“إن مشاكل العصر وتشعب مهماتنا، ومخلفات النقل، واختلاف الإرادة والعقل، لا ينهض لها مجتهد واحد ولا أفراد مجتهدون، لابد من اجتهاد جماعي. لابد من مجلس للاجتهاد”. عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي ص 219.

الاجتهاد والتجديد:لا يكاد ينفك أمر التجديد عن الاجتهاد المطلوب، فالاجتهاد من طرق التجديد لأمر هذا الدين، كما يدخل في أمر تجديد الدين عندنا توضيح ما أبهم الجهل من تعاليمه، وتمكين ما زحزح التهاون من أمره، وحسن الربط بين أحكامه وبين ما تحدث الدنيا من أقضية، وتنزيل أحوال الحياة المتغايرة على مقتضيات القواعد العامة والمصالح المرسلة.

ولا ينبغي أن يفهم أحد أن تجديد الدين يعني تسويغ البدع، ومطاوعة الرغبات، وإتاحة العبث بالنصوص والأصول لكل متهجم.

غير أن مجموعة من الناس درجت في هذه الأيام على إثارة لغط غريب حول إمكان ما يسمونه تطوير الدين وجعل أحكامه ملائمة للعصر الحديث.

وهنا تطرح السؤال الملح على زمرة من المتغربين: هل مسخ التعاليم الإسلامية للتوافق مع الرغبات الأمريكية والصهيونية هو تجديد للإسلام أم هو تمهيد لإقباره والتعفية على آثاره؟!

إن تجديد الإسلام هو إحياء علومه والكشف عن جوهره كما نزل من عند الله، وتجديد الإسلام هو هداية الفطر أن تلمح بريقه، وتأخذ طريقه، وتصون حقوقه بدافع من الحب والرضا والاقتناع.

تجديد الإسلام هو إحكام الصلة بينه وبين قافلة الحياة، لا ليلاحق سيرها فحسب، بل ليشرف على هذا السير، ويهيمن على اتجاهاته، وبذلك يكون الزمام لهدايات الرحمان، لا لهزات الشيطان.

وتجديد الإسلام ليس نقل الدين منذ سنين طويلة بالمسلمين إلى هاوية أعمق؛ إذ تحولت إلى عصبات طائفية متحاقدة يصحبها قدر كبير من جمود الذهن وبلادة العاطفة وسوء العشرة.

وقد توقف الاجتهاد في شرائع المعاملات وأنحاء الحياة المدنية توقفا جر على الإسلام كوارث مهولة، ونظن ذلك الجمود نشأ عن الانفصال بين العلم والحكم، عن الفجوة الرهيبة بين الدولة الإسلامية والدعوة الإسلامية.

الاجتهاد من أجل الاجتماع:الاجتهاد لغاية شريفة هي جمع شتات المسلمين، ولا يتم إلا باجتماعهم، فالاجتهاد لا يكون إلا بالاجتماع العقلي والعلمي، ويقصد إلى تحقيق الاجتماع الروحي والسلوكي، فلقد جاء الأمر الإلهي للأمة أن تكون مجتمعة فلا تتفرق، متحدة فلا تختلف، وجاء الأمر الإلهي بأن يكون اعتصامنا بالله تعالى وحده لا شريك له وبكتابه ودينه، فلا نعتصم بأحد من البشر، ولا بأية قوة من القوى، ولا بشرق أو غرب، وإنما نعتصم بحبل الله، قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران /103، فأمر الله تعالى أن نعتصم بحبله، أي بدينه وكتابه لا بشيء آخر وألا نتفرق.

وبين رب العزة سبحانه أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، فلا يصح أن نفرقها أو نمزقها إلى أمم وكيانات صغيرة، فقال جل شأنه: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة) المؤمنون / 52، ونهى القرآن الكريم عن التنازع لما يترتب عليه من الفشل وذهاب القوة، فقال الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم) الأنفال / 46، وقال الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء / 92.

وبين رب العزة سبحانه أن الذين يفرقون دينهم، ويصبحون شيعا ليس الرسول منهم في شيء، أي أنهم لا ينتسبون إليه، لأنهم يفرقون الأمة، فقال الله تعالى: “إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء” الأنعام / 159.

وحذر القرآن الأمة ونهاها عن اتخاذ العلم وسيلة للاختلاف والفرقة، بسبب حسد بعضهم لبعض وبغض بعضهم لبعض، كما حدث لأهل الكتاب قال الله تعالى: “وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم” آل عمران / 19.

ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف، مخافة ما يترتب عليه من اختلاف القلوب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تختلفوا فتختلف قلوبكم” (1).

وقص القرآن الكريم موقف سيدنا هارون عليه السلام، مما فعله السامري عندما صنع عجلا من الذهب وقال للقوم: “هذا إلهكم وإله موسى” طه / 86، فقام هارون عليه السلام يدعو بالحكمة موضحا لهم أن ربهم الرحمان، ودعاهم أن يعبدوا الله وحده كما قال تعالى: “ولقد قال لهم قارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمان فاتبعوني وأطيعوا أمري” طه / 90 ولكنه لم يشدد عليهم في الإنكار، بل دعا القوم بالحكمة، مخافة الفرقة والاختلاف، وما تجر الفرقة إليه من شرور، وانتظر هارون أخاه موسى حتى جاء فلما رأى موسى أن القوم عكفوا على عبادة العجل، وجه اللوم الشديد لهارون، فكان اعتذار هارون ما حكاه القرآن الكريم في قول الله تعالى: “يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي” طه / 92.

ما ينبغي توفره في أهل الفتيا والاجتهاد:قال ابن القيم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما..

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله تعالى الذي حكم به في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر .. فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله .. كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه. وكما توصل سليمان عليه السلام بقوله: ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما، إلى معرفة عين الأم.. وكما توصل أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك .. إلى استخراج الكتاب منها .. إلى أن قال: ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا .. ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم” (2).

ومما ينبغي تجنبه: تبرير الواقع: والمراد بتبرير الواقع، إضفاء الشرعية على الواقع السيئ، الذي صنعه غير المسلمين بقصد إرضاء عامة الناس أو السلطان. وينبغي أن نفرق بين تبرير الواقع والتيسير على الناس، في أمر دينهم القائم على الاجتهاد العلمي المنضبط بقواعد سليمة، واستنباط صحيح، لأن التيسير على الناس مقصد شرعي دلت عليه الآيات والأحاديث بخلاف تبرير الواقع. وهنا أشير إلى أهمية الفرق بين التساهل والترخص، فالتساهل قد يفضي إلى فك عرى الدين، أما الترخص فهو الفقه على قول الإمام سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد).

الاجتهاد الجماعي هو الحل:يقول الدكتور محمد عمارة معرفا عملية الاجتهاد بأنها: “عقد قران بين روح الشريعة ومقاصدها وبين الواقع المتطور والمصالح المتجددة” (3)

والاجتهاد اليوم مع تعقد الواقع واتساع المعمور، وتباين أحوال الناس، وتشتت المسلمين لا شك يحتاج إلى اجتماع وهو ما نسميه بالاجتهاد الجماعي، فقد تغيرت الأحوال في الجهتين، جهة الحياة فأضحت معقدة، وجهة الثقافة الموسوعية فقد توضحت معالم التخصصات الدقيقة، فلم يعد بإمكان المجتهد الفرد أن يلم بحقائق الأشياء وحده.

وأمام كل ذلك كان لابد أن يتخذ الاجتهاد الإسلامي أسلوبا جديدا ليلبي احتياجات هذا الواقع الجديد، فأهل الذكر لم يعودوا هم الأفذاذ من علماء الشريعة وحدهم، وأصبح الاجتهاد يتطلب أن يشمل خبراء الدنيا التطبيقية بجانب علماء الدين، وأن تتبلور المؤسسات الفكرية التي تجمع الخبرات في علوم الدين والدنيا معا ليعود للاجتهاد تألقه، ملبيا احتياجات الناس مع مراعاة الواقع المتجدد (4)، وهذا المنهج لا يتحقق إلا في الصلة العلمية المتينة بين الخبرة العلمية التشريعية والخبرة العلمية التطبيقية والتنفيذية.

وهنا يتجلى مبدأ من مبادئ الإسلام العظيمة، ألا وهو مبدأ الشورى، حيث إن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، مهما ارتفع شأنه في المعرفة، وعلا كعبه في العلم، فعند اللقاء الشوري [على مائدة وطاولة البحث] قد يلمح شخص جانبا في الموضوع لا ينتبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطا كانت خافية، أو تحلى أمورا كانت غامضة، أو تذكر بأشياء كانت منسية، وهذه من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي دائما، عمل الفريق، أو عمل المؤسسة، بدل عمل الأفراد. يؤكد ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة؟ قال: “اجمعوا له العابدين  أو قال العالمين- من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد” (5).

وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم، فيقولون قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به(6).

وكان عمر يفعل ذلك  يقصد مثل ما كان يفعل أبو بكر- فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء، قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به(7).

وعن الزهري قال: (كان مجلس عمر مغتصا عن القراء شباب وكهولا، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه، ولكن الله تعالى يضعه حيث يشاء) (8).

ونقل عن عثمان بن عفان أنه كان إذا جلس حضر أربعة من الصحابة، فاستشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه (9) ونقل مثل ذلك عن علي بن أبي طالب.

وشهدت فترة حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز محاولة استرجاع للعمل بفكرة الاجتهاد الجماعي، وتنقل كتب السيرة عنه أنه: لما ولي أمر المدينة، نزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم عروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عيينة، وأبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو بكر بن سليمان، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر، وخارجة بن زيد، وهم إذّاك سادة الفقهاء، فلما دخلوا عليه أجلسهم، ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم (10).

إن الاجتهاد الجماعي سبيل بلا شك لرتق ما انفتق من دين الله على أن يتحرر العلماء المجتهدون من إسار الخوف من السلطان وأن يتجردوا في نظرهم إلا من الحق الذي لا يعلى عليه، وأن يضعوا كل ولاء تنظيمي وحزبي جانبا إلا ولاؤهم لدين الحق، وأن يشمل بحثهم في فقه الأمة ما هي أحوج إليه في شؤونها التعبدية والسلوكية، وأيضا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

الهوامش:

(1) رواه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الصلاة الحديث رقم 654.

(2) ابن قيم الجوزية  إعلام الموقعين 1/87.

(3) جريدة البيان الإماراتية، السبت 9 رمضان 1422 الموافق 24 نوفمبر 2001م.

(4) ينظر عبد المجيد السوسوة الشرفي، الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلام، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، طبعة أولى 1998م، ص 46.

(5) أخرجه الخطيب البغدادي من رواية الإمام مالك، ورواه الطبراني في الأوسط كما قال ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، 2/54، قال الهيثمي: رواه الطبراني في معجم الأوسط رجاله موثقون من أهل الصحيح.

(6) نقله ابن القيم عن أبي عبيد في كتاب القضاء، كما في إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت طبعة 1973م، 1/62 وما بعدها.

(7) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم: تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت طبعة 1973م، 1/62 وما بعدها.

(8) كنز العمال، كتاب العلم من قسم الأفعال، باب فضله والتحريض عليه، (29354).

(9) ينظر ابن رضوان المالقي، الشهب اللامعة في السياسة النافعة، دار الثقافة، الدار البيضاء طبعة 1984م، 145 وما بعدها.

(10) ينظر زكريا البري، الاجتهاد الجماعي في الشريعة الإسلامية، أبحاث مؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، سنة 1396هـ، ص 256.