تحية عطرة، أبعثها إليكم حبيباتي الكريمات، أحبائي الكرام عبر هبَّات النسيم ونفحات الفجر العليل. أستسمحكم عذرا أن أضع بين أيديكم بعضا مما يجول في خاطري ويتراءى لناظري.

بالأمس كنت أشاهد التلفاز وقد استرعاني أحد البرامج عن فضل المسلمين على حضارة أوروبا؛ لعله موضوع طالما تناولناه وبلسان الأسى ابتذلناه، لكن ما أثارني وجعلني أصغي السمع وأطرق، شهادات لعلماء من تلك الديار، يتكلمون عن علوم أجدادنا وحكمهم التي أنارت ظلمات أوروبا؛ فهنا نرى الشريف الإدريسي، علم من أعلام الجغرافيا؛ وهناك نجد أبا القاسم الزهراوي، أبا الجراحين وعالمهم، نجده وقد ترك لنا أدوات للجراحة، لازال علماء عصرنا لا يجدون عنها محيدا. وهاهو ذا جابر ابن حيان، أبو الكيمياء، الذي أذهل العلماء من بعده حتى عدٌّوه أسطورة وخيالا، جابر الذي ترك لنا من الكتب عشرات بل مئات، ومن العلوم مآثر زاخرات؛ بل لا يزال العلم الحديث يستعمل بعض التقنيات التي وضعها في علم الكيمياء.

وهل تعلمون حبيباتي، أحبائي أن جابرا كان يكنى بالحراني الصوفي، وقد تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق، فأخذ منه مما أخذ صنعة الكيمياء، عالم صوفي و جهبذ من جهابذة علم الكيمياء، نعم هكذا كان السلف فأين الخلف؟

ولو ألقينا نظرة على كتب هذا الرجل العظيم، سنجده وقد خط لنا فيما خط كتاب “الرحمة”، أصل من أصول الكيمياء، وكتاب “نهاية الإتقان” علم في هذا الباب.

يا الله، انظروا معي إلى هذه العناوين، فـ”الرحمة” من الرحمن الرحيم و”نهاية الإتقان” نداء إلى قمم الإحسان، كأني به يتمثل قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”.

عناوين تنم عن روح تعلقت بأهداب محبة الرحمن، واشرأبََّّت إلى مدارج الإحسان، تطلبها علما وعملا، روحا وجسدا؛ ولغة القرآن طيعة بين أيديهم، فصيحة متبصرة بمعانيهم، فكانت سيدة بين بنات عصرها، كيف لا وهي لغة المصطفى العدنان، لغة القرآن. وما أبو الكيمياء وغيره في هذا الأمر إلا نقطة من بحر، غيض من فيض، سقى المروج فأزهرها في ما خلى من تلك الأيام.

ويمر الزمان تلو الزمان، وتدور رحى الأيام، فنجد لغة القرآن قد توارت عنا، بل ووريت وراء الجدران، انحبست مع ما انحبس من الفقه فجعلوها كسيحة لا يعلو لها شأن؛ ولله درك يا شاعر النيل وأنت تقول على لسانها:

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت ولم أجزع لقول عداتي

وينفطر القلب ويكلٌّ اللسان، وتذرف العين بناتها حزنا على ما أصابك يا لغة القرآن، فهؤلاء أبناؤك قد عقٌّوك، فنسوك أو تناسوك؛ وما أقسى ما تقاسيه الأم حينما يجافيها أبناؤها، فيتركونها نهبا لهذا يَلْحَنُ بكلامها وذاك يسخر من ثراتها، ولقلَّما تجد لنفسها موضعا في المحافل الدَّولية أو في المؤتمرات العلمية، كأنَّها من العلم براء وكأنَّ ابن حيان وابن سينا وابن الهيثم وكثير غيرهم كتبوا بغير لغة العرب، و أسسوا لعلم -لا زالت الدنيا تشهد مصطلحاتها- بغير لغة القرآن.

فلا والله ما حاد شاعر النيل عن الحقيقة قيد أنملة حين على لسانها، صاح:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

الغواص، نعم أين أنتم أيها الغواصون؟ يا أبناء الأمَّة، يا علماء، يا عاملون، انهضوا واستنهضوا الهمم، استيقظوا وانفضوا عنكم الغبار، فلغة الرحمن تناديكم وتستجديكم، عودوا لها تعد لكم، هلمَّ نملأ بها الأرض شرقا وغربا، علما وأدبا، و لنكن لها كما كان لها من قبلنا، حتى قال أحدهم، و قد كان ذو أصل فارسي: «لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية »،….. و لنكن خير خلف لخير سلف.