لا جدال في أن لانتفاضة الأقصى تأثيراً كبيراً في الاقتصاد الإسرائيلي. ومع ذلك لم تنعكس خسائـر إسرائيل الاقتصاديـة منذ اندلاع الانتفاضة في 28 أيلول/ سبتمبر 2000 سلبا على الشارع الإسرائيلي. فلا قامت معارضة محسوسة لسياسة حكومة ارييل شارون المتشددة ضد الانتفاضة، ولا الفلسطينيون كسبوا سياسيا جراء تصاعد تلك الخسائر بشكل مطرد.

على العكس، ازداد تأييد الناخبين الإسرائيليين لأحزاب اليمين الملتزمة سحق المقاومة، وانحسر تأييدهم لأحزاب اليسار الداعية إلى التهدئة ومعاودة المفاوضات مع الفلسطينيين. لماذا؟

إن دراسة الدكتور فضل مصطفى النقيب، أستاذ الاقتصاد في جامعة واترلو كندا (مجلة دراسات فلسطينية عدد ربيع2003) تعطي إحصائيات موثقة وتقديرات رصينة عن حجم الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية. ففي النصف الأول من عقد التسعينات من القرن الماضي كان معدل الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى6  5 في المئة بحيث أصبح متوسط دخل الفرد الإسرائيلي يقارب 18000 دولار اميركي سنويا، متفوقاً في ذلك على دخل الفرد الأسباني أو اليوناني. وفـي الأشهر التسعـة الأولى من سنـة 2000 ارتفـع معدل النمو الاقتصادي إلى8-7 في المئة، وهي نسبة عالية، يقول الدكتور النقيب، تذكّر بالفورة الاقتصادية التي عاشتها دول جنوب شرق آسيا قبل الأزمة الأخيرة.

مع اندلاع الانتفاضة في 28 أيلول/ سبتمبر2000 توقف النمو وأصبح في الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة سالبا بشكل قلّص معدل النمو لمجمل سنة 2000 إلى 6.4 في المئة، وقدر المصرف المركزي الإسرائيلي خسارة إسرائيل جّراء ذلك في حدود2 مليار/ بليون دولار. بعد ذلك استمر النمو السلبي للناتج المحلي الإجمالي حتى انحدر في نهاية السنة الماضية إلى ناقص 1,0 في المئة.

لتقدير الخسائر الاقتصادية لسنتي 2001 و2002 افترض النقيب أن معدل5 في المئة هو متوسط معقول لمعدل النمو الاقتصادي، فتوصل إلى أن خسارة إسرائيل الاقتصادية لسنة 2001 كانت 6 مليارات/ بلايين دولار ولسنة 2002 كانت 12.7 مليار/ بليون دولار.

هذه الأرقام عالية نسبيا، يقول النقيب، لكنها تتفق مع حجم الخسارة التي جاءت في تقارير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي التي قدرت خسارة الفرد الإسرائيلي بنحو2,9 في المئة من دخله لسنة 2001 قياسا بسنة 2000 ، و3 في المئة لسنة 2002 قياسا بسنة2001.

كذلك تراجع حجم التثمير أو الاستثمار في إسرائيل سنــة 2001 بمقدار2,6 في المئة ، وسنة 2002 بمقدار 8 في المئة. كما ارتفع معدل البطالة حتى وصل الى 10,4 في المئة سنة2002.

وانخفضت الهجرة إلى الكيان الصهيوني، حسب تصريح وزيرة استيعاب المهاجرين تسيبي لينفي بتاريخ 24/6/2003، انخفاضاً حاداً إذ وصل 7692 مهاجرا إلى إسرائيل خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية. حتى لو جاء ضعفا هؤلاء في الأشهر السبعة المقبلة، سيظل العدد أدنى بكثير من 35168 و44633 مهاجراً أتوا سنتي 2002 و2001، وقرابة 377 ألف مهاجر أتوا في سنتي الذروة1990 و 1991، وأكثرهم من الاتحاد السوفياتي السابق.

هل كل هذه الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية حدثت نتيجة الانتفاضة؟

كلا، ليس كلها، يقول الدكتور النقيب. فالانتفاضة اندلعت في الوقت الذي أخذ الاقتصاد العالمي يجنح نحو تباطؤ في النمو وبعض الكساد، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا. ومع ذلك فإن ثمة قنوات تؤثر فيها الانتفاضة بشكل مباشر في الاقتصاد الإسرائيلي، أبرزها(آ) تقليص مساهمة العمال الفلسطينيين في قطاعي البناء والزراعة. (ب) تقليص حجم الصادرات الإسرائيلية الىالضفة الغربية وقطاع غزه بحيث انخفض50 في المئـة في سنتـي 2001 و2002. (جـ) تقليص عدد السياح الشهري من 225,000 سائح خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2000 إلى 50000 سائح في نهاية سنة 2002 (د) زيادة الإنفاق العسكري بسبب الانتفاضة إلى نحو واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة. (هـ) تراجع الاستثمار بسبب أجواء عدم الاستقرار التي أشاعتها الانتفاضة إلى 2,6 في المئة سنة 2001 والى 8 في المئة سنة 2002.

خلص البروفسور النقيب في دراسته الموثّقة إلى أن الانتفاضة مسؤولة عمّا نسبته 48 في المئة من خسائر سنة 2001، ونسبة60 في المئة من خسائر سنة 2002. ثم جاء تقرير المصرف المركزي الإسرائيلي ليؤكد، بصورة غير مباشرة، تقديرات النقيب حول تأثير الانتفاضة في الاقتصاد الإسرائيلي إذ ورد فيه: “أن تحليل دائرة الأبحاث في المصرف المركزي يدل على انه بعكس ما حدث سنة 2001 عندما كانت الانتفاضة وأزمة صناعات التكنولوجيا العالية مسؤولتين بشكل متساوٍ عن خسائر الإنتاج، فانه في سنة 2002 كانت الانتفاضة هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من الخسائر”.

خسائر إسرائيل الاقتصادية كانت، إذا، كبيرة، ودور الانتفاضة في التسبب بهذه الخسائر كبير هو الآخر، فلماذا لم تقم معارضة محسوسة لحكومة شارون، ولماذا لم يكسب الفلسطينيون سياسيا من تصاعد الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية؟

لعل جزءا من الجواب عن هذا السؤال يكمن في الخسائر البشرية والاقتصاديـة التي تكبدها الفلسطينيون منذ اندلاع انتفاضـة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000 لغاية آخر سنة 2002. ذلك أن قسماً من خطة حكومة شارون لإخماد الانتفاضة تهدف، على ما يبدو، إلى إلحاق أكبر عدد من القتلى والجرحى في صفوف الفلسطينيين، وأعلى نسبة من التدمير في العمران، وأقسى نسبة من التفقير، وأعظم نسبة من الشلل الاقتصادي.

من جهة أخرى، وفي دراسة موثقة للدكتور سالم عجلوني، كبير المستشارين الاقتصاديين سابقـا لمكتب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط التابع للأمم المتحدة، نشرتها مجلة “جورنال اوف باليستنيان ستاديز” عدد ربيع 2003، تتضح الحقائق الآتية:

– في سنة 2000، أي بعد سبع سنوات على توقيع اتفاقات اوسلو وأكثر من خمس سنوات على إقامة السلطة الفلسطينية، أصبح مستوى دخل الفرد في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة وغزه) أقل بنسبة 10 في المئة من مستواه في مرحلة ما قبل اوسلو، وذلك بسبب عمليات الاستيطان، ومصادرة الأراضي والمياه، وتقييد حركة النقل والانتقال التي مارستها إسرائيل.

– انخفض إجمالي الدخل الوطني في الضفة وغزه من نحو 6,1 مليار/ بليون دولار في سنة 1999 الى5 مليار/ بليون في سنة 2001، أي بانخفاض يعادل 17 في المئة. وإذا ما احتسب هذا الانخفاض قياسا بنمو السكان فانه يصل إلى نسبة 23 في المئة في خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى من الانتفاضة.

– على أساس دخل الفرد، مع بقاء الأسعار ثابتة، كسب الفلسطينيون بمعدل40 في المئة اقل في سنة2002 قياسا بسنة 1999 ذلك أن انخفاض الدخل الوطني العام2 مليار / بليون دولار يعادل ثلث ما كان عليه الدخل الوطني سنة 1999.

– حتى آخر سنة 2002، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 1970 شهيدا، بينهم 370 طفلاً تحت سن الثامنة عشرة، في حين بلغ عدد الجرحى في الفترة ذاتها اكثر من 21000 شخص، وعدد المعتقلين نحو 15000 شخص.

– دمرت إسرائيل بين سنتي 2000 و2002 نحو 16000 منزل فلسطيني وألحقت أضرارا بنحو 14000 منزل الأمر الذي شرد نحو 95000 شخص، في حين قدر بيتر هانسن، مفوض عام وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، المنازل المدمرة في قطاع غزه وحده في الفترة ذاتها زائد الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية بـِ 1134 منزلا الأمر الذي أدى إلى تشريد نحو 10000 شخص (راجع مقالتـه في صحيفة “هيرالد تريبيون” تاريخ 23/6/2003)

– زادت نسبة البطالة بين الفلسطينيين من11 في المئة في سنة 2000 إلى أكثر من41 في المئة في الفصل الثالث من سنة 2002، علما أن نسبة البطالة في غزه وحدها زادت عن 64 في المئة خلال الفترة ذاتها.

– حسب أرقام البنك الدولي، ارتفع معدل الفقر الفلسطيني من 21 في المئة قبل اندلاع الانتفاضة سنة 2000 إلى60 في المئة في نهاية سنة 2002.

هذه الأرقام التي تتكلم وتتألم تشي بحقيقة ساطعة هي اعتماد إسرائيل خطة مبرمجة للتقتيل والتدمير والتفقير لإخماد انتفاضة الأقصى. فهل يمكن مقارنة الخسائر الفلسطينية الفادحة مع الخسائر الإسرائيلية الأقل فداحة نسبيا لتفسير عدم نشؤ معارضة سياسية إسرائيلية محسوسة للحرب الوحشية التي تشنها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني؟

لا شك في أن فداحة الخسائر البشرية والاقتصادية الفلسطينية تشكّل إغراء شديدا لحكومة شارون لمتابعة حربها الوحشية من أجل استئصال المقاومة الفلسطينية. كما أن استعداد الإسرائيليين لتحمل الخسائر البشرية والاقتصادية اللاحقة بهم كثمن لا بد منه للقضاء على المقاومة الفلسطينية وفرض شروط إسرائيل على الفلسطينيين يشكّل أيضا دافعاً آخر لتصلب حكومة شارون في سياستها الوحشية. لكن ثمة عوامل ثلاثة أخرى تدفع شارون بهذا الاتجاه هي:

– انعدام دعم العرب للانتفاضة حتى حدود العجز المطبق، مع الاستعداد الكامل لتقديم تنازلات قصوى لاجتناب ردود الفعل الإسرائيلية والاميركية الغاضبة.

– صعود جورج دبليو بوش وزمرة “المحافظين الجدد” إلى السلطة في الولايات المتحدة ومباشرتهما مشروعا امبراطوريا للهيمنة العالمية وإعادة تشكيل دول المنطقة العربية الأمر الذي صبّ في مصلحة إسرائيل.

– احتلال الولايات المتحدة للعراق وشعور شارون بأن ذلك سيعزز مركزه السياسي ويدعم حربه الوحشية على الشعب الفلسطيني.

ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا إزاء هذه الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة، والأخطار الهائلة، والتطورات السياسية والعسكرية غير الملائمة؟

ثمة حقيقتان يدركهمـا الفلسطينيون جيداً ويبنون في ضؤهما على الشيء مقتضاه. الحقيقة الأولى أن قدرة الشعب الفلسطيني على الاحتمال، رغم كل الـخسائر والأضرار البشرية والاقتصادية التي يعاني منها، هي اكبر وأصلب من قدرة الإسرائيليين. والحقيقة الثانية أن شارون وجماعات اليمين الإسرائيلي العنصري وهم الغالبية في الكنيست  مصممون على سحق قوى المقاومة، وتهويد تسعين في المئة من الضفة الغربية وقطاع غزه، ومنع قيام دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال بين النهر والبحر.

في ضؤ هاتين الحقيقتين لا يجد الفلسطينيون، ولا سيما أهل المقاومة في صفوفهم، سبيلا آخر غير القتال. انه قدرهم وفرصتهم في آن لتفادي السحق الصهيوني، ولاختيار الموت واقفين كالأشجار الشامخة إذا لم يكن من الشهادة مناص من أجل إبقاء جذوة المقاومة متقدّة.

ثم، من يدري… لعل الصمود سنة أخرى مع تصاعد المقاومة الشعبية في العراق، وازدياد المصاعب السياسية والاقتصادية الداخلية أمام كل من بوش وشارون يؤديان إلى تبدل الظروف والأحوال وحدوث تغيّر إيجابي في نظرة الاميركيين والإسرائيليين إلى الانتفاضة الصامدة والى جدوى قيام دولة فلسطينية مستقلة.

في مطلق الأحوال، إن وقف الانتفاضة والمقاومة هو في أحسن الاحتمالات شكل من أشكال الموت الرحيم. لكن، حتى هذا الشكل من الموت قد يضنّ به شارون وزمرته على الفلسطينيين.

ولعل هذا ما يحمل الفلسطينيين على الاستمرار في طلب الشهادة كالعبادة لئلا يموتوا بلا ثمن ولا كفن في زمن القهر والفساد والعفن.