سؤال:

تنشد جماعة العدل والإحسان الخلافة على منهاج النبوة، ولمدة ما يناهز ثلاثين سنة، تعمل الجماعة على تحقيق حلمها. فما هي الملامح الكبرى لهذا الحلم؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم. أعتقد أن التعبير بـ”حلم” ليس مناسبا. فنحن لا نعمل من أجل الأحلام هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السؤال بهذه الصيغة يوحي بأن الخلافة هي همنا الأكبر أو الأوحد وهذا ليس صحيحا كذلك. فالدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية ما هما إلا وسيلتان لضمان الظروف الملائمة لعمارة الأرض وعبادة الواحد الأحد، وهذا مصداقا لقوله عز وجل: “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتووا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور”. لذلك ينبغي ألا نخلط أبدا بين ما هو معدود من الوسائل وبين الغاية الكبرى والمطلب الأسمى ألا وهو إرادة وجهه تعالى وابتغاء مرضاته.

أما الملامح الكبرى للدولة التي تقوم على الإسلام صدقا وحقا لا ادعاء وزورا فتتلخص إجمالا في ضرورة تحكيم شريعة الله العليم الخبير بمصالح عباده، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتأسيس المؤسسات الفعالة لضمان نفاذ ذلك واستمراره، ويكون أمر الناس شورى بينهم، لا يستبد فرد أو طائفة بذلك من دونهم، وكذا يتعين العمل بصدق لتعم خيرات البلاد كل أهل البلاد، ولا يستفرد بذلك حفنة من المترفين الفاسدين والمفسدين. الدولة المؤسسة على الإسلام صدقا وحقا هي التي يكون قرارها بيدها لا بيد غيرها من أعدائها، وهي التي يملك المواطنون فيها الحق في الكلام دون خوف أو وجل، ويشاركون في صناعة القرار، لا يهمشون، ويختارون دون إكراه من يحكمهم ويسوسهم، ويقولون للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، وللحاكم إذا جار واعتدى ولم ينفع معه نصح ولا تنبيه، تنح واترك المكان لغيرك. وباختصار فالدولة يبنغي أن تكون من أجل المواطن لا العكس، أي من أجل إسعاده وتأمين مصالحه المعتبرة ورد كل ما يسوؤه، وتوفير الأجواء الصحية ليعرف الإنسان ربه ويعمل الصالحات وهو آمن من القهر والعسف والطغيان.

سؤال:

ألا ترى أن الدولة بهذه المواصفات هي ضرب من الأحلام؟

جواب:

لا، أبدا. إنما يحسبها ضربا من الخيال الذي ينظر إلى ذلك انطلاقا من واقع القهر الذي نعيشه، بمعنى أنه يجعل الواقع البئيس هو المرجع، ولما يرى الفارق بين ما نطالبه به ويطالب به كل حر وكل ذي مروءة وغيرة على أهله وبلده، وبين ما هو موجود بالفعل يحسب أن ذلك بعيد المنال، والحال أن بلادا شتى لا تملك من الإمكانيات ما نملك، وظروفها الطبيعية أسوء من ظروفنا ومع ذلك فأحوالها أحسن من أحوالنا بكثير، بل إن الفرق بيننا وبينهم مهول حتى لا يخيل للمنهزمين أنه لا سبيل للحاق بهم، فضلا عن تجاوزهم أو التفكير في إنجازات تسامي إنجازاتهم.

سؤال:

بصفتك أمينا عاما للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، هل في رأيك تلتقي الدائرة السياسية في مفهومها وأهدافها مع الأحزاب السياسية؟

جواب:

لقد أسست جماعة العدل والإحسان الدائرة السياسية سنة 1998 من أجل التصدي للشأن السياسي. وبالفعل فقد انخرطنا منذ ذلك الحين في عمل دؤوب من إقامة للمؤسسات وبناء الأجهزة اللازمة للنهوض بهذه المهمة الصعبة. أما سؤالك حول نقط التلاقي مع الأحزاب السياسية، فلا شك أن هناك أشياء مشتركة كالتصدي للشأن العام، ووجود بعض المكونات الشبابية والنسائية وغيرها..إلخ ولكن هناك أيضا نقط نختلف فيها معهم اختلافا جوهريا وأخص بالذكر الأسس والمنطلقات.

سؤال:

تتكون الدائرة السياسية من قطاعات متخصصة وعدد من المكاتب التنظيرية. فما هو الفرق بين القطاعات والمكاتب؟ وكيف يشتغل كل منهما؟

جواب:

القطاعات بناء تنظيمي تراتبي مهيكل حسب مواصفات معينة، إما مهنية أو حرفية أو عمرية أو ما إلى ذلك. وتنظيمها قد يقف عند مستويات دنيا، وقد يتسع ليكون منظما على مستوى القطر. أما المكاتب فهي أوراش، إن صحت العبارة، يجتمع فيها أهل الاختصاص للقيام بدراسات معينة أو بلورة رؤية في قضايا معروضة عليهم، أو تقديم المشورة في مجالات معينة. وهي أيضا منظمة حسب التخصصات كالفلاحة والصناعة والتعليم وما إلى ذلك. وإذا كانت القطاعات تنظر فيما يفيدها للنهوض بشأنها، فإن المكاتب مختصة في إنجاز الدراسات وإعداد مشاريع في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغير ذلك.

سؤال:

هل يمكنكم أن تحدثونا عن تصوراتكم بتفصيل في الاقتصاد والإعلام والتعليم والثقافة والفن والصحة والفلاحة والسياحة والتشغيل؟

جواب:

هذا غير ممكن إطلاقا لأنه يحتاج إلى كتاب وليس إلى استجواب. ثم إنه من ناحية أخرى غير مفيد الآن والحديث فيه سيكون في غير إبانه. نحن لسنا في مرحلة الانتخابات حتى نستعرض رؤانا واقتراحاتنا لنقنع الناس بجدواها ووجاهتها. نحن لم نحسم بعد قواعد العمل السياسي الصحي، بمعنى أننا لم نتجاوز البدايات فكيف تريدون أن نتحدث عما يأتي في العادة في مرحلة تالية. يا سيدتي المشكلة هي في البدايات أساسا وأولا، حتى إذا صحت هذه فإن ما بعدها يكون أهون إن شاء الله.

سؤال:

وما الغرض إذن من تأسيس هذه المكاتب إذا كنتم لا ترون أي فائدة في الحديث عن إنجازاتها؟

جواب:

سؤال وجيه والجواب، لحسن الحظ، سهل جدا. هناك مثل شعبي يقول “دجاج الخميس يتكتف الأربعاء” وهو كناية عن ضرورة الاستعداد المبكر لأي عمل جدي. فهل تريدون منا أن ننتظر انتظار الخاملين حتى إذا تهيأت الظروف لكي ندلي بدلونا، ونقترح ما عندنا، إذ ذاك قلنا للزمان توقف حتى نؤسس لجانا، ونجمع الخبراء، ونفكر مليا ثم بعد ذلك نخرج بأفكارنا ومشاريعنا؟! هذا لا يقول به عاقل.

سؤال:

ألا ترى أن هناك نوعا من المفارقة، فأنتم تتحدثون في الدائرة السياسية عن عمل من أجل النهوض بالقطاعات وإعداد الدراسات، ثم نجد أن الأستاذ عبد السلام ياسين يحذر في كتبه مثل كتاب “العدل” و”سنة الله” و”مقدمات لمستقل الإسلام” وغيرها من تولي الإسلاميين مناصب حكومية. فكيف تفسرون ذلك؟

جواب:

لقد آثرت هنا موضوعا غاية في الأهمية، والكلام فيه يحتاج إلى تفصيل لا يتسع له المجال. لذلك أقول بإيجاز شديد أرجو أن لا يكون مخلا: إن الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله يحذر بالفعل من خطر الدخول غير الواعي وغير المحسوب في أعمال الحكومة وانشغال كل أطر الدعوة بالهم السياسي. وليس هنا أي تناقض أو مفارقة، إنما ينطلق الأستاذ حفظه الله من رؤية عميقة، واعية بمطالب التغيير وشروطه وأبعاده، ومدركة لدروس الماضي وأحداثه، ومستحضرة لإكراهات الحاضر ومتغيرات الزمان والمكان. فالأستاذ حفظه الله في كلمة يرى أن الدعوة إذا تحولت إلى دولة فمعنى ذلك أنها انتهت عمليا. والتجربة سواء في السياق الإسلامي أو في غيره تؤكد هذا. لذلك يرى أن رجال الدعوة ونساءها ينبغي أن لا يستهلكهم تدبير الأشياء كما يسميه، وإنما شأنهم القيام على تربية الأجيال لينشأ الصالحون والصالحات الذين بصلاحهم تصلح أحوال الأمة ويستمر صلاحها بإذن الله، ويتواصل خيرها وعطاؤها ونفعها لذاتها وللإنسانية جمعاء. وهذا لا يعني بأنه يقول بترك العمل السياسي جملة، إنما يرى أنه ينبغي أن يخصص للعمل السياسي القدر الذي لا يؤثر على أدائنا الدعوي. وهو لا يمل من التذكير بأن الهم السياسي ينبغي أن يكون جزءً من عملنا، لا كل عملنا. عملنا الأساس ينبغي أن يبقى دائما وأبدا مع الناس، مع الشعب ووسط الشعب. فإذن ليست هناك أي مفارقة. وقد كنت قبل قليل سألت عن أوجه الاختلاف والتلاقي مع الأحزاب السياسية ولعل هذه نقطة من نقط أساسية أخرى توضح لك طبيعة مشروعنا وبعض الخصائص المميزة له.

سؤال:

حسب مصادرنا، علمنا أن الدائرة السياسية ستفتح أبوابها ليس فقط لأعضاء جماعة العدل والإحسان، وإنما لكل ذي مروءة يحمل غيرة لهذا البلد. لكن وبعد مدة أزيد من سبع سنوات من تأسيس الدائرة السياسية لم ينخرط فيها سوى أعضاء جماعة العدل والإحسان. لماذا عدلتم عن هذا المقترح؟ وهل هذا تخوف من أن يسحب من تحت أرجلكم بساط تسيير الدائرة السياسية؟

جواب:

بالفعل لقد جاء في الورقة التأسيسية للدائرة السياسية أنها ستنفتح ليس فقط على أعضاء الجماعة العاملين بها، ولكن أيضا على العاطفين وكل من أبدى استعدادا للانخراط في هذا المشروع. ولكن ظروف القهر والتسلط والحصار الذي تعانيه الجماعة جعلتنا نعيد النظر في هذا البند، ونقتصر في الظروف الحالية على من لهم ولاء كامل للجماعة، وفضلا عن ذلك ينبغي ألا ننسى أن الدائرة السياسية هي مؤسسة من مؤسسات جماعة العدل والإحسان وينبغي أن تبقى كذلك.

سؤال:

عندما أقدمت جماعة العدل والإحسان على تأسيس الدائرة فصلت بين الدعوة التي جعلتها من اختصاص التنظيم والقضايا المتعلقة بالدولة التي جعلتها من اختصاص الدائرة السياسية. فهل هذا الفصل سيخدم الدولة كما تتصورها العدل والإحسان؟ وأين يتجلى ذلك؟

جواب:

ليس ثمة فصل، وإنما هناك توزيع مهام وترتيب تنظيمي ومؤسساتي يسعى أن يكون متناغما مع طبيعة دعوة الإسلام، جاهدا للتجاوب مع أهدافها، كل أهدافها، لا نركز على إحداها ونهمل الأخرى. ومن البدائل المعلومة لدى العقلاء أن الإنسان لا يمكن أن يقوم بكل المهام المطلوبة وعلى الوجه المرجو. لذلك كان لابد من عمل جماعي ولجان ومؤسسات لتقوم كل واحدة على ثغرة من ثغور العمل الإسلامي تربية وتنظيما وزحفا. إن الأسماء تشوش أحيانا على المضامين وما ينبغي لها. فالأمر أشبه بالجسد الواحد، كل عضو فيه يقوم بمهمة معينة لكن في تكامل وتناغم مع بقية الأعضاء.

سؤال:

ألا تعتقدون أن العمل وبهذا الأسلوب يقتضي شروطا ليس من السهل توفرها؟

جواب:

صحيح ولذلك نلح إلحاحا شديدا على العمل التربوي ونبذل جهودا نرجو أن تكون موفقة من أجل تجويد أدائنا، وتوفير الآليات ليتأتى لأطرنا وكفاءاتنا المساهمة الفعالة. ومهما يكن قد تحقق من إنجازات مهمة في هذا المجال، فإن القناعة من الله حرمان، وما زلنا نرى أننا بحاجة لمواصلة الجهود ومضاعفتها ليكون أداؤنا أحسن، وملبيا للتصور الذي تتبناه الجماعة.

سؤال:

نعلم أن اللعبة السياسية لها مزالقها التي قد تفقدكم مصداقيتكم. كيف ستدخلون المعترك السياسي دون أن تخدشون؟ مع العلم أنكم انتقدتم حزب العدالة والتنمية عندما دخل اللعبة السياسية. فهل تملكون الآليات التي تقيكم من هذا الانزلاق وما هي؟

جواب:

لاشك أن للعمل السياسي مزالقه وأخطاره، وأكبر أخطاره فساد النية، أي عوض أن يكون العمل في سبيل الله والمستضعفين، يكون سعيا وراء مكاسب مادية أو معنوية. ولا مصيبة أعظم من المصيبة في الدين التي قد يترتب عليها ضياع الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، والعياذ بالله. لذلك أكرر مرة أخرى بأن التربية عنصر مركزي في منهاجنا وتصورنا، ولا نعتبرها إطلاقا مسألة شخصية، كما يتصور البعض، أو ثانوية يسع المرء التفريط فيها. فالتربية في تقديرنا هي صمام الأمان. وليس معنى هذا أننا بصدد تخريج ملائكة، لكن التفريط فيما لا سبيل إلى صلاح الإنسان إلا به أمر في غاية الخطورة. والعملية في نظرنا مستمرة ولا ينبغي لها أن تنقطع أبدا، إذ ليس ثمة إنسان مؤمن يمكن أن يزعم أنه في غنى عنها أو لا حاجة له بها. فضرورتها كضرورة الماء والغذاء والهواء.

أما قولك بأننا قد انتقدنا حزب العدالة والنتمية لأنهم دخلوا المعترك السياسي، فهذا ليس صحيحا، إنما موقفنا وانتقادنا هو للشروط الموضوعة للعمل السياسي باعتبارها شروطا مذلة ومقلصة لهامش الحرية من أجل المبادرة والمساهمة الفعالة إلى الحد الذي حوّل المؤسسات القائمة، برلمانية وغيرها، إلى مؤسسات صورية ليس إلا. فهذه هي نقطة الخلاف. وعلى كل حال فلكل اجتهاده وتقديره، ونحن نحترم اجتهاد إخواننا كما نحسب أنهم يحترمون اجتهادنا. ويبقى أن الممارسة الميدانية والزمن كفيلان بتبيان الخط الأقرب إلى الصواب والأكثر تحقيقا لمقاصد الشريعة ومصالح العباد المعتبرة.

سؤال:

لنفترض أنكم في دواليب السلطة، أو تحقق حلمكم في تولي الحكم، ما هي الأسس الديداكتيكية التي تستند عليها الدولة في منظور العدل والإحسان؟

جواب:

سؤالك هذا يندرج فيما يسميه بعض الفقهاء بفقه الاحتمال. وأحسب أن الخوض فيه قليل الفائدة، أو يحيل الكلام، في نظر البعض على الأقل، إلى جملة من المثاليات ليس إلا. ثم إنه ليس هو السؤال المطروح اليوم. السؤال المطروح هو حول البدايات. من أين نبدأ؟ وكيف يكون التحول من نظام سياسي يهمش الفرد ويقصيه من مجال الفعل البناء، والمساهمة في تقرير مصيره، وحقه المشروع في أن يستفيد على قدم المساواة من خيرات بلاده. هذا هو السؤال: كيف التحول من نظام يضفي على نفسه صفات الألوهية إلى نظام إنساني للبشر ومن أجل البشر، يكون الحكام فيه كغيرهم من الناس يخطئون ويصيبون، وبالتالي يحاسبون أمام الشعب، إذ لا مسؤولية بدون حساب. والله عز وجل هووحده الذي لا يسأل عما يفعل. أعتقد أن هذا السؤال المطروح على المغرب اليوم وبإلحاح، وأحسب أن الظروف الراهنة لم تعد تحتمل السكوت عنه أو تأجيله إلى ما لا نهاية.

سؤال:

وما هي البداية التي تقترحون أنتم؟

جواب:

نحن اقتراحنا معروف، وقد عبرنا عنه غير ما مرة وفي أكثر من مناسبة. نحن نقترح التلاقي حول ميثاق إسلامي أو وطني سميه ما شئت، تشارك في صياغته كل الأطراف المعنية بشأن هذا البلد، دون إقصاء أي أحد، ميثاق يؤسس لبداية صحيحة ومرحلة جديدة تقطع مع ماضي الجور والفساد والظلم، ويرتب لصياغة النظام السياسي صياغة جديدة يمكن أن تحظى بقبول ورضا كل المغاربة. ومن ضمن هذه الترتيبات جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا ثم يكون العمل على تهييء الظروف المناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعبر فيها صناديق الاقتراع بكل شفافية عن اختيارات الأمة. هكذا نتصور إجمالا البداية الصحيحة وإلا سنبقى نراوح مكاننا لا نتقدم خطوة، بله خطوات، بل إن الأوضاع ستزداد سوءً ومحن هذا الشعب ستستفحل لتنفجر، لا قدر الله، في كوارث لا يعلم عاقبتها إلا الله جل وعلا.

سؤال:

أنتم تتحدثون عن ميثاق وطني تجتمع فيه القوى الحية من أجل خلاص البلاد ، ولاتشترطون في تلك القوى سوى الالتقاء على أرض الإسلام ، فكيف يتم التنسيق بينها مع وجود اختلاف راديكالي في الأسس والمنطلقات؟

جواب:

مهما يكن من اختلاف، فنحن نعتقد أن هناك مساحات مشتركة ، ومن بينها وأهما كون الجميع يقولون إننا مسلمون، بمعنى أن الإسلام اليوم وغدا وكما كان دائما يحظى برضا وقبول الجميع . وهذا شيء مهم جدا . ما عداه، فإن الحوار الهادئ وتغليب المصلحة العليا للبلاد كفيلان بالتوصل إلى نقط جامعة كثيرة ، وفضلا عن ذلك فإن الناس عادة عند الأزمات تتقارب رؤاهم مثلما قال القائل إن المصائب تجمع المصابين. فالأخطار الهاجمة والتحديات المحيطة تدفع العقلاء لإعادة النظر في أولوياتهم والتركيز على القضايا التي لا تتحمل التأجيل. من هنا نرى أن الاقتراح الذي نتقدم به واقعي وعملي، والتجربة عاشتها أمم أخرى كثيرة مثل إسبانيا وغيرها ، ويمكن الاستفادة منها.

سؤال:

في مقابل تنظيركم لثنائية الدعوة والدولة، هناك تنظيمات سياسية تعتمد على الفصل الكامل بين الدين والسياسية وتنتقد الثنائية التي تعتمدونها في إقامة مشروع دولة العدل والإحسان، مدعية أن رقابة رجال الدعوة للحكومة سيفرز هيمنة صارمة تضرب في عمق العمل الديمقراطي الذي يعتبر من أنجع الأساليب السياسية لخلاص الشعب المغربي من أزماته. كيف تردون على ذلك؟

جواب:

إن كانت هناك تنظيمات سياسية تعتمد الفصل التام بين الدين والسياسية فذلك شأنها، يعنيها لا يعنينا. فمن كان يصر على تبني اختيار يخالف في الصميم هوية الشعب المغربي المسلم وعقيدته وحضارته، فهو وما اختار. والمجال أمامه مفتوح لإقناع الناس بتصوره إن استطاع. ويبقى الحسم في النهاية للشعب المغربي الذي يقرر بشأن الاختيار الذي يلائمه. وفي تصورنا فإن الخلاص الذي يلائم الشعب المغربي والأمة الإسلامية جمعاء هو الإسلام، ولا شيء غيره. هذه حقيقة يؤكدها الواقع والتاريخ والتجارب المريرة التي عانتها أمة الإسلام ولم تجن من ورائها إلا الدمار والتمزق والإخفاقات المتتالية. بل حتى أعداء الأمة أنفسهم أصبحوا مقتنعين بها، ومن ثم لا يدخرون وسعا في تدبير المؤامرات والمكائد لإبعاد المسلمين عن دينهم وصدهم عن سبيل الله . ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

سؤال:

هناك معارضة شديدة من قبل بعض الإطارات السياسية والعرقية لمشروعكم، مفادها أنكم تستغلون الدين للوصول إلى الحكم السياسي مردهم في ذلك أنها منهجية قديمة سلكت منذ قرون، فلا يمكن أن تعيدوهم إلى قرون خلت، ما ردكم؟

جواب:

ليست لدينا أي رغبة في أن نفرض مشروعنا على أحد. ومن كان يرى غير ما نرى فذلك حقه المشروع، لكن الذي ليس من حقه هو أن يتهم من دون بينة أويصادر اختيارات الآخرين أويحاكم نياتهم. وردي باختصار هو أن من كانت بضاعته ممجوجة، ورؤيته كسيحة، فلا ينبغي اللجوء إلى اتهام الآخرين ظلما وعدوانا ليبرر فشله أو ليبحث عن مصداقية ضائعة. فإن هذا لا يغني شيئا. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.