يجمع الشعب المغربي المستضعف على أن سجل المغرب حافل بالانتهاكات والجرائم والاعتداءات، حتى أضحى مألوفا جدا أن نقرأ في الصحف أو نسمع عن موت مواطنين تحت التعذيب في مخافر الشرطة، أو في أقبية السجون وغيرها. وهو ما يشكل وصمة عار في جبين النظام المغربي و”دولة الحق والقانون” وغيرها من الشعارات الزائفة التي ترنو تزيين الواجهة.

وبمناسبة اقتراب حلول ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، الذي يحتفى به في العاشر من دجنبر من كل عام، ارتأيت أن أذكر بجريمة نكراء كنت أحد ضحاياها، ارتكبها المخزن في حق طلبة العدل والإحسان المحتجزين منذ سنة 1991، إذ لم يشف غليله أن يفني زهرة شبابنا وراء القضبان ظلما وعدوانا، وإنما أصر أن يعبر عن وحشيته بانتهاكه لحرمة أجسادنا من حين لآخر إشباعا لرغباته السادية ومشاعره العدوانية الكاسرة.

فبعد أن قضينا أزيد من اثنتي عشرة سنة من التواجد غير المشروع في زنازن السجن المركزي بالقنيطرة، استغلت دولة المخزن الأحداث الشنيعة التي عرفتها الدار البيضاء والمعروفة بأحداث 16 ماي، فجردتنا من مجموعة من المكاسب والحقوق الإنسانية البسيطة التي ناضلنا من أجلها واستفدنا منها لأزيد من عقد من الزمن، وتعرضنا لكل أساليب الإهانة والإذلال. ثم نقلنا بشكل تعسفي ودون سابق إخبار يوم 30/10/2003 إلى جهة مجهولة تبين فيما بعد أنها منفى أو سجن بوركايز الذي يقع بضواحي فاس. فاستأنفنا معركتنا النضالية التي تركزت -كما في سجن القنيطرة- على فضح الحرمان والاعتداءات التي تستهدفنا أمام الرأي العام وغيرها من الأشكال الاحتجاجية التي سعينا من خلالها إشعار الجهات المسؤولة بالإهمال واللامبالاة التي تجابه بها مطالبنا الحقوقية التي تمثلت أساسا في حقنا في السكن اللائق، والاستفادة من التطبيب، وبالأخص طب الأسنان. والسماح بذوينا وأقاربنا الذين لا يحملون نفس أسمائنا العائلية بزيارتنا.

في هذا الإطار نظمنا وقفة احتجاجية مساء يوم 27/05/2004 مدتها نصف ساعة، ما بين السادسة والسادسة والنصف مساء. وبدل أن تحاورنا الإدارة وتعمل على حل مشاكلنا، اختارت كعادتها مسلك العنف حيث تعرضنا لهجوم وحشي من حراس السجن، بقيادة رئيس المعقل، مدججين بالهراوات، فتعرضنا للضرب بالعصي والأيدي والسب والشتم والصراخ…مما خلف بعض الإصابات متفاوتة الخطورة في صفوفنا، أخطرها إصابتي في ركبة رجلي اليمنى، مما أدى إلى إجراء عملية جراحية.

فأمام حدة الآلام التي كنت أعاني منها سمح لي بزيارة الطبيب المختص، بعد ثلاثة أشهر من تاريخ الاعتداء، الذي قرر إجراء عملية جراحية يوم 31/12/2004، مكثت على إثرها بالمستشفى مدة شهرين طريح الفراش -مستشفى الغساني بفاس بجناح العظام، رقم الدخول 15245 ما بين 30/12/2004 و23/02/2005-.

وقد سبق أن أشعرت كل المنظمات الحقوقية بالموضوع، كما راسلت رفقة باقي الإخوة الوكيل العام للملك يوم 28/05/ 2004 -الإرسالية عدد 1770/28-5-2004-، ثم زارنا نائب الوكيل العام يوم 27/06/2004 وفتح محضر استماع وانتهى الأمر.

ورغم أن التعذيب الذي تعرضت له، نجمت عنه أضرار مادية بليغة، فإن الجهات المسؤولة تصر على طي هذا الملف والتنصل من مسؤوليتها، ولهذا راسلتها مؤخرا لأقيم عليها الحجة إذ لا أتوقع من هذه الجهات المعنية المخزنية، ولا من قضاء غير نزيه، غير مستقل، واستشرى فيه الفساد، وأحاط به من كل جانب أن ينصفنا، حسبي أني أشهدت ” العهد الجديد ” ومحاكمه ومؤسساته على هذه الاعتداءات التي تتم في صمت إلى حين بزوغ صبح قريب تشرق فيه نور الحرية والعدل والإنصاف فتفتح فيه هذه الملفات ضمن ملفات أخرى عديدة تشهد على الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الشعب المغربي المستضعف.

كما راسلت مجددا الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان، لأطلعها وأشهدها على جريمة من جرائم هذا “العهد الجديد”، ومدى إصرار الجهات المسؤولة المخزنية على اللامبالاة، وانتهاك حرمة أجسادنا والاعتداء عليها.

وجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي نتعرض فيها للتعذيب المصحوب بكل أنواع الانتهاك لكرامة الإنسان،فقد عذبنا تعذيبا رهيبا أثناء اعتقالنا، ثم خلال مرحلة التحقيق في مخافر الشرطة، وفي محطات عديدة داخل المعتقل وهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله في وقت لاحق.

وأخيرا، أؤكد لشعبنا الأبي أن هذه المحن والاعتداءات والتعذيب الذي نتعرض له، لن ينال من قناعاتنا ومبادئنا وعزائمنا. فما زلنا على العهد، ولن يزيدنا الابتلاء إلا إصرارا على المزيد من البذل والعطاء لنصرة ديننا والتمكين لأمتنا.

“إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب”

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر

سجن بوركايز بفاس.