بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا). اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفهما.

   قال نوح عليه السلام لقومه وهو يدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويُمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا).(سورة نوح، الآية: 10) فوعد بجزاء أرضي دنيوي على الاستجابة والاستغفار. وقال الله عز وجل مخاطبا هذه الأمة المحمدية: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تومنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب. وبشر المومنين).(سورة الصف، الآيات: 10-13) وجعل سبحانه من الأصناف الثمانية الذين يجوز أن تُعطاهم الزكاة المؤلفة قلوبُهم الحديثي عهد بالإسلام، يُعطاهم من متاع الدنيا ليثبتوا على الدين.

   هذه أدلة على أن الدعوة إلى الإسلام من أصولها تبشيرُ المومنين “بالأخرى” التي يحبونها، وإعطاء المسلمين الجدُد ليثبتوا، ومخاطبةُ الخارجين عن الدائرة من الجهة الحسَّاسة في حياتهم، جهة الأرزاق.

   فهل معنى هذا أن للدعاة أن يُطلقوا الوعود بالرخاء والوفرة وحلِّ المشاكل الاجتماعية كما تطلَقُ الوعود الانتخابية ؟ هذا ما سنرجع إليه قريبا إن شاء الله لنتبين فيه وجه الصواب، لأنه من الدين ولأن الخطأ في فهمه قد يجرُّ علينا زلة الأقدام. نعوذ بالله.

   كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم على فراش الموت فجاء رهط من قريش يَعودونه ويشكون إليه ابن أخيه محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، يردِّدُ أبو جهل مع قومه: “يا أبا طالب! ابن أخيك يَشتُم آلهتنا، يقول ويقول ويفعل ويفعل!” فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بجوار فراش أبي طالب مكان فارغ، فوثب أبو جهل فقعد فيه مخافة أن يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرِقَّ له أبو طالب. فلم يجد رسول الله صلى الله عليه مجلسا إلا عند الباب، ففرَّقوا بينه وبين عمه مناورة سياسية وحربا نفسية. فلما كلَّمه أبو طالب أجاب صلى الله عليه وسلم: “يا عم! إنما أريدُهم على كلمة واحدة تَدينُ لهم بها العرب، وتُؤَدي إليهم بها العجم الجزية”. الحديث رواه أحمد عن ابن عباس.

   هذا ملأ قريش في حَشدهم، خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطابا عاما “جماهيريا سياسيا”، لم يذكر فيه جزاء الآخرة ولا تكاليف الدين. عصبيَّة مجسَّدة وموقِفُ مواجهةٍ مباشرةٍ. لم يستجيبوا كما لم يستجب الملأ من قوم نوح عليه السلام لأنهم سمعوا الشرط الذي بالوفاء به “تدين لهم العرب وتؤدي لهم العجم الجزية”، وهو توحيد الله عز وجل بالعبودية، ومعنى ذلك تجريدهم هُمْ من كل ما يُكَوِّنُ سيادتهم وشرفهم على العرب. يعني ذلك تحطيم أنانيتهِم، وكسرَ أصنامهم التي كانت شبكة صيدهم ومناط حج القبائل إليهم.

   وبعدُ فإن ربط الدعوة بالبشارة والإشارة إلى الجانب الاقتصادي، وهموم المستضعفين، وقوام الحياة اليومية من خبز للجائع، وسكن للضاحي، وصحة للسقيم، وعمل للعاطل، ومدرسة للطفل، وعدل للجميع، ورخاء، وخصب، وراحة من المشاكل قناةٌ مشروعة لتبليغ الدعوة وتحبيبها للعامة. وإن الطرح الفكري للتصور الإسلامي في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم والتنمية والتصنيع والعلاقات الخارجية ومشروع المجتمع المنشود لَمِنَ المؤيدات القوية للدعوة.

   كثير من المسلمين البائسين المرزوئين تحت وطأة الحكم العاض والجبري ينتظرون كلمة الإسلام في المواضيع الحيوية ليطمئنوا على أن ما عندهم من رصيد ديني، محروز في الصدور محترمٍ في الصميم مهما كان السلوك الفعلي، لا يصطدم مع الواقع المعاشي ولا يُنكره ولا يُبعده، بل يتجاوب الدين مع الهم اليومي ويؤيد مطالب المحرومين. كثير من المبؤوسين تلعب بهم نقابات المساومة وأحزاب التضليل، فإن سمعوا كلمة الإسلام في شؤون الدنيا صادقة موصولة بما عندهم من اعتزاز بدينهم ومن بقايا تمسكهم الفعلي أو العاطفي المشتاق كادوا يكونون أشدَّ الناس حرصا على الإسلام الغالي الذي لا يقتصر على الوعظ الزاجر كما يقتصر إسلام “الدعاة” الذين قفزوا من الكتب العتيقة إلى المنبر، لم يحوموا حومة حول الواقع، ولم ينظروا إليه نظرة.

   يكاد المبؤوسون، عند سماع النداء المبارك من جانب هموم البطن والسقف والجيب، يكونون القاعدة الصلبة للدعوة يعقدون عليها الأنامل ويحملونها بالأذرع ويحمونها بالنفس والنفيس بعد أن يكتشفوا زَيْفَ الإسلام الرسمي وَزَيْفَ إسلام الأحزاب الدنيوية السياسية، إسلام الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يومرون.

   وكثير من المثقفين والمتعلمين لا اطلاع لهم على الدين، ما تعلموا عن الدين إلا ما بثَّتْه فيهم المدارس اللاييكية، وما كرهوا التدين إلا لما يرون من نفاق المنافقين. هؤلاء يكادون يدخلون إلى الدين من نوافذ الدنيا، ويكاد التعليم البصيرُ المعروضُ في أسلوب يألفونه ويفهمونه يجلبهم إلينا حين يقرأون تحليلنا للواقع، ونظرتنا إلى العالم، وعرضَنا للرأسماليةِ والطبقيةِ على كتاب الله وسنة رسوله نُفَنِّدُها ونستقبحُ الاستكبار والظلم، واقتراحنا للعدل الإسلامي وبره وإحسانه وأخوته نسوِّدُ باقتراحنا ومشروعِنا المعروضِ وجهَ الصراعية الماركسية اللينينية، ووسائلَنا، وهم الآن يقدرونها كل التقدير خاصة منذ ثورة إيران وانتصار جند الله في أفغانستان، لتعبئة الأمة وحيازة ثقتها وقيادة جماهيرها إلى التحرر والعزة والنصر.

   أصبح جمهور الأمة ساخطا على خطاب الطبقات المتوسطة المتعلمة التي تجيد صياغة الشعارات الرنانة الثورية لا تجيد شيئا غيرها إن لم يكن إجادتها لصنع الهزائم كما صنع عبد الناصر. وقَرِفَ المتعلمون من الإديولوجيات اليمينية واليسارية، أو يكادون، منذ أصبحت الدولة العظمى روسيا ترجع القهقرى، جهارا نهارا، من مثاليتها الثورية إلى واقعية تلهَث وراء الاقتباس السريع المباشر المنزوع الحياء من ليبرالية كانت بالأمس فقط هي عين الشيطان. قرفوا وملّوا منذ أصبحت الليبرالية تبصبص بذنبها فرحا لعودة غرباتشيف بالركب الضائع من قطار الغرب إلى محطته.

   هؤلائك المبؤوسون وهؤلاء المتعلمون يكاد ينفعهم وينفعنا أن نكلمهم، كلمة صدق، كلمةً نومن بها، عن الشرط الإلهي لنهضة من الكبوة، وكفاية من العوز، وعزة من الذل، وحياة من الموت.

   لكن فرق ما بين أن تبشر بصلاح دنيا المستغفرين وبين أن نقدم الإسلام على أنه “دليل للعمل الثوري” و”إديولوجية للتغيير الاجتماعي” و”تعبئة من أجل النماء والتنمية”. كالفرق بين العلم الراسخ والتزوير الماسخ.

   أما بعد فلا بد، بالإسلام وحدَه، بالإسلام كلِّه، من نهضة شاملة تتوزع فيها كل فئات الأمة التضحياتِ والفوائدَ والمسؤولياتِ، بعدل شامل ونيات أخوية صادقة. لنقُلْها صريحة صارخة أن الإسلام لا يضمن المصلحة العامة بإبقاء الغنيِّ على غناه والفقير على فقره. ولا يضمن مصالح الدنيا ولا مصالح الآخرة إن لم يحرر المستضعفين من تسلط المحتكرين المحليين ومن استطالة المستكبرين العالميين. لا يعني تسويدُ الإسلام وجهَ الصراعية العنيفة أن تقبل الدعوة الفوارق الصارخة بينَ ملاّك يحتوش الأرض، ورأسمالي يسخر القوة العاملة، وبين الفقراء المبؤوسين. ولا مناصَ للدولة الإسلامية، وهي في طريقها إلى المجتمع الأخوي، من كسر الحواجز وإعادَة القسمة وفرض الإنصاف. ما الرفق في ذلك حتى لا نكسر الآلة الاقتصادية فيستفْحِلَ البلاء؟

   لابد من أن تقود الدولة الإسلامية، بمراقبة الدعوة وشورى الكافة، عملية التنمية. التنمية في إطار نهضة شاملة هي بيت القصيد في أرجوزة السياسة. هي المثل السائر في نثر الاقتصاد. هي الكلمة المفتاح في حياة المجتمع.

   لابد في البداية من تربية الإنسان، إعادة تربيته، بعد انتشاله من وَهْدة التحقير والإهمال والاستغلال والتجهيل والتضليل الإعلامي والتسيُّب الأخلاقي. برنامجُنا للتنمية والتصنيع ينبغي أن يستهدف خدمة الإنسان، خدمة المومن السالك إلى ربه يحتاج في رحلته لزاد وراحلة. ثم إن لكافة الخلق من مائدة الرخاء الإسلامي نصيباً.

   مثل هذا الاقتصاد الهادف لا يمكن استيراد فلسفته، إن أمكن استيراد وسائله وآلته، ولا استلهام بِنيته وَجِرايَتِه من عندهم. بل يخرج من أحشاء الأمة، من عقول مفتوحة لها أبواب التعلم من تجارب الأمم، مفتوحة لها أبواب السماء وبركاتها.

   عند غيرنا تراكُمٌ مُذهل للخبرة، عندهم تفوق هائل في التكنولوجيا، عندهم رأس المال يحجبون عنا كل ذلك إلا بمقدار: فهُمْ قبل التحرير الإسلامي يمِدّون صنائعهم وأذنابهم من الحكام علينا الإمداد المشروط. وفي غد الإسلام هم حاجبو ذلك عنا عداءً أصيلا إلا أن نعرف كيف نتعامل بحكمةٍ وطمأنينة مع السوق العالمية ومع مصالحهم القومية التي نجد في تعارضها الطارئ أو القارِّ فجوةً لنستخلص بغيتنا من بين فرث ودم، توكلا على الله عز وجل.

   قال الشيخ الإمام عبد القادر رحمه الله: “يا غلام! قد تقيدت بالعادة(…) إياك والوقوف مع السبب ونسيان المسبب والتوكل عليه. عليك باستئناف العمل والإخلاص فيه. قال الله عز وجل: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون).(سورة الذاريات، الآية: 56) ما خلقهم للهَوس، ما خلقهم للعب، ما خلقهم للأكل والشرب والنكاح. تنبَّهوا يا غُفَّل من غفلاتكم!

   “يخطو قلبك إليه، ويخطو حُبُّه إليك خطوات. هو إلى لقاء المحبين أشوقُ منهم إلى لقائه. “يرزق من يشاء بغير حساب”.

“إذا أراد عبداً (قلت: أو أمة وجيلا) لأمر هيأه له. هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تم لعبد ما ذكرتُ صح زهده في الدنيا والآخرة وما سوى المولى. تجيئه الصحة، يجيئه المُلك والسلطنة. والإمارة تجيئه! تصير ذرته جبلا، قطرته بحراً، كوكبه قمرا، قمره شمسا، قليلهُ كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاء، تحركه ثباتا. تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى، وتظلِّلُه أغصانه في الدنيا والآخرة.

   “ما هذه الأغصان؟: الحكم والعلم. تصير الدنيا عنده كحلقه خاتم. لا دنيا تملكه، ولا أخرى تقيده. لا يملكه ملِك ولا مملوك. لا يحجبهُ حاجب، لا يأخذه أحد. لا يكدِّرُه كَدَر.

   “فإذا تم هذا صلُح هذا العبد للوقوف مع الخلق، والأخذ بأيديهم، وتخليصهم من بحر الدنيا. فإذا أراد الحق بالعبد خيرا (قلت وبالخلق أيضا) جعله دليلهم وطبيبَهم ومؤدِّبهـم ومدرِّبهم وترجمانهم وسانِحهم ومِنْحَتَهم وسراجهم وشمسهم.

   “فإن أراد منه ذلك كان، وإلا حجبه عنده وغيبه عن غيره. آحاد أفراد من هذا الجنس يردهم إلى الخَلْق مع الحفظ الكلي والسلامة الكلية. يوفقهم لمصالح الخلق وهدايتهم.

   “الزاهد في الدنيا يُبتلى بالآخرة، والزاهد في الدنيا والآخرة يبتلى برب الدنيا والآخرة.

   “قد غفلتم! كأنكم لا تموتون! وكأنكم يوم القيامة لا تحشرون! وبين يدي الحق لا تحاسبون! وعلى الصراط لا تجوزون! هذه صفاتكم وأنتم تدعون الإسلام والإيمان! هذا القرآن والسنة حجة عليكم إن لم تعملوا بهما”. (الفتح الرباني ص 35)

   قال ذاكر لله، راج رحمة الله، ضعيف أمام قوة الله:وإنا لنـرجـو مـنـك يا رب رحمـة ** على عادة الإحسـان عنـدك والرفــق

أسـأنـا على علـم بأنّـك محـسـن ** وهل خــاب عبدٌ لاذَ بالمُحْسن الحــق!

ضعـافٌ أطافـوا بالـقـويِّ تـذلُّـلا ** وقـد بخلـت دُهـم الغمـائــم بالوَدْق

فـلا منطــق للرعد يشفِـي سماعُـه ** ولا لمحةٌ تكفـي الجفــونَ من البـرق

عبيـد أُصيـبوا فاستغـاثـوا بسـيِّـد ** وقد يعطف المولى على العبـد في الرِّقِّ

إذا الخالـق الـرزاق أغـلـق بـابـه ** فمن ذا الذي تدعـوه ألسنــة الخلـقِ!

   وقلت:كمــينٌ هَــمَّ بالسَّطْـــو ** يُخَـوِّفُنَــــا مِن المَحْــــوِ

يُهَــدِّدُ تارةً أو يســـــ ** ــــتفز المُــرَّ بالحُـلْـــوِ

فشُــدَّ قلــوبَنــــا ربّ ** لنمضِيَ ثــــابتِي الخَطْـــو