بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين.

وبعد: فقد قرأت مقالين جميلين شافيين وكافيين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد, أو لهما للأخ ابن الأزرق، والذي أفاد فيه وأجاد ولم يترك حجة لأهل العناد, والثاني، للأخ مبارك الموساوي، بين فيه بعض الحقائق لمن هو في اتباع هواه غارق, فجزى الله الأخوين خير الجزاء وأثابهما عن عملهما، وجعله خالصا لوجهه الكريم, آمين.

لكن أقول للأخوين الكريمين إن مقالتيكما تفيد والحمد لله من يبحث حقا عن الحقيقة ومن أصابهم سوء الفهم حول موضوع الرؤيا/الحدث, أما من يعضون أناملهم من الغيض ويودون لو نتقطع من الأرض فلا كلام معهم, فغرضهم الاستعداء والتحريض والتشويه, وأن مثلهم كمن قال الله فيهم: “وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى…” الآية (الآية 91 من سورة الأنعام). يروي المفسرون أن سبب نزول هذه الآية يهودي جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى, أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟” وكان اليهودي حبرا سمينا, فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء, فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قوله: “وما قدروا الله حق قدره” قال: “هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره, ومن لم يِؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره, فهؤلاء الناس يستعجزون قدرة الله سبحانه وتعالى، فما قدروه حق قدره، وكيف لا وهم يرون أن فرعون وملك مصر في قصة سيدنا يوسف عليه السلام أحسن من المؤمنين، فمعلوم أن فرعون رأى رؤيا تنبئ بما سيحدث من مولد طفل يكون زوال ملكه على يديه فبدأ يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم, فهل فرعون أكرم على الله من المؤمنين المصلين الصالحين؟ (نعوذ بالله)، وملك مصر الذي رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وهي رؤيا تخبر بمستقبل مصر لخمسة عشر سنة فهل ملك مصر (وكان لما يسلم بعد) أكرم على الله من المؤمنين الصالحين؟ إنما هو الغيظ والحقد “حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق”, ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بقوله تعالى “قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون” الآية. قال الزمخشري: (أي قل أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك)(1) واستشهد السادة العارفون بالله بهذه الآية فقالوا: (فيه إشارة على الانفراد والانقطاع إلى الله, وعدم الالتفات إلى ما عليه الناس من الخوف، والاشتغال بالأغيار), قال ابن عطاء الله السكندري-لما تكلم على أهل الشهود- قال: “لأنه لله لا شيء دونه, قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون”(2) أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون أَلَهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟(3)

فأقول لإخوتي ولمن له يقين في موعود الله “قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون” فسوف يعلمون لمن العاقبة.

نقول الله، قولا ودعوة إليه سبحانه وتعالى ودلالة عليه وتوجيها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وتوجيها إلى الأخذ بالأسباب الأرضية كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه من بعده وصالحو هذه الأمة.

نقول الله، اعتقادا بما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى وبما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن “العاقبة للمتقين” وأن الله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وأن الخلافة الثانية آتية لا ريب في ذلك وعدا من الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

نقول الله، عملا: بعدم الالتفات للمغرضين, والاهتمام بمصيرنا بين يدي الله، والاهتمام بكتاب الله حفظا وتلاوة وتدبرا وتعليما, وبذكر الله والاستعداد ليوم الوقوف بين يديه سبحانه وتعالى “ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون”، “ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون”.

والصلاة والسلام على من بعث مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

الهوامش:

(1) الكشاف للزمخشري.

(2) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة.

(3) تفسير القرآن الكريم لابن كثير.