كرَّس المنع المتكرر الذي يتعرض له الفنان رشيد غلام، كان آخره إلغاء حلقة من البرنامج التلفزيوني “شذى الألحان” الذي تبثه القناة الثانية بسبب مشاركة غلام فيه، نقاشا لم تخل منه الساحة الفنية منذ سنوات عدة، عرفت فيها الفنون المغربية بشتى أجناسها تراجعا وانتكاسات متعاقبة، وهو حق الفنان في التعبير دون قيود المنع ومقص الرقيب ولا شفرة الهتك التي تطال الإنتاج الفني تقطيعا وتفصيلا على المقاس أو إعداما ودفنا من الأساس.

وإذا كانت الإنتاجات الفنية للفنان رشيد غلام لا ترتبط في مضمونها أو شكلها بما هو سياسوي، وإذا كانت السياسة هي بعض شأن جماعة العدل والإحسان التي يمنع رشيد غلام بسبب الانتماء إليها، فإن مواقفها القوية والثابتة بخصوص بعض القضايا الحساسة في الحقل السياسي يجعل السلطة في استنفار دائم لمواجهتها ومنعها وأعضاءها من أبسط الحقوق حتى حق التغني بالعشق الإلهي والحب النبوي.

وإذا سلمنا مثلا بأن الجماعة حركة سياسية، وافترضنا جدلا أن الفنان غلام يُضَمِّنُ تصريحاته وإبداعاته حمولة سياسية، هل تكون هذه مبررات معقولة للتضييق عليه ومنعه في دولة الحق والقانون؟ دولة حقوق الإنسان؟؟؟؟

تتعدد الآراء حول حق الفنان في أن يكون له انتماء سياسي وذلك بين مؤيد يعتبر الخبرة السياسية من ضرورات العمل الفني، بمعنى أن الفنان مطالب باطِّلاَعٍٍ واسعٍ على الحقل السياسي وتفاعلاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والعناية بتتبع ذلك على اختلاف تجلياته بل والمشاركة فيه لاتصاله بالشأن الثقافي من ناحية، وللضرورة الفنية التي تجعل الفنان عنصرا فعالا في العملية الثقافية لا يضيره بشيء أن تتنوع اهتماماته وتتعمق تجربته… وبين معارض يرى في ممارسة الفنانين للعمل السياسي خروجا عن امتياز الفن الذي يكون أجمل كلما كان بعيدا عن التعبير السياسي وعن التقوقع ضمن منظومة محددة، وبذلك يوظِّف رصانة فهمه وصريح موهبته للتعبير عن نفسه بواسطة الفن مع تفرغ تام لذلك…

وتصبح هذه الآراء أكثر ديناميكية ومدعاة للجدل والتناظر والتنافر حين تنبري السلطات الحاكمة لتبني الموقف الثاني، ليس لقناعة بجدواه لكن لأنه أريح، خاصة أنها تعلنه ورقة حمراء في وجه كل غير مرغوب فيه، في حين تفتح المجال أمام كثير من الفنانين يقولون ما تريد هي قوله، وينشرون ذوقا تريد هي نشره.. وتصنع أبطالا من ورق يفقدون كثيرا من التواضع مع أول ضوء يسلط عليهم.

تتضح هذه الصورة أكثر إذا تتبعنا بقليل من الاهتمام ما تبرعت به القناة الثانية، التي لم تبث برنامج شذى الألحان، على الصائمين من أهل هذا البلد الآمن خلال شهر رمضان من برامج قيل أنها تتناسب وروحانية هذا الشهر المبارك، ويبدو للوهلة الأولى أننا بصدد روحانية من نوع خاص شكلا ومضمونا. فحلقات السيتكومات، موضة هذا الزمن الفني العقم، لم تفلح لا في انتزاع ابتسامات المغاربة الغارقين في وحل الفقر والضياع، ولا في إقناعهم أن ما تقدمه فكاهة وليس شيئا آخر. فكيف لها أن تعبر بأمانة عن روحانية هذا الشهر الكريم الذي جعله الله للعبادة والتقرب إليه؟

سيل الانتقادات التي وجهت لهذه السلسلات منذ سنوات عدة، سواء من النقاد المتخصصين أو من المواطن المتتبع، والتي وصلت إلى حد وصف “نجوم” هذه السلسلات “بالرسوم المتحركة”، فشلت في ثني الجهات المعنية عن المضي في هذا الطريق المظلم، حيث عمدت إلى استغلال الوضعية الاجتماعية والمادية للفنانين، خاصة مع تجميد قانون الفنان، وحشرتهم في أدوار تهريجية، ودفعتهم إلى فعل كل شيء لاستعطاف ابتسامة المتفرج، ولو اقتضى الحال تشويه السجلات التاريخية للفنانين، وضرب عرض الحائط بذوق المواطن أو إفساد ذوقه وشغله عن التفكير في المشاكل الحقيقية التي يرزح تحتها كادحاً مفقراً معطلاً مريضاً جاهلاً.

لا يعني هذا الكلام أن فنانينا غير قادرين على تشمير سواعدهم لخوض غمار العمل الفني النقي والجاد… على العكس، لِمَ لا؟؟ وهم الذين برزوا نجوما في العديد من الأعمال الدرامية المغربية والعربية. لكن قاعدة “الفن الممنوع” تمثل حاجزا قائما يذكر وينبه كل من أراد أن يتجاوزها بإنتاج فن رفيع الشكل واضح المضمون… هذه القاعدة تبدأ بالحرمان من الدعم المادي الذي يستفيد منه مبدع دون مبدع، وتمر عبر إغلاق القاعات العمومية في وجه فنان دون فنان، وربما منع برامج تلفزية لمشارك دون مشارك في زمن تحرير القطاع السمعي البصري، والله وحده يعلم أين تنتهي حدود هذه القاعدة.

إن “الفن الممنوع” هو ذلك الفن الجميل الذي يتصل بوجدان الشعوب ومشاعرها، ويعمل على السمو بميولها وأذواقها، واتجاهاتها النفسية، بأدواته المتنوعة والمؤثرة، مما يسمع أو يقرأ، أو يرى أو يحس أو يتأمل.

لقد فطر الله النفس البشرية على حب كل جميل، والنفور من كل قبيح، وكما جعل الله ذلك الشرف والميل للجمال أمراً طبيعيا في الفطرة السليمة، كذلك جعله أمرًا محثوثًا عليه في الشرع والدين، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر.

وشاءت قدرة المبدع -سبحانه وتعالى- أن يجعل من الفن الجميل -في شتى صوره- مناط رضى وسعادة لدى الإنسان، واستساغته حقًا مشاعًا، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر لعصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانباً من الجوانب، أو عنصراً من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية.

والفن الجميل ليس قيمة سلبية لمجرد الترفيه واللهو، ولكنه حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائن الحي، ذلك لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متباينة، بعضها يبدو جليّاً وبعضها الآخر يفعل فعله داخلياً، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعة، تتجلى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر.

والفن الجميل بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية هامة، فجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، ليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة مبدعة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذه القدرة المعجزة الخالقة.

وإذا كان الاستمتاع بالفن الجميل مباحاً، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد كتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحيها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في الدنيا والآخرة.

وفي انتظار أن يدرك أصحاب قاعدة ” الفن الممنوع” هذه المعاني السامية ويتذوقونها بقلوبهم ووجدانهم ويعلنوا خطأ قاعدتهم، نشد بأيدينا على كل غيور على فنه، يدافع حتى يظل فنه سامياً وسجله نقياً، كما نشد بأيدينا على كل محافظ على ذوقه، يحرص على ملكة الإحساس الجمالي التي وهبها الله له لتظل وسيلة تقوده للإيمان والإحسان.