في البداية أود أن أتوجه بالشكر الجزيل لتكتل الجمعيات والهيئات الأهلية اللبنانية لدعم المقاومة والانتفاضة على هذه التظاهرة الكبرى التي تنظمها بمناسبة الذكرى الخامسة لانتفاضة الأقصى المجيدة، كما أحيي بحرارة الشعب اللبناني المجاهد على وقوفه الدائم إلى جانب المقاومة والانتفاضة رغم الظروف الحرجة التي يجتازها ، وأحيي بحرارة أيضا أهلنا المرابطين في فلسطين الصامدة المجاهدة.

ومن المغرب الأقصى الذي ظل شعبه وفيا لقضايا أمتنا العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية رغم كل أشكال المنع والحصار التي يتعرض لها من قبل السلطات التي اختارت الانخراط في مسلسل التطبيع والرضوخ للأمر الواقع.

وباسم جماعة العدل والإحسان التي عبرت وتعبر باستمرار عن دعمها المطلق واللامشروط للمقاومة والانتفاضة المجيدتين من خلال كل الأشكال المتاحة لها وخاصة المظاهرات المليونية التي تتبعها الجميع في كل المناسبات.

باسم هذه الجماعة التي تضع نصرة قضايا أمتنا العربية والإسلامية على رأس أولوياتها، أتشرف بالمشاركة في هذه التظاهرة المباركة من خلال ورقة حول “دور الجمعيات والهيئات الأهلية العربية لدعم حق العودة وتقرير المصير”.

وأنطلق، متوكلا على الله تعالى، في هذه المساهمة من بديهيتين أود التأكيد عليهما:

أولاهما: أن القضية الفلسطينية هي بالدرجة الأولى قضية شعوب عربية وإسلامية وليست فقط قضية أنظمة، وذلك لعدة اعتبارات، أهمها:

– تنصل الأنظمة المتسلطة على الشعوب العربية والإسلامية من واجبها اتجاه القضية رهبة أو رغبة، وعجزها المتزايد سنة بعد أخرى عن ضمان النصرة والتأييد لهذه القضية، فبعد أن كانت هذه الأنظمة تبني مصداقيتها ومشروعيتها على دعم الحقوق الفلسطينية عقدا من الزمن  على الأقل على مستوى الخطاب والبرامج السياسية- أضحت تستند في بناء هذه المصداقية والمشروعية على الانخراط اللامشروط في مسلسل التطبيع مع الكيان الغاصب. وكل هذا يزيد من مسؤولية شعوبنا العربية والإسلامية وجمعياتها وهيئاتها الأهلية تجاه قضيتنا المركزية الأولى، ويدعوها إلى التصدي إلى واجبها في ضمان التأييد والدعم القويين لخيار المقاومة والانتفاضة.

– ومن جهة ثانية، فإن المستجدات الدولية التي تعصف بالعالم في ظل الهجوم العولمي الكاسح، فرضت وتفرض تقلصا مستمرا لحجم الدولة ودورها مقابل تنامي وتعاظم دور الشعوب عبر منتدياتها وجمعياتها وروابطها المهنية والفكرية والاجتماعية وغيرها مما يصطلح عليه بالمجتمع المدني أو الجمعيات الأهلية، ولعل ذلك من إيجابيات العولمة  إذا افترضنا أن للعولمة إيجابيات- إلى درجة أن بعض المفكرين والمتتبعين يبشرون بأن الألفية الحالية ستعرف بروزا قويا لدور المجتمع المدني في الحياة العامة، وستكون ألفية الشعوب بامتياز.

ولذلك فالذي يمكن الاعتماد عليه أساسا بعد حول الله تعالى وعونه وحسن التوكل عليه في الدفاع عن حقوق شعبنا الفلسطيني ودعم حق المقاومة في كل أراضينا المحتلة في لبنان والعراق وغيرهما هو عمل وفعل المجتمع المدني، دون أن نفهم من هذا التأكيد إعفاء الأنظمة من مسؤوليتها اتجاه القضية وتجاوز تفريطها في واجبها ذاك، بل يجب كما سيأتي لاحقا في الورقة الضغط القوي والمتواصل على هذه الأنظمة وبكل الوسائل المشروعة لتقوم بواجبها، ويجب أن نقيس مشروعية هذه الأنظمة ومصداقيتها بما تبذله من جهود في نصرة ودعم المقاومة والانتفاضة إلى جانب واجباتها الأخرى في ضمان حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة والوفاء لقيم شعوبها.

بناء على هاتين البديهيتين يتضح أن للجمعيات والهيئات الأهلية دورا كبيرا في دعم المقاومة والانتفاضة، ويمكننا تسليط الأضواء على هذا الدور من خلال عدة مستويات:

1. على المستوى التوعوي والفكري والثقافي: لا يخفى علينا أن الكيان الصهيوني الغاصب وظف الفكر والثقافة في دعم مشروعه الاستيطاني العنصري أيما توظيف، وعمد من خلال ذلك إلى الترويج الواسع والشامل للأساطير المؤسسة لمشروعه حتى أضحت عند الكثيرين خاصة في العالم الغربي عبارة عن حقائق لا يتسرب إليها أدنى شك، بل وصل الأمر إلى محاكمة ومتابعة من يبدي أدنى تشكك في صحة هذه الأساطير، وما وقع للفيلسوف غارودي وغيره من المفكرين الأحرار في هذا الموضوع ليس منا ببعيد.

وفي إطار مسلسل التطبيع وسعي الاستكبار العالمي المدعم للكيان الصهيوني إلى فرض هذا التطبيع على شعوبنا العربية والإسلامية، بدأت هذه الأساطير  للأسف الشديد- تتسرب إلى ثقافتنا وإعلامنا ومنظومتنا الفكرية التي ظلت مستعصية على الاختراق عقودا من الزمن. ويتم ذلك تحت مسميات خادعة براقة مثل الإصلاح التعليمي وترويج ثقافة السلام وتجفيف منابع الإرهاب وبناء غد الثقة المتبادلة، وغيرها من الشعارات البراقة التي خدعت للأسف الشديد مرة أخرى طرفا لا يستهان به من النخبة المفكرة داخل وطننا العربي والإسلامي.

ولذلك فعلى الجمعيات والهيئات الأهلية أن تقوم بدورها في هذه الجبهة الثقافية التي لا تقل أهمية وخطورة عن الجبهات الأخرى السياسية والعسكرية وغيرها، إن لم نقل أنها القاعدة الأساس في الصمود والمواجهة. ومن ذلك:

– إعادة التأكيد على بعض الحقائق والبديهيات التي استطاع المشروع الصهيوني خلخلتها والتشكيك فيها، والمتعلقة أساسا بالجوانب التاريخية والدينية لصراعنا مع الكيان الغاصب، وإبراز حقيقة وأبعاد هذا الكيان، باعتباره كيانا عنصريا استيطانيا وجد في المنطقة بدعم قديم ومتواصل للاستكبار العالمي من أجل عرقلة أي نهوض أو وحدة أو تنمية في وطننا العربي والإسلامي. ولعل من يستمع لهذا التأكيد يستهين به معتقدا أن هذه المسألة محسوم فيها وأن شعوبنا ليس لديها أدنى تشكيك في تلك الحقائق والبديهيات وأنها مدركة لحقيقة وأبعاد الكيان الغاصب، والواقع يثبت أن عدونا قد كسب المعركة إلى حد بعيد على هذا المستوى، وإلا فلنُلق نظرة فاحصة على المقررات التعليمية في بلداننا لنكتشف أية سموم تشحن بها عقول ناشئتنا، ولنتابع وسائل إعلامنا المختلفة لنكتشف أيضا أن المتسلطين على رقابنا جادون في تسويق ثقافة التطبيع والانهزام.

ولذلك فيجب على الجمعيات والهيئات الأهلية أن تواصل معركتها وبقوة أكبر على هذا المستوى، من خلال كل الأنشطة التوعوية والثقافية والفكرية الممكنة والمتاحة من محاضرات وعروض ومعارض وندوات وإصدار كتب وأقراص وأشرطة وغيرها من أجل نسف الأساطير المؤسسة للمشروع الصهيوني والمتسربة يوما بعد يوم إلى عقولنا وإعلامنا ومناهجنا التعليمية ومنظومتنا الفكرية والحضارية عامة، ومن أجل زرع الأمل وبث الثقة في مقوماتنا وقدراتنا وإمكاناتنا وقيمنا ومواجهة ثقافة التيئيس والتبخيس والانهزام، ومن أجل ضمان التفاف شعوبنا حول خيار المقاومة وفضح المطبعين وتعرية مشروعهم الانهزامي.

2- على المستوى السياسي: إن للجبهة السياسية هي الأخرى بعدا قويا وكبيرا في معركتنا ضد الكيان الغاصب، باعتبارها معركة شاملة مفتوحة على جميع الجبهات. وعلى الجمعيات والهيئات الأهلية أن تسجل حضورها القوي في هذه الجبهة، من خلال ممارسة كل أشكال الضغط على الأنظمة المتسلطة على شعوبنا العربية والإسلامية من أجل دفع هذه الأنظمة إلى الوقوف في وجه المشروع المضاد ومخططاته التطبيعية والاستسلامية، أو على الأقل عدم الانخراط في هذا المشروع ومخططاته. ويجب على هذه الجمعيات والهيئات أن تعيد التأكيدـ وبكل الوسائل  على أن مشروعية ومصداقية هذه الأنظمة ترتكز أساسا على ولائها لقضايا أمتنا العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية مقاومة كل أنواع الاحتلال لأي شبر من أراضينا.

كما أن الجمعيات والهيئات الأهلية مدعوة إلى ممارسة كل أشكال الضغط على الرأي العام العالمي من أجل توضيح أبعاد المشروع الصهيوني المضاد لكل القيم الإنسانية وحقوق الإنسان، وإبراز الصورة الحقيقية للكيان الصهيوني الغاصب، الذي استعبد الرأي العام الغربي وجعله رهينة لأساطيره ومصالحه ومخططاته. يمكننا في هذا الصدد انتهاز فرصة ما تعرفه كثير من شعوب العالم من صحوة ضد العولمة والاستكبار وخرق حقوق الإنسان، كما تتبعنا ذلك في المظاهرات المساندة لفلسطين والمناهضة للعدوان ضد العراق ولاحتلال العراق والمناهضة للعولمة، ونسعى بكل الوسائل لتشكيل جبهة عالمية تساند حقوق الشعب الفلسطيني وتقف في وجه كل ما يمس حقوق الإنسان في أية بقعة من الأرض.

ومن أشكال الضغوط السياسية هاته، تنظيم الوقفات في المساجد والكنائس والمسيرات الشعبية والمظاهرات، واختيار مواعد محددة لمثل هذه الأشكال مواكبة لمستجدات القضية واحتفالا بمحطاتها. ونرجو أن نصل إلى توحيد مواعد هذه التظاهرات على المستوى العربي والإسلامي ولِمَ لا على المستوى العالمي.

ومن هذه الأدوار أيضا تأسيس منتديات وهيئات سياسية لمساندة للانتفاضة والمقاومة، وإنشاء روابط واتحادات إقليمية وجهوية وعالمية بين هذه المنتديات والهيئات، لتوسيع قاعدة التعاطف مع القضية ونصرتها، ومحاصرة المشروع الصهيوني المضاد على جميع المستويات.

3- على المستوى الاجتماعي والاقتصادي: على هذا المستوى يجب على مجتمعنا المدني الأهلي أن يضع قضية نصرة وتأييد الانتفاضة والمقاومة على رأس أهداف جميع الروابط والهيئات المهنية والنقابية، وأن يعبئ مجتمعاتنا بكل الوسائل لتقف في وجه كل أشكال التطبيع الاجتماعي والاقتصادي وتصمد في معركة مقاطعة البضائع والسلع الصهيونية مهما كانت هرولة الأنظمة لفتح أسواقنا في وجه هذه البضائع سواء بشكل سري كما هو الحال مثلا في بلدنا المغرب أو بشكل علني كما تتبعنا مؤخرا وبكل أسف في موقف البحرين وكما هو حال مصر والأردن. ومهما كان سعي هذه الأنظمة الفاشلة في المضي في مسلسل التطبيع الاجتماعي والاقتصادي تحت ذريعة التعاون التكنولوجي والاندماج الاجتماعي وغيرها من الشعارات الزائفة.

ومن الأولويات على هذه الجبهة تنظيم حملات جمع التبرعات المادية والعينية لدعم جهاد وصمود شعبنا الفلسطيني على أوسع نطاق، باعتبار ذلك واجبا دينيا وقوميا وحقا من حقوق هذا الشعب المجاهد علينا جميعا. ولا ينبغي في هذا الصدد أن نتأثر بالحملة الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب والتي تحاول منع مثل هذه الحملات وتجريمها في الوقت الذي تنهال فيه المساعدات الأمريكية السخية والضخمة على الكيان الغاصب ليتقوى على مواصلة إرهابه البشع ضد الشعب الفلسطيني المدافع عن حقوقه الطبيعية في العودة إلى وطنه وتحريره.

4. على المستوى الإعلامي:

نحن نعلم جيدا أن سلاح الإعلام أضحى أمضى الأسلحة وأشدها فتكا، ويزداد هذا الاعتبار كلما تقدمت العولمة في زحفها الكاسح، الذي حول العالم إلى قرية صغيرة. وقد وظف العدو الصهيوني هذا السلاح أيما توظيف، خاصة بالنظر إلى هيمنة اللوبي الصهيوني والمتصهين على كبريات وسائل الإعلام المرئية والمقروءة التي توفر كل أشكال الدعم وعلى أوسع نطاق للمشروع الصهيوني.

ونحن مدعوون ـ شعوبا وجمعيات أهلية ـ إلى إيلاء هذه الجبهة الملتهبة ما تستحقه من اهتمام واستثمار وتوجيه وتوظيف في معركتنا الشاملة ضد العدو الغاشم. ومن ذلك السعي إلى إنشاء وسائل إعلام رسالية تتبنى قضيتي الانتفاضة والمقاومة وتسعى إلى غرس الولاء لهما لدى جمهورها بكل الوسائل والتقنيات الحديثة التي جاد بها المولى عز وجل في هذا الزمن. وكذا دعم وسائل الإعلام السائرة في هذا المسار الرسالي التحريري، وبالمناسبة لابد من توجيه تحية إكبار وإجلال إلى قناة المنار التي نعتز جميعا بصمودها وثباتها على هذا الخط رغم ما تتعرض له من حصار شرس غاشم، كما نحيي كل وسائل الإعلام الأخرى التي بقيت وفية لقضايا أمتها.ويجب أن تكون جمعياتنا وأندياتنا الأهلية بكل تخصصاتها واتجاهاتها وانتماءاتها أبواقا لتعبئة الراي العام وراء الانتفاضة والمقاومة ودعم خياراتهما الاستراتيجية، وفضح المطبعين واللاهثين وراء سراب السلام المزعوم

وخلاصة القول، أن الجمعيات والهيئات الأهلية في وطننا العربي والإسلامي مدعوة اليوم وبدرجة أكبر وأقوى مما مضى، للانخراط الفاعل والقوي والعميق والمنظم في معركتنا الشاملة ضد المشروع الصهيوني  الأمريكي، سواء على مستوى توعية شعوبها بأبعاد هذا الصراع وحقيقته وضمان التفافها حول خيار المقاومة وتعبئة كل قدراتها ومؤهلاتها لدعم حق الشعب الفلسطيني الصامد في العودة وتقرير المصير، أو على مستوى ممارسة كل أنواع الضغوط على الأنظمة المتسلطة على شعوبنا لحملها على عدم المضي والانخراط في مسلسل التطبيع والهزيمة، وعلى ممارسة كل الضغوط أيضا على الرأي العالمي ليعرف حقيقة وأبعاد الكيان الغاصب، وللتنسيق مع حركات شعوب العالم للوقوف في وجه المشروع الشيطاني الصهيوني الأمريكي المناهض لكل القيم الإنسانية النبيلة.

الأستاذ عمر أمكاسو [email protected]

نائب الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

هاتف: 00 212 61 20 44 09

فاكس: 00 212 22 61 02 06