حين يمتزج حب الوطن: القضية والمشروع بحب الذات: الحزب والمنصب، أوحين يختلط العمل للقضايا الكبيرة بالاهتمامات والمصالح الصغيرة، أو عندما يشترك العطاء حيناً مع الأخذ أحياناً كثيرة.. فليس من عجب حينئذ أن تحسم الأمور باتجاه الثاني على حساب الأول دوماً، فتغلب الذات والمصالح والأخذ والمغانم!

ابتليت فلسطين قضية الأمة الكبرى على مدار عقود من عمرها النضالي الجهادي المثخن بالجراح بصغار يتصدون لمشروعها الكبير.. منتفعون لا يرون فيها أكثر من مشروع استثماري يجلب لهم الجاه والمال والسلطان، وكان الكبار في وسط هذا البحر الواسع من الصغار -وفي كل مرحلة- يستشهدون ويرحلون ليبقى ويتقدم الصغار يحصدون ما زرعت يد الثوار بثمن بخس!

عندما يصبح الوطن كعكة مغانم، وعندما تختزل القضية في الحزب الواحد، فالزعيم الأوحد، فلا مكان للآخر -إذاً- إلا الإقصاء والتحييد والقتل والاستئصال (بسم الوطن ومصالحه العليا!!) أليس الحزب هو الوطن؟! فإن الحفاظ على تربعه على صدور الناس -بأي ثمن ومهما كانت الأخطاء وتوالت الإخفاقات- هو الحفاظ على الوطن! ويا ويح من يفكر بالمنافسة أو المشاركة في سبيل الوطن -حينها- فإن الوصف بحقه جاهز: الوقوف ضد مصلحة الشعب العليا !! و تحيا المصالح ويحيا الحزب ويحيا الوطن!

ولأن من حكمة الله أن يسوّد الباطل حيناً من الزمن ويذوق الناس الذين غفلوا عن الحق من مرارته ما يجعلهم يشتاقون إلى الحق، فلولا الفساد – ربما- لما عرف الناس حلاوة الإصلاح ولما تاقوا إلى التغيير..

ولأن مصير الزبد أن يذهب جفاء لئلا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس..

ولأنها فلسطين الإسراء.. فقد أخرج الله عز وجل لها الكبار الذين بسطوا أيديهم سهله واسعة أوسع من سهولها الخضراء يبايعون على الفداء وشرطهم الوحيد غدوة في سبيل الله أو روحة على أن يعطوها كل شيء: المهجو والأرواح، والأموال والأولاد، فتحملوا -في سبيل الله- من أجل حريتها -ومن العدو والصديق- كل صنوف الأذى والاضطهاد، حنى استوت شجرتهم -اليوم- على سوقها متعمقة على الاجتثاث متطاولة على الاقتلاع، فأنىّ لما زرعته يد الله من حاصد؟!.

ولأن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين، فمع بدايات النظام العالمي الجديد أيام مؤتمر مدريد صار الصغار (المحليون والإقليميون) كالحمامة ينظر إليها الثعبان ليفترسها فتنحل وتنشل وكان في مكنتها أن تطير.. حينها خط الكبار لهم مساراً آخر، فاختارت “حماس” لحظة الانهيار والاستكبار لتصنع منها مشروع الانتصار، فحين انهارت الأمة أمام استكبار أعدائها مجتمعين أخرجت “حماس” إلى فلسطين والأمة كتائب الشهيد عز الدين القسام التي أثخنت في العدو الجراح.. وأدرك رابين حينها أنه يواجه نوعاً من المقاومة لا يمكن إيقافه، وقرأ باكراً مستقبل هزيمته فطرق أبواب الصغار يعرض عليهم الثمن البخس على حساب المبادئ والميثاق والشعارات التي رافقت وجودهم المديد ممنياً إياهم بأوهام لم يتوقع هو – وهو من أخترعها – أنهم سيصدقونها!! … وكانوا -يومها- أمام خيارين: إما أن يكسبوا هم فيخسر الشعب وتخسر القضية، أو يرفضوا فيخسروا هم ليربح الشعب وتكسب القضية، فاختاروا الأول وقبلوا ( بأوسلو) وكان الشرط رأس المقاومة !! وعاشت فلسطين سبعها العجاف أكلنا ما قدمت لهن سبع الانتفاضة الأولى السمان، حتى جاءت انتفاضة الأقصى فيها يغاث الناس وفيها يعصرون.

ويرحل الغاصبون عن غزة بدماء الشهداء، يحس المنتفعون الصغار أن الأرض تميد من تحت أقدامهم وأن مصالحهم ومناصبهم في خطر، فيعيدون الكرة للتآمر على المقاومة وسلاحها من جديد فهل ينجح الصغار اليوم في مواجهة الكبار؟!

أما الكبار فإن عينهم الأولى على بقية الوطن الجريح فهو جننها وضياؤها: كيف سنكمل مشوار التحرير؟ كيف سندفع الاحتلال لمزيد من الاندحار؟ كيف.. وكيف.. وكيف؟! فيما عينهم الأخرى على شعبهم المنكوب المبتلى بالمفسدين الذين تربعوا على عرش حكمه منذ عقود، كيف سيخلصونه من إفسادهم، ويريحونه من طغيانهم، كيف، وكيف.. وكيف؟!

ترى هل يفهم الصغار لغة الكبار؟! ترى ألا يخجل حكام ورموز دول كبيرة هرعوا للتطبيع مع العدو عقب اندحاره من غزة استرضاء (لسادة البيت الأبيض).. ألا يخجلون وهم يشاهدون القائد الحمساوي الشاب سامي أبو زهري وهو يقف على شاشات الجزيرة (عقب حادث جباليا) رافضا – بكل عزة – أن يتحدث في ظل وجود المتحدث الصهيوني (الذي يتسابق على استرضائه كثيرون)، فهذا الصهيوني المحتل لا يستحق أن ينال شرف المشاركة في برنامج يتحدث فيه قادة حماس، كيف لا.. وسامي – حفظه الله – تلميذ الرنتيسي الذي رفض هنا على أرض النقب قبل (15 عاماً) أن نقف لمدير السجن حين وقف له ممثلو جميع الفصائل ليصافحوه في أول لقاء له بهم فألغى المدير اللقاء فأخذ الدكتور للزنازين! فيا ترى هل يفهم الصغار لغة الكبار؟! هيهات!!

وفلسطين اليوم على مفترق طرق بين الصغار والكبار، إحدى عناوينه انتخابات المجلس التشريعي القادمة (إن حصلت)!!، يراها الصغار مشروع حياة ووجود، وما دامت كذلك فإن كل الخطوط الحمراء مهدوره، فالكذب والتزوير والغش والتلاعب والخطف.. و حتى القتل.. كل ذلك مبرر مقبول ما دام الهدف هو الحفاظ على (الحزب الوطن) ! وماذا لو كان الشعب هو الضحية؟ فلقد كان هو الضحية دوماً فما هو الجديد؟ أما الكبار الذين تشغلهم قضية التحرر الكبرى، ويؤرقهم هم الشعب ومستقبله، فلأنهم يعلمون أنهم مسؤولون أمام الله أولاً ثم أمام أنفسهم والناس، فهم لا يرون في الانتخابات أكثر من خيار مهم لخدمة الناس وصالح الشعب والقضية . ولئن نجح المتربصون بأن يحولوا بينهم وبين هذا الخيار (بإلغائه) فلقد عاشوا عمرهم السابق بدونه فما منعهم هذا من خدمة مصالح شعبهم وقضيتهم وتقديم الغالي والنفيس، من أجلهم، هم ليسوا أسرى خيار إن أغلق في وجههم خرجوا من الميدان!! لذلك ف- “حماس” التي تحارب اليوم، وتستهدف من جميع الأطراف: (إسرائيل) بالاعتقال والملاحقة والتهديد، والاستئصاليين بالتشويه والكذب وتصدير الأزمات، وأمريكا وأعوانها بالمباركة هنا والتحريض هنا وإن حماس وهي تعلم أنها أمام موازنةٍ صعبةٍ تقتضيها الجمعة لحكمة حازمة بين الحفاظ على سلاح مقاومة يستهدفه الجميع متى رأوا غفلةً أو ضعفاً (وتجربة عام 1996 خير شاهد) وبين عدم الانجرار في معارك جانبية مع ملوثين يريدون تلويثها وغارقين في الوحل يريدون إغراقها وتصدير أزماتهم لها ليشوشوا على الناس الذين لا يدققون كثيراً في الروايات حين وقوع اقتتال إنما يمتعضون من الجميع (الظالم والمظلوم) في معظم الأحيان.. لكن “حماس” -رغم كل ذلك- وهي أكثر الأطراف ارتياحاً وثقةً واطمئناناً، فلقد أغاظ الجميع قرارها بالمشاركة وأزمهم ووضعهم أمام خيارات أحلاها مر، أما حماس فواثقة الخطى مطمئنة الجنان تعرف ما تريد، وتعرف كيف تصل إلى ما تريد.

“حماس” (مشروعها وفكرتها) قدر الله القادم لفلسطين.. لقد ولىّ زمن الصغار، ومضى أوان الزبد.

ولأن الله عز وجل قد شرفنا بأن نكون من جنده، ولأن فلسطين والشعب بانتظارنا.. فلن نخذل من يأمل بنا إن شاء الله.. لن نتخلى عنهم، لن يثنينا الاعتقال والاغتيال عن مواصلة مشروعنا في التحرير وخدمة الناس، سنظل نحمل للناس على أكتافنا أكياس الطحين والخبز حتى لو قصفونا بالصواريخ، ولئن كنا مشاريع شهادة فإن حركتنا مشروع انتصار.

فلسطين الكبيرة اليوم تفتح أحضانها للكبار وتلفظ الصغار الذين يلفظون أنفسهم..

نموت في سبيل الله لتحيا فلسطين.. ويحيا الناس.