دين العصر وكلمته وتسبيح ضميره. أُسُّ الديمقراطية مضمونها ومعناها. تلك هي صيحة حقوق الإنسان في عصر قاحل شديد على الإنسان.

   حقوق الإنسان هي “المسرح الحقيقي للمعركة” كما كان يقول رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نكسون عندما يريد أن يُجَرِّم الاتحاد السوفياتي بما جناه الثوار الشيوعيون، وبما اقترفه ستالين، وبما أفرزته حضارة الجولاج من دكتاتورية حمراء لا رحمة في قلبها. واليوم نسمع صوت الضمير الإنساني في صفوف القادة السوفيات الملتحفين مع جرباتشوف بفضيلة جديدة عندما يُنَدِّدُ بهمجية ستالين وشاوشسكو في تناغم كامل مع صوت البشرية جمعاء.

   أمحايدون نحنُ في معركة حقوق الإنسان أم مُتَلَقُّونَ أم معنا رسالة؟ ومن أين لنا بمصداقية لنقول كلمتنا ونحن في قفص الاتهام؟ الإسلاميون إرهابيون قبل كل مناقشة! والشريعة الإسلامية همجية صرفة! هذا حكم أعدائنا حين يصنعون لأنفسهم من أوهامهم ومن أخطاء بعضنا “دولة شر” يَنْصِبونها غرضا تاريخيا لسهام كراهيتهم المتأصلة.

   وما ينبغي أن نتصدى للموضوع بنفسية المتهم، همُّه أن يرفع عن نفسه التهمة. لن نرفع صوتَنا باعتزاز حامل البشرى لعالم كئيب إلاَّ إن كان إيماننا وثيقا بأن حقوق الإنسان ليست على لساننا ولا في تاريخ سلفنـا الصالح مُناشدَةً لفظيَّة ولا حُمُولةً إديولوجية يتخفف منها المرء عندما يغيب المراقب وتسنح الفرصة. بل إن تكريم بني آدم لنا دين.

   إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا. لنا في الموضوع أصالَةُ شَرْعِنَا، لا ننقل نقل البليد من ألواح غيرنا ولا نتنازل عما رسمته شريعتنا. كلمة الله عز وجل تقول: “ولقد كرمنا بني آدم” (سورة الإسراء، الآية 70)، وشرحنا العَمَلِيّ لهذا المبدإ القرآني ينبغي أن يكون إعلاءً لمطمح الإنسانية بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية.

   وذلك تحدٍّ من أعظم التحديات. خاصة وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا الغثائية العَضّيَّة الجبرية مخروقة خرقا شنيعا بدائيا، ليس على خروقها من مساحيق الحضارة وتنكيرها ما يُخفي همجية الفعل كما عند غيرنا.

   على أن غيرنا لا يكادُ يُخفي من احتقاره للإنسان واستهانته بحقوقه ما تكشفه الأحداث كل يوم. فإنسانٌ واحد من العالم المشرَّف، عالَم المستكبرين، تقوم الدنيا وتقعد لخبر شوكةٍ أصابته في أحَدِ تخوم العالم. مذابح الفلسطينيين في صَبْرا وشاتيلا، وتقتيل أطفال الحجارة يعرض على أنظار العالم كل مساء: أخبارٌ دارجة! أسيرٌ واحد يهودي يُفدى بكذا مائةٍ من الدجاج الفلسطيني: أمر لا يحتاج لتعليق. الكلب الأمريكي المُدلل ينال من كرامة المجتمع الاستهلاكي ما يعوض الضمير الغربي عن مشاهد البؤس والجوع والهياكل العظمية في مجاهل أفريقيا.

   بعض البشر في ملة “حقوق الإنسان” أكثر إنسانية من بعض. يفصل بين الدرجتين اللون والقومية والانتماء والجغرافيا والدين: معايير للتمييز سقطت الإديولوجيات وبقيت ثابتة.

   كيف نُسمع صوت “شرف الإسلام الدولي” للعالم ومنطقُ العنف يسوق بعض المسلمين لحجز الرهائن؟ كيف نُقبل على العالَمِ ببشرى الإسلام ونحن شعوب عزلاء مظلومة؟ ما جرّ بعضَ المسلمين للعنف؟ ما زيَّنه لهم؟ ما حَملهم عليه؟

   إن الضمير الإنسانيّ المناديَ بحقوق الإنسان عن إخلاص وصدق حقيقة واقعية من وراء الوضع السياسي الظلمي الذي يجعل بعض البشر أكرم من بعض في ميزان الأرجوحة العالمية. مع هذا الضمير نتناجَى ونتجاوب. معه نتخاطب لنرفع مطمح الإنسانية إلى حقها الأزلي الأبدي الذي لا تُكَوِّنُ الحقوق المتعارَف عليها إلا حلقاتٍ من سلسلته. لا قيمة لما توفره حقوق الإنسان “المتعارف عليها دوليا” للإنسان من كرامة وسعادة في الدنيا إن انقطعت دون حقه الأخروي.

   ينادي الضمير الإنساني المستيقظ بحق الشعوب في تقْرير مصيرها، وبالحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية. ينادي بحق الإنسان في الحرية والعدل، بحق المرأة والطفل، بحق العمل والصحة والتعلم، بحق السكن الكريم، بحق المرضى والعجزة. وكل ذلك مما نعتبره دينا إن قسناه بمعاييرنا ووزنَّاه بِصُنُوجِ ميزاننا.

   ويرتفع طموح الضمير الإنساني فيطالب بحق الإنسانية في الحفاظ على الكوكب الأرضي نظيفا، وعلى البيئة الطبيعية مَصونة للأجيال. وهذه مرتبة عالية من الوعي نعطيها من الاحترام مثل ما تعطيه الأصوات الحرة.

   وتنحبس مطامح الضمير الإنساني في أفق البيئة الأرضية والمعاملة اليومية والمستقبلية المحدودة. ومن هنا تبدأ مهمتنا لإسماع البلاغ الإلهي. لإسماع رسالة القرآن. لإعلام الإنسان، والإعلان له، والصيحةِ في أذنه،والعرض اللطيف على قلبه، والحديث الشفوق إليه، والبيان الأخوي إليه، بأن من وراء الموت حياة، وبأن الإنسان ليس دابة أرضية.

   هذه التبليغات هي موضوع ما فرضه الله عز وجل على المسلمين من جهاد، وما حمله الرسل عليهم السلام من رسالات. وسكوتنا عن النبإ العظيم لنبارِيَ القومَ في جوقة حقوق الإنسان على النغمة العامة المألوفة لا نتعداها خيانةٌ لما حُمِّلْنَا من أمانة، وتضييع للإنسان في أكرم حق منحه إياه الباري جل وعلا: وهو أن يسمَع خبر السماء ودعوة الخالق إلى مأدُبة الآخرة.

   سكوتُنا عن النبإ العظيم، وانشغالُنا عن البلاغ الأخروي والبيان المصيري خيانة وانخراط انهزامي في جوقة العالم. سكوتنا خنوع لسلطان الغلبة الثقافية الجاهلية التي لا تعرف الله عز وجل، وتسخَر من كل تصريح أو تلويح لما بعد الموت.

   إن كان غضبُنا من جانب العدل على شيوخ النفط وملوك العض وسلاطين أمريكا مشروعا مفهوما، فإن غضبنا من جانب الإحسان على السكتة المُريبة عن حقائق الآخرة أكثر مشروعية. وكيف تُعَبّرُ كلمة “أكثر” الكَميَّةُ عن تفاوت ما بين الدنيا والآخرة؟

   شيوخ النفط ورؤساء الدولة-العشيرة ينهبون منا يداً بيد مع اللصوص العالميين مادة عيشنا. وهو ظلم شنيع، وأثَرَةٌ مؤذية، وهضم لحق ثابت من حقوق الأمة في أموالها، وتنكر لحقوق الإنسان في العدل. وتلك معركة لا نهرُب منها لنجد في الحديث عن الآخرة سُلْواناً. كلا! وإنما هي معركة واحدة متصلة متكاملة في ضمير المومن وعقله وطموحه وجهاده. فالدنيا ومقوماتها وخيراتها وعلاقاتها وعدلها وحرمانُها وسياستها واقتصادها طريق ووسيلة سفر. والآخرة وما عند الله عز وجل فيها من جزاء ونعيم وعقاب وعذاب وجنة ونار خالدين فيها هي المستقر.

   فمتى سكتنا عن البلاغ الأخروي، وانشغلنا بمناوشة أعداء الدنيا عن الآخرة فقد انقطعنا وانجرَرنا مع تيار الدنيا وانسقنا مع منطقها. وعندئذ فلا قيمة لنا عند الناس لأننا لم نبلغهم رسالة الله العزيزة، ولا قيمة لنا عند الله لأننا خنا أمانة الله.

   قال الله تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جَهولا. ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركـات ويتوب الله على المومنين والمومنات” (سورة الأحزاب، الآيتان 72-73).

   قال ابن عباس رضي الله عنهما: “الأمانة الطاعة والفرائض”. وقال: “عُرِضت على آدم فقيل له: خذها بما فيها: فإن أطعتَ غَفَرْتُ لك، وإن عصيت عذبتك”.

   هذا هو حق الإنسان الخالد السامي الأسمَى: أن يكون عبدا لله عز وجل، عاملاً للقائه، آملا في جزائه وجنته، خائفاً من عقابه وناره. هذه هي كرامته الآدمية، كل حق يطالِبُ به ما دون ذلك من حقوق الدنيا فهو له حقٌّ شرعي إن كان نيلُه يقربه من غايته الأخروية. ومن حقه أن يجاهد عليه مَانعَه. وكل “حق” من “حقوق الإنسان” يُلهيه عن آخرته فهو حظ من حظوظ النفس، لا يبالي به أهل الإيمان إلا من حيثُ كونُه مستضعفا في الأرض تجب نُصرتُه. ينصره الإسلام ليُسمعَه في مَأْمنهِ بَلاغَ الإسلام.

   تسطَّح الخطاب الإسلامي، وسكت عن البلاغ الأخروي، وجارَى جوقة حقوق الإنسان في حَلَبَتها. فما شئت من بناء حضاري وسبق ثقافي وحديث عن خلافة الإنسان في الأرض ليعمُرَها بإبداعاته وإنجازاته. وصَهْ عن نبإ الآخرة حتى ندخل المسجد أو نحضرَ جنازة!

   إنه انخناس في المِثْلية البشرية، وخضوع للهيمنة الثقافية الدوابية. وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة إغراء هذه المِثلية، ضرب لنا مثلا لمقاومتها من جهاد الرسل عليهم السلام. قال تعالى يحكي مقالة الذين كفروا لرسلهم: “قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا”( سورة إبراهيم، الآية 10).

   تريدون أن تغلبونا على ثقافتنا وتراثنا وحضارتنا وأصالتنا وقوميتنا.

   وأجاب الرسل عليهم السلام: قالوا: “إن نحن إلا بشر مثلُكم ولكن الله يمُن على من يشاء من عباده” (سورة إبراهيم، الآية 11).

   فمن سنة الرسل عليهم السلام، بل صُلْب سنتهم، مقاومة المحيط الاجتماعيِّ الثقافيِّ الجاهل بخبر الآخرة، الساكتِ عنه، المعادي مَنْ يتكلم فيه. ومن واجبنا الآكَدِ أن نتقدم برسالة الله للعالمين في عزة وشموخ وثقة. فالإنسانية جمعاء أمة الاستجابة، وفي سمعها يجب أن نبُثَّ كلمة الله الخالدة.

   والله ولي المومنين. سبحانه لا إله إلا هو يحيي ويميت، وينشر ويحشر.