدل، ص63).

      تم يضيف حفظه الله قائلا: “وإن مستقر الإرادة القلب المؤمن الفرد(…) فإن كان قلب المومن الفرد منضما على أعرابية، أو كان الإيمان فيه قد خَلَق واندثر، فلن يكون الحديث عن التأليف والعضوية إلا حديث زور، ولن تكون الإرادة إلا تعبيراً عن طموحات نفسية اجتمع عليها الناس مثلما نرى عند الأحزاب في الأمم التي لا خبر عندها بداء الأمم”،(العدل، ص63).

      ويؤكد الأستاذ المرشد حفظه لله في كتبه وأحاديثه على أن التجرد من الآفات النفسية التي هي مصدر كل البلايا والمصائب والخصومات والخلافات بين المسلمين وعموم الناس لا يأتي بالأماني المعسولة أو كما يقول حفظه الله:

      “بحسن الظن بالنفس، وبالاستعلاء والاستغناء(…) هذا يأتي بذكر الله. “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” يأتي بحزبك من القرآن لا تلهو عنه. يأتي بلزومك الجماعة في الصف الأول. يأتي بالاستغفار والتفكر الدائم مع أولي الألباب: “الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم”،(العدل، ص69).

      فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك ولاشك، فما بال أقوام ومنهم مسؤولون يتركون أورادهم ويتغيبون عن محطات تربوية هامة، كالرباطات والاعتكافات وغيرها من مواسم الخير، ولأعذار في الغالب وهمية غير حقيقية. فهذه غفلة لا تنبغي لطالب العدل والإحسان، واستهانة بغوائل النفس ووساوس الشيطان وإغراءات الحياة الدنيا التي جاءت نصوص الكتاب والسنة محذرة منها ومبينة لكيفية تفادي عواقبها المهلكة.

      وإنه لخطر داهم ودائم، إخواني أخواتي، يهددنا جميعا، لا فرق في ذلك بين عضو ومسؤول، بين من قضى في الجماعة فترة طويلة أو كان حديث عهد بها، لا سيما وأن دنيانا بضغوطها وابتلاءاتها تلهي وتنسي وقد تصد عن سبيل الله جملة، والعياذ بالله، بعد نقض ما كان قد أبرمه المرء أول أمره من عزم على سلوك سبيل المؤمنين المحسنين المجاهدين.

      وأختم الكلام في هذه النقطة بكلمات ينبغي أن تكون موضوع تدبر عميق لأستاذنا وإمامنا ومرشدنا حفظه الله وأمد في عمره في طاعته ورضاه يقول فيها:

      “رب صادق بدأ خطواته الجهادية بطفرة إيمانية، وحماس موقوت ما لبث أن اغتالته نفسه وشيطانه، فنسي ذكر الله، وذكر الآخرة، ومحاسبة النفس ومراقبتها، و”صبرها”، فَبَلِيَ إيمانه، وعصرته النفس، وأناخت عليه بكلكلها، فذهب مع الزبد، مع المنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين.(…)

      رجوعك على النفس أخي وأختي فضيلة. ومهما أمنت من مكر الله، وأهم مآتيه النفس والشيطان، فقد زلت القدم نعوذ بالله”، (العدل، ص70).

      نسأل الله العافية والثبات وحسن الخاتمة.

      وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

      والسلام عليكم ورحمة الله.

الرباط، ظهر الجمعة 22 شوال 1426

25 نونبر 2005.

عبد الواحد المتوكل

الراجي عفو ربه