بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

جماعة العدل والإحسان

الهيئة الحقوقية

يحتفل العالم أجمع، في العاشر من دجنبر من كل سنة، باليوم العالمي لحقوق الإنسان، الذي يؤرخ لذكرى المصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وإن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، إذ تشارك جميع مناضلي حقوق الإنسان، في المغرب وفي العالم، احتفالهم بهذا اليوم الذي أصبح مناسبة سنوية لتدارس حصيلة تطور حقوق الإنسان في العالم، لتغتنم هذه المناسبة لتقف أمام التطورات التي يعرفها هذا المجال، قطريا ودوليا، ولتعبر عن رأيها وموقفها بهذا الخصوص.

وهكذا سجلت الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان استمرار السلطات العمومية المغربية في سياسة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، رغم ترويجها لخطاب القطع مع ماضي “سنوات الرصاص” وعهد الانتهاكات الجسيمة للحقوق والحريات.

ولعل أهم شاهد على هذه المفارقة بين الخطاب والفعل، هو استمرار استهتار السلطات العمومية بالحق في الحياة، حيث سجلت السنة الماضية حصول عدة وفيات مقلقة في ضيافة هذه السلطات، سواء في مؤسساتها الأمنية أو السجنية، أو بسبب تدخلها لتفريق مظاهرات واحتجاجات سلمية، مما يثبت الاستعمال المبالغ فيه للعنف ضد مدنيين عزل، بل إطلاق الرصاص على مدنيين، كما وقع بالنسبة للمهاجرين الأفارقة الذين ترك الناجون منهم في العراء ليواجهوا مصيرا مجهولا.

كما أن الواقع لا زال يؤكد عدم احترام الحاكمين للحق في العيش الكريم، بحيث ازدادت وتيرة التفقير والتهميش، رغم التأكيد على سلوك سياسة اجتماعية تستهدف محاربة الفقر ومظاهره. كما عرفت الحقوق الاجتماعية، من حق في التعليم والصحة والسكن اللائق والشغل والبيئة السليمة، تراجعا مهولا، تقابله لا مبالاة من طرف الحاكمين. إن استمرار ظاهرة الهجرة السرية، واستفحال تفكك الأسرة المغربية، هما شاهدان على حالة الاحتقان الاجتماعي المنذر بالخطر.

ولا زالت الحقوق السياسية والمدنية تعاني هي الأخرى من التضييق والمصادرة، بحيث سجلت السنة الماضية عدة حالات في تزايد مقلق بخصوص انتهاك حرية التجمع والجمعيات، وحيرة الممارسة السياسية، وحرية الصحافة، استمرار تزوير إرادة الشعب. يساير كل ذلك استمرار الاعتقال السياسي، ومحاكمات الرأي ومحاكمات الصحف، ومحاكمات مناضلي حركات اجتماعية مدنية سلمية، واستمرار خرق الحق في المحاكمة العادلة، والاحتجاز في معتقلات سرية والتعذيب.

كل هذه الوقائع والمؤشرات لا يمكن أن تغطي عنها السياسة الرسمية التي تروج لوجود تطور وتحسن مزعوم لا يخرج عن مساق سياسات تزيين الواجهة، وتأثيث التقارير المقدمة في المحافل الدولية بمبادرات ومشاريع لا تعكس حصول أي تطور حقيقي. وقد سجلت جميع الهيئات والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، أن ذلك التحسن المزعوم، الذي رافق الإعلان عن عهد جديد، لم يكن إلا قناعا سرعان ما سقط، لتعود حليمة إلى عاداتها القديمة.

إن استمرار المحاكمات الصورية ومحاكمات الرأي والاعتقال السياسي هي أمور نالنا منها حظنا إلى جانب كل فئات الشعب المغربي. بحيث لازال ثلة من أعضاء جماعة العدل والإحسان معتقلين بسبب انتمائهم وبسبب موقف السلطة من عملهم السلمي العلني. ولا زال ملف طلبة وجدة، الذين يمضون منذ ما يزيد عن 14 سنة، عقوبة سجنية بجرم لم يرتكبوه، شاهدا على زورية الادعاء بطي ملف الاعتقال السياسي. كما أن استمرار مسلسل التضييق على الجمعيات المشتبه في كونها تضم أعضاء أو مسيرين من الجماعة، واستمرار مسلسل محاكمة أعضاء الجماعة وقياداتها، إما بسبب ممارستهم لحقهم في الاجتماع، أو التظاهر السلمي، أو بسبب تعبيرهم عن آرائهم ومواقفهم، كما هي حالة السيدة نادية ياسين، واستمرار مسلسل التضييق على أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها في أرزاقهم وحياتهم اليومية، ومنعهم من حرية التنقل، بل وحتى في ممارسة العبادة، كما وقع خلال الاعتكافات الرمضانية، دليل على أن الحاكمين تضيق حويصلتهم، ويشتد غيظهم، من وجود قوة مدنية سلمية هادئة لا تنخرط في المساق الذي رسموه لهذه البلاد.

هذه الخروقات بالجملة أصبح من خلالها المغرب مرجعية دولية تلجأ إليها الإدارة الأمريكية للاستفادة من معتقلاتها السرية، في جو دولي يؤكد التوجه نحو تراجع عام عن احترام الحقوق والحريات بذرائع شتى أهمها مكافحة الإرهاب ومواجهة مخاطر انعدام الاستقرار والأمن. هذا التراجع الذي تؤكده استمرار حالات الاعتقال خارج نطاق القضاء، والتعذيب والمعاملة الوحشية للسجناء والأسرى، والمحاكمات التي لم تتوفر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، ومحاكمات الرأي والتعبير، واستهداف وسائل الإعلام الحرة، وممارسة الوصاية على الشعوب ومصادرة حقها في اختيار حكامها بطريقة حرة ونزيهة، وتأييد الممارسات العنصرية والإجرامية للكيان الصهيوني الغاصب، واستمرار تدعيم أنظمة سلطوية قمعية من شاكلة النظام التونسي، وخصوصا تدنيس مقدسات المسلمين واستهداف شعورهم الديني، وغيرها من المؤشرات والوقائع المخزية والمقلقة.

هذا التردي لا يمكن إلا أن يثير غضب الشعوب المقهورة، التي لن تجد أمامها إلا سلاح اليائس لمواجهة الهجمة الشرسة للاستكبار المستفرد بتقرير مصير العالم. إن ازدياد حدة استهداف المدنيين في كل مكان، والمآسي الإنسانية الكارثية الناجمة عن الصراعات المسلحة، لا يمكن إلا أن تثير قلقنا وتخوفنا من تسرب اليأس والحقد إلى الإنسان المنقطع والمقطوع عن المعاني السامية لوجوده ورسالته في الخلق.

إن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، إذ تسجل هذا التردي والانتكاس الحاصل على المستوى الدولي، واستمرار واقع الانتهاكات على المستوى المحلي، لا يفوتها أن تحيي جميع المدافعين الأحرار عن حقوق الإنسان، وجميع الهيئات والمنظمات الحقوقية، الوطنية والدولية، والتي تعتبر الضمير الحي للإنسانية و”هي المحاور المنتظر للإسلام، عسى تكون لمروءتها أذن تسمع يوما نداء الإسلام إلى حقوق الإنسان كاملة غير منقوصة، أرضية سماوية، تمنع تعذيب الإنسان في الدنيا وتعريضه لعذاب الآخرة”. فاحتفالنا باليوم العالمي لحقوق الإنسان، لا بد أن يشمل إلى جانب التنديد بالظلم الحاصل بخرق الحريات والحقوق، التأكيد على أن نداء حقوق الإنسان هو المروءة الكبرى التي ينبغي أن يجتمع عليها بنو الإنسان ويجعلوها ميثاقا لإنسانيتهم”. فـ”تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا”.

ونحن نؤمن بأن قدر الله عز وجل أن يستخلف المستضعفين ويمكن لهم في الأرض. لذلك نتطلع لمستقبل قريب بإذن الله، ييسر فيه الكريم الوهاب لقاء مع هذه المروءات تجتمع فيه الإرادات على ميثاق من أجل رفع الظلم عن الإنسان. والشرك بالله والكفر به ظلم عظيم.

إن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان تضم صوتها إلى جميع الأحرار في هذا البلد للمطالبة بوقف هذا التردي الحاصل في مجال حقوق الإنسان ببلادنا، وتنخرط في النضال من أجل “إقامة مجتمع يكرم فيه المسلمون، ويكرم فيه الإنسان”.

“والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

حرر بسلا يوم السبت 10 دجنبر 2005

عن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان