بإملاء من وحي الذكرى، دعانا الوفاء لنعرب إعراب المحبة والبشرى، ونكتب هذه الكلمات عساها تهيم نحو فتيتنا الإثنا عشر، المعتكفين بكهف تعبدهم مفصحة ومبينة ومبلغة بالصوت المهموس الصارخ المبحوح، أننا أحبتنا على العهد حتى ولو انفصل الجسد عن الروح.

سلام عليكم أحبتنا، سلام على فتية قاموا فقالوا ربنا الله، وأبى المتألهون إلا أن تركع لهم الجباه، وأبى الله إلا ما لأوليائه يأباه  حفظا وعزا وذكرا في أرضه وسماه-.

تأبى يد القدرة إلا أن تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، تحفظهم في جوف الكهف من فتنة الدجال، دجال الجبر والمكر والاحتيال، لتصنعهم رحمة الله صناعة الرجال، تدخرهم لأفضل زمان وخير حال.

أرادت مشيئة الله أن يُلقى يوسف فتيتنا في جب البلاء، ويبنى على كهفه بنيان قميص الكذب والإفتراء، قميص مزقته أنياب النفوس العمياء، وصبغته خفافيش الظلام بدم العداء، فتطول المحن ويشتد الابتلاء ولا يصافح إلا يد الإباء والرضى بالقضاء، ويقدر لشطر حسن يوسفنا أن تستأثر به جدران الكهف المظلم، بعد أن راودته امرأة عزيز القصر عن نفسه فاستعصم، وبعد أن قطّعت نسوة صحافة المدينة ألسنتهن فما عادت عن الحق تتكلم، وبعد أن شهد شاهد من أهلها شهادات زور عليها تكتم، والله سبحانه وتعالى لما بيتوا خبير أعلم، وهو الكريم إذا بدأ نعمته أتم.

فيلبث يوسف أحبتنا في سجن هو جنتهم، ويلهث كلب أعدائنا في دنيا هي سجنهم، ويضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب والنقمة، ويتكبر كل ذي جنتين بجنتيه، فيرسل الله عليها حسبانا من السماء، فيصبح ولا شيء بين يديه، بينما يتنعم يوسف فتيتنا في جنة “ما شاء الله لاقوة إلا بالله”، في صحبة العبد الصالح والمرشد الفالح، الذي آتاه الله من لدنه علما، وأفاض عليه صبرا وحلما.

لقد وفى فتيتنا بشرط “إن اتبعتني” فكانت الصحبة لهم مرتعا ومرضعا، وكان ياسين لهم محبا وكان عندهم محبوبا، فصار ليوسفهم يعقوبا، وقد قرب صبحهم ليلقي على وجوههم قميص الفرج، وليصبح طالبهم مطلوبا، ويخرجوا إلى المدينة مبعوثين مبلغين، من أزكى طعام العلم ونور القرآن الذي رزقهم الله ينفقون، وبالناس يتلطفون، وعمن ظلمهم يصفحون، وعلى خزائن قلوب الأمة يتربعون، وبعدل ذي القرنين في أنفسهم يحكمون، والشمس والقمر والكواكب وما عليها لله يوم الفتح القريب إن شاء الله يسجدون.

بشراكم أحبتنا، القرآن قد حسن منكم الأصوات، والعلم قد زين منكم الذوات، والصحبة كانت لكم سلوة لما فات وزادا لما هو آت، بشراكم علماء الأمة قريبا إن شاء الله لأمتكم ستزفون، تخرجون لأهليكم غرا محجلين، وأباة مبجلين. غسلتم أيديكم من مصافحة الزور، وأبت نواصيكم أن تخضع للقصور، وأنفت هاماتكم أن تنحني للقبور.

واشوقاه إليكم أحبتنا! متى نرى حسن يوسفكم الذي فعل الأفاعيل بامرأة العزيز ونسوتها؟، ومتى نرى كبيركم الذي كسر الأصنام وعبدتها؟.

حياكم الله يا أسد الغد القريب، تقبلوا سلاما من هذا الحبيب الغريب.