هي كلمة للإمام علي كرم الله وجهه قال: الناس صنفان: “أخ لك في الدين، ونظير لك في الخُلُق”. يستحق الاعتبارَ من كان مثيلاً لك في الخُلُق. يستحق اعتبارا لا يتجاوز به مرتبته إن كان مخالفا لك في الدين. يرفعه خلُقُه عن عامة البشر، لكن لا يخرجه من دائرة الكفر خلُقُه إن كان لا يومن بالله ولا باليوم الآخر. أمّا أن يستدرجَك بخُلُقِه حتى تتنازلَ عن دينك، أو تتناساه، أو تسكت عن “غيبياته” مجاراة، فذلك انزلاق في “المثلية البشرية” التي حاجَّ بها الكفار الرسل فوجدوا الرسُلَ جبالا شُمّاً لا تتزعزع.قال الرسل عليهم السلام: “إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمُن على من يشاء من عباده” (سورة إبراهيم، الآية 11).

   إذا استدرجك خلُقُ نظيرك في المزايا الإنسانية فنـزلت معه مِن تسامح “لكم دينكم ولي دين” (سورة الكافرون، الآية 6) إلى حضيض الجري الحثيث في المباراة الأرضية فقد أعطيت من نفسك الدليل على ادِّراكِ علمك بالآخرة،وعن نزولك من مراتب اليقين بها يقين المهتدين، وعن شكك، نعوذ بالله.

   وإن مخالطة الساسة وتعاطي اللغط السياسي في محافل نفخ الأبواق الدعائية يؤول بالمحترف، ولو كان في بدايته ذا مُسحة من إسلام، إلى أن ينحـط مَعَ المعوَّقين المعطوبين قلبيا. وبما أنه لا بد لنا من التعامل والتعاون والتواصل الجاد مع الجمعيات وكل الجهاتِ والأحزاب السياسية المخلصة المدافعة عن حقوق الإنسان فيجب أن نتعلم الحدود الفاصلة بين الأخوة في الدين والنظيرية الخلقية والمثلية البشرية.

   فالأخوة في الدين لها واجباتها وحقوقها، والنظيرية في الخلق حقها أن نبَرَّ ونُقْسِط، والمثلية البشرية لا نتركها تسحبنا إلى أسفل.

   الدفاع المخلص عن حقوق الإنسان شُغْلةٌ خلقية رفيعة يبذل فيها الفاضلون من غير ديننا الجهود المحمودة.هذا أمر واقع لا ينال منه تنكُّر الساسة المحترفين ولا ينبغي أن نتردد في التعاون المخلص مع نداء الضمير الإنساني الرائع الذي يدفع الجمعيات غير الحكومية عند نظرائنا في الخلق للتضحيات المشكورة. ما لم يتعارض ذلك النشاط الإنساني مع أصل من أصول ديننا.

   أنا لا أتنازل قيدَ شعْرة عن أمر الله وسنة رسوله مجاراة لأحد. فإن تقزَّزَ نظيري من حدود الإسلام، ونسبها للهمجية، قرأتُ قول الله عز وجل عن حد الزانيين: “الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المومنين” (سورة النور، الآية 2). أقرأ كلمة الله تعالى الرحمـان الرحيم بخلقه فلا أضع الشفقة على الخلق التي جَبَلني عليها سبحانه في غير محلها الشرعي.وأقول: أفّ تُفّ! للحساسية التي لا تقبل أمر الله عز وجل. وأرفض التعاون مع النظراء، وأعتز بديني وأتعالى عن المثلية البشرية التي تُجـرّدني منه كلِّهِ إن تعـاميت عن بعضه.

   هذه الحساسية المعارضة للدين عبادةٌ للهَوَى. هي تعويض بشري نفسيٌّ للإذعان القلبي والعبودية لله تعالى. لا يتلَقَّى المومن من الجهة السفلى النفسية الشائعة بين النظراء في الخلُق حين يسمع النداء القلبي والتلبية الإيمانية. والنظير الكافر لا يسمع مهما كان في خلقه سموٌّ، أختامٌ على سمعه وأغلاقٌ على قلبه تحول دون ذلك.

   قال الله عز وجل: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غِشاوة فمن يهديه من بعد الله. أفلا تذّكرون؟” (سورة الجاثية، الآية 23).

   لو سكن الإيقان باليوم الآخر والإحسان القلوب لنطق بك الإحسان إن لم تنطق به، ولصرَّح بك وباح. وعندها تكون شفقتُك على النظير الخُلُقي حاملة لك على أن تُسْمِعه، مجردَ إسماع، خبر الآخرة وحق الإنسان الأعلى الأسمَى. والله عز وجل يفتح الأغلاق عمَّن يشاء ويَحُل الأختام إن شاء.

   بماذا يا صاحِ يتجدد الإيمان ويَحيى في القلوب التطلعُ إلى الإحسان؟ سؤالُنا السرمدي. ومن حقك أخي وأختي أن تَعْلَم، أن تُعْلَمَ، أن تُخبَرَ، مجردَ الإخبار، والله تعالى يفتح قلب من يشاء ويختم ويحُل الأختام. في المسجد، في مجالس الإيمان،في صحبة الأخيار،في ليلة القيام المنيرة الساطعة على نهار الجهاد، في مداومة ذكر الله، في صدق الطلب وتلَهُّف الهمة.

   بذلك لا ينجذب المومنون إلى حضيض المثلية البشرية، ولا يقفون خجِلين أمام إنجازات الفضلاء النظراء فيسكتوا عن حق الإنسان في سماع النبإ العظيم. بذلك نرتفع لمقام الخلافة والوراثة للرسل عليهم السلام، ننبعث ونبلغ،ميسرين لا معسرين، مبشرين ومنذرين.

   وتلك كلمتنا، كلمةُ الله، التي تتعطش إليها الإنسانية المتسكعة في جفاف ماديتها.أغنياء العالم ومُترفوه فقراءُ من الإيمان، باديةٌ أضلاع روحانيتهم العجفاءُ أشدَّ وأنكرَ من بُدُوّ أضلاع الجائع الإفريقي الذي ينشرون صوره بشفقة تثير الإعجاب. يا ليتهم يعلمون! يا ليتنا نتكلم ونبلغ!

   إن كتاب الله عز وجل كله بلاغ، كله رسالة للخلق: فحواها ومنطوقها ومفهومها مركزة على الإخبار بالمصير. وظيفة الرسل عليهم السلام، ووظيفة الدعاة بالتبعية، أن ينذروا باليوم الآخر ويبشروا. فمن قَبِلَ البِشارة وصدق بالنذارة وذكر الله وعبده واندمج قلبيا مع الصادقين حتى صار من أهل الإيقان بالحياة الأبدية فقد خرج من الظلمات إلى النور. وما نور السعادة الأبدية كنور الإسعاد الدنيويّ الذي تسعى إليه مشكورة منصورة من جانبنا منظمات حقوق الإنسان.

   قال الله عز وجل في أول سورة إبراهيم: “بسم الله الرحمن الرحيم الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد”. وفي السورة: “ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله” (سورة إبراهيم، الآية 5).

   إسماع وتذكير بالميثاق الفطري الكامن في القلوب.بعضُها يسمع التذكير بواسطة مُسَمِّعٍ مذكر داع نبي أو وارث عالم فيتذكر ويومن ويذْكُرُ ويخرج من الظلمات إلى النور. وبعضُها مختوم على سمعه وقلبه، لا نعلَم إرادة الله فيه، ولا يمنعنا جهلُنا بعاقبته من التلطف له لإسماعه، ومن الإلحاح، ومن التجَنُّد مثلما يتجند النظراء الفضلاء وأكثر.

   في آخر سورة إبراهيم لقَّن الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم مضمون النذارة ونص البلاغ قال: “وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخِّرْنا إلى أجل قريب نُجبْ دعوتك ونتبع الرسل. أوَلم تكونوا أقسمتم من قبلُ ما لكم من زَوال؟ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبيّن لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال. وقد مكروا مكرهم. وعند الله مَكْرُهم. وإنْ كان مكرُهم لِتزولَ منه الجبال. فلا تحسِبَنّ اللهَ مُخْلِفَ وعدِهِ رُسلَه. إن الله عزيز ذو انتقام. يومَ تُبدّل الأرض غيرَ الأرض والسماوات. وبرزوا لله الواحِد القهار. وترى المجرمين يومئذ مُقَرّنين في الأصفاد، سرابيلهم من قَطِران وتَغْشَى وجوهَهم النارُ ليجزيَ الله كل نفس ما كسبت. إن الله سريع الحساب. هذا بلاغ للناس. وليُنذروا به ولِيعلموا أنما هو إله واحد وليذَّكر أولو الألباب” (سورة إبراهيم، الآيات 44-52).

   هذا هو البلاغ عن حق الإنسان الأسمى.هذا هو التخويف من فوت فرصة العمر، وضياع هدف الحياة، وحسرة الأبد. وما ترك الله عز وجل وجها من وجوه التبليغ إلا عرضه، من وصف يخاطب خيال الإنسان، وتبصيرٍ يخاطب عقله، و”تقرير” عن حال المقرَّنين في الأصفاد يؤْلم حِسه،وتأكيد على أن وعدَه سبحانه رُسُلَه لا يتخلف.

   هذا هو البلاغ عن حق الإنسان، علينا أن نُسمعَه العالَمَ بلسان المقال، دائما وفي كل الأحوال. وعلينا أن نسعى لنخْرُجَ من دوامة التخلف ووَصْمَة خرق كرامة الإنسان لنكون النموذج الحي لما ندعو إليه. فالدعـوة بالحال الظاهر المرئيِّ وبالحال الإيماني الإحساني القلبي هي قوتنا وشرفنا ورسالتنا. وما الدفاع عما فعَله في التاريخ ويفعله بعض المسلمين من فظائعَ في حق الإنسان إلا تَعْمِيَة كريهة لواقعنا المؤلِمِ الذي يعالجه حتى في عُقْرِ دارنا النظراءُ الفضلاءُ المشكورون بالسعي الإيجابي الفعال.

   ألا وإن الدنيا تشغل بمتاعبها عن الله وعن اليوم الآخر كما تشغل بمسراتها وزينتها.وتشغل السياسة اليومية، وممارسة الحكم،عن تدبر الغاية الأخروية.وإن خطر ذوبان الدعوة في الدولة،تطحنها رحاها،خطر جسيم يهدد الإسلاميين المتصدين للسياسة والواصلين إلى سُدة الحكم. ويشغل الجهادُ ومُنازلة الأعداء وإعداد القوة. لذلك يُذَكر الله عز وجل المومنين في ست آيات نقـرأها من سورة آل عمران بين آياتٍ تمُنُّ بالنصر في بدر وأخرى تأسو جـراحَ أحُد. المومنون يومئذ عند التنـزيل،واليوم وغدا،منشغلون بطاعة الله فيما أمر ونهى. فتجيئهم البشارة، وهي أخت النِّذارة، لتأخذ بتلابيب قلوبهم، ويأتيهم البيان، ويُعرض عليهم جزاء الجنة.

قال تعالى محرضا مسمعا: “سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعِدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. ومن يغفر الذنوب إلا الله! ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون. أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ونعم أجر العاملين. قد خلَتْ من قبلكم سُنن. فسيروا في الأرض فانظـروا كيف كان عـاقبـة المكذبين. هذا بيان للناس وهُدىً وموعظة للمتقين” (سورة آل عمران، الآيات 133-138).

   بيان وبلاغ. لمن ذكر الله واستغفر لذنبه. ومن يغفر الذنوب إلا الله! اللهم إنا نتوب إليك ونستغفرك من سكوتنا. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.