لقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم التاسع والعشرين من نونبر من كل عام يوما للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني لتمكينه من ممارسة بعض حقوقه التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة، وبالأخص الفقرتين 1 و2 من القرار 3236، واللتين تؤكدان على أن حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين غير قابلة للتصرف، وخصوصا الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها.

يتضامن العالم إذن في مثل هذا اليوم مع الشعب الفلسطيني المجاهد الصامد، ويسانده في كفاحه العادل من أجل الحرية والكرامة والاستقلال. فلطالما حاول الصهاينة إبادة الشعب الفلسطيني ومحو وجوده من خريطة العالم إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، واستطاع الشعب المقدام بفضل الله أن يصمد أمام الغطرسة الصهيونية، وقدم الآلاف من الشهداء وتضحيات جسام في سبيل تحرير أرضه، فأثار انتباه العالم، وفرض حضور قضيته في كل المحافل إقليميا ودوليا حتى إن الجمعية العامة قررت في 10 نونبر 1975 إنشاء لجنة معنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف.

حقوق لا يمكن فهمها إلا بمعرفة تاريخ الصراع والاغتصاب الذي تعرضت له فلسطين. فقد كان الصهاينة مجرد عصابات هجرها الجيش البريطاني إلى فلسطين، ثم ما لبث أن وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور بالموافقة على إنشاء وطن قومي لليهود على هذه الأرض المباركة التي بارك الله فيها للعالمين، فبنيت لهم معسكرات واستوطنوا أرض فلسطين واستعمروا مدنها وقراها ومزارعها، ثم هجروا أهلها واضطهدوهم، وأضحوا هم أهل الأرض وأصحاب الحق، فتحقق حلمهم في إقامة دولتهم. وتحول الفلسطينيون إلى لاجئين ومشردين. وجاء قرار الأمم المتحدة رقم 281(2) سنة 1947 المعروف بقرار التقسيم ليكرس هذا الظلم والمأساة بدعوته إلى قيام دولتين مستقلتين: دولة يهودية ودولة عربية. وفي سنة 1948 تم الإعلان رسميا عن اغتصاب أرض فلسطين. ومنذئذ والعدو الغاشم يخوض الحروب، ويشرد ويقتل الأطفال، ويدمر البنيان، ويقطع الأشجار. انتهاكات صارخة، واعتداءات يومية قابلها الشعب المقدام بالمقاومة والتضحية، فأثار انتباه الضمائر الحية وفضلاء العالم فنهضوا يستنكرون وينددون بجرائم الصهاينة. وكان يوم التضامن العالمي المحتفى به سنويا من بين تلك المحطات التي تعلن فيها شعوب العالم عن دعمها ومساندتها للشعب الفلسطيني في كفاحه العادل.

فيوم التضامن العالمي هو يوم للتأكيد على استمرارية العدوان الإسرائيلي. وهو يوم للتعريف بمعاناة أبناء فلسطين. وهو أيضا يوم للإقرار بأهمية الانتفاضة والمقاومة وضرورة استمرارهما.

يحل يوم التضامن وفلسطين تمر بظروف عصيبة ومصيرية، فأبناء فلسطين لا يكافحون من أجل الاستقلال فقط، وإنما أيضا من أجل البقاء. إنهم يتعرضون لإبادة جماعية ولكل أساليب التنكيل من حصار وتجويع، وتدمير للبيوت وقصف للمنشآت، وتقتيل للرجال والنساء والأطفال تحت مرأى ومسمع العالم، وبحماية وتأييد أمريكي، وتواطؤ عربي رسمي حيث التزمت الأنظمة العربية الحاكمة الصمت، وهرولت نحو التطبيع، وفتحت أبوابها وبلدانها أمام الخبراء والمنتوجات والاستثمارات الصهيونية، وأبرمت من أجل ذلك عقودا وصفقات سرية وعلنية.

يأتي هذا اليوم العالمي وأبناء فلسطين بين لاجئ ومحاصر وأسير. فثلث الشعب يعيش لاجئا، وجزء آخر منه يعيش محاصرا داخل جدار الفصل العنصري غير الشرعي. جدار شدد الخناق على إخوتنا في فلسطين، وزاد من حدة مأساتهم. جدار اعترض على إقامته العالم، وأقرت بلا مشروعيته محكمة العدل الدولية، لكن العصابات الصهيونية أبت إلا أن تستمر في بنائه مزدرئة بكل النداءات والقرارات الدولية سندها في ذلك دعم أمريكي لا محدود ولا مشروط.أما الباقي، أزيد من 7000 فلسطيني، فهم أسرى وأسيرات في سجون الاحتلال من بينهم الأطفال والنساء والمرضى والجرحى، وهم عرضة للتعذيب والإذلال والإهانة، ويعيشون في ظروف لا إنسانية تتنافى وأبسط قرارات وأحكام القانون الدولي مما دفع بهم إلى شن إضراب عن الطعام من أجل الكرامة والحرية قوبل بالاعتداء واللامبالاة.وأعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي رسميا أمام الملأ معربا عن الوجه الحقيقي للصهاينة وما جبلت عليه نفوسهم من تعطش للدماء فقال بكل وقاحة: “لا يهم إن دام الإضراب عن الطعام يوما أو شهرا، كما أنه لا يهم إن مات بعض أو كل المضربين جوعا، فلا أحد سواء بالنسبة لي، أو بالنسبة لرئيس الوزراء أو للحكومة، أو لإدارة السجون مستعد للتنازل لهم قيد أنملة”.

ورغم هذا الوجه البشع للصهاينة فهم يحاولون دائما تحسين صورتهم أمام الرأي العام و المنتظم الدولي، وتقديم أنفسهم على أنهم ضحية للاعتداءات الفلسطينية، وأهل سلام يبادرون ويتنازلون وينسحبون وغيرها من الخدع التي قد تنطلي على جزء هام من الرأي العام العالمي. وهو ما يؤكد حاجة الفلسطينيين إلى سند وتضامن أكبر من أي وقت مضى. تضامن تتضافر فيه جهود الغيورين والفضلاء وشعوب العالم وتتوحد وتدعم القضية الفلسطينية العادلة فعليا من خلال ما يلي:

أولا: تنويع أشكال الدعم والمساندة لجهاد الشعب الفلسطيني وكفاحه ونضاله العادل، وعدم الاقتصار على الوقفات والمظاهرات والتظاهرات الثقافية على ما لذلك من أهمية بالغة، فلا بد من استخدام أساليب أكثر نجاعة من قبيل تشكيل لجان دعم فعلية على جميع المستويات، وتأطير وتوسيع التأييد والتضامن العالميين وكسب متعاطفين جدد. واعتماد مختلف وسائل الإعلام لفضح الممارسات والانتهاكات الخطيرة اليومية في الأراضي المحتلة، وإبراز معاناة ومأساة الفلسطينيين، والتعريف بالانتفاضة والمقاومة والتجاوب معهما وتجنيد وحشد دعم المجتمع الدولي لصالحهما، وتصحيح ما يروجه الصهاينة من أكاذيب لتشويه الجهاد الفلسطيني العادل، والرد على كل الادعاءات والدعايات الصهيونية التي ترمي إلى تجريد الشعب الفلسطيني من التعاطف والدعم الدوليين.

ثانيا: العمل على عودة اللاجئين الذين هجروا من بلادهم منذ 1948 وفق ما قررته الجمعية العامة في قرارها رقم 194 لعام 1948. وفي انتظار تحقيق ذلك ينبغي الوقوف بجانبهم وتوعيتهم بحقوقهم، وتعبئتهم للنضال والدفاع عن قضيتهم كل من موقعه، ومساندتهم ماديا ومعنويا لتحسين حياتهم المعيشية.

ثالثا: ضرورة دعم ومساندة الأسرى الفلسطينيين، وتشكيل لجان حقوقية خاصة ورسم خطوات إجرائية، وأنشطة موازية على مدار السنة تدعم حق الأسرى في الحرية غير المشروطة، وتحسين ظروفهم المعيشية، وفضح التعذيب والاعتداءات التي يتعرضون لها. والضغط على الصهاينة لمعاملتهم كأسرى حرب وفق ما هو مقرر في القانون الدولي.

رابعا: العمل على إزالة جدار الخزي والعار، ومنع الاعتداءات التي تستهدف القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، والرفع من وتيرة الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية لانتزاع الحد الأدنى من الحقوق المسلوبة.

خامسا: يوم التضامن مناسبة لتجديد الدعوة إلى مقاطعة كل ما له علاقة بإسرائيل من قريب أو بعيد. وبلورة موقف موحد على المستوى الإقليمي والدولي لإجبار الحكومات والمؤسسات الرسمية على إلغاء كل أشكال التعاون والتواصل مع العدو الصهيوني.

سادسا: إن الشعب الفلسطيني في أمس الحاجة إلى تضامن داخلي، فلسطيني فلسطيني،يتجاوز به التمزق والصراع الداخلي والاحتكام أحيانا إلى لغة السلاح الشيء الذي يراهن عليه العدو ويوظفه ضد القضية الفلسطينية العادلة. وهذا يتطلب توفير المناخ المناسب والأرض الخصبة التي يستثمر فيها الدعم العالمي، وإيجاد ميثاق وطني تلتف حوله كل مكونات الساحة الفلسطينية. تحدد فيه الثوابت غير القابلة للتنازل عنها، وما هو قابل للاجتهاد والاختلاف، وتؤسس على ضوئه خطوات جهادية ينال من خلالها الشعب الفلسطيني الاستقلال، وينتزع حقه في البقاء والحرية والكرامة.

وفي الأخير لا يسعني إلا أن نشكر ونحيي كل شعوب العالم المتضامنة مع الشعب الفلسطيني الذي يتطلع إلى دعم ومساندة يرقيان إلى مستوى بشاعة الجرائم المرتكبة، والمعاناة اليومية المعاشة، والتضحيات الجسام المقدمة على أرض الواقع.

كما أتوجه بهذه المناسبة بتحية خاصة للشعب الفلسطيني الصامد، وفي مقدمتهم أبناء الانتفاضة والمقاومة الأبطال، والآلاف من الإخوة الأسرى والأسيرات القابعين في سجون الاحتلال، والأم المجاهدة الصبورة، والفتاة المؤمنة الثائرة، وأقول لهم من داخل زنازن المغرب الأقصى لا تقنطوا ولا تيأسوا فإن خذلتكم الأنظمة العربية الاستبدادية وتكالبت عليكم وتواطأت فإن الشعوب الإسلامية كلها وراءكم تساندكم وتحيي جهادكم المبارك. معكم كل الضمائر الحية في العالم يعلنون تضامنهم وتعاطفهم اللامحدود. وقبل هذا وذاك معكم الله عز وجل صاحب القوة التي لا تقهر، ناصر المستضعفين والمظلومين، وقاهر الجبارين والمعتدين. يد الله فوق أيديهم.

فقضية فلسطين أمانة في عنق كل أبناء الأمة الإسلامية والضمير العالمي. وواجبنا أن نعبئ العالم ونحشد كل الإمكانات المتاحة لمساندتها، ومد يد العون إلى إخوتنا في محنتهم، وشد أزرهم.

فاللهم انصر إخواننا المجاهدين في فلسطين. اللهم انصرنا على الصهاينة المعتدين. رد عنا كيدهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، آمين.

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

حرر بسجن فاس يوم 28/11/2005.