ليست الانتخابات البرلمانية، التي تعرف مصر مراحلها الأخيرة، استثناءاً مما تعرفه أمتنا الإسلامية والعربية، حيث تتعدد أشكال التزوير، وتتنوع أساليب هيمنة الجهاز التنفيذي على مختلف العمليات الانتخابية. وقد شاهدنا عبر شاشات التلفاز من تلك الأشكال والأساليب ما يحترم الخصوصية المصرية، كظاهرة “البلطجة” والقيد الجماعي وغيرها…

لا أريد من هذه السطور وضع تقييم عام وشامل لتلك الانتخابات، كما لا أريد إجراء موازنة بين السلبيات والإيجابيات. ولكن فقط أتوخى تسليط الضوء على تجربة تستحق الاهتمام، وتتعلق بحماية القضاء المصري للانتخابات، أو على الأقل محاولته الجادة من أجل ذلك.

القضاء المصري، هو الآخر، يعاني لا أقول من انعدام الاستقلالية ولكن من ضعفها. المادة 166 من الدستور المصري تنص على أن: “القضاة مستقلون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة”. لا شك أن هذه الوضعية الدستورية للقضاء أفضل بكثير من الوضعية التي تعتبره وظيفة تابعة وليس سلطة مستقلة، كما هو الحال في بلدنا. إلا أن ما يجمع المغرب ومصر وكل الدول المتخلفة هو أن القانون، بما فيه قانون القوانين الذي هو الدستور، شيء والواقع شيء آخر. فالحزب الحاكم يسيطر على عدد غير قليل من القضاة، وقانون استقلال القضاء ما يزال معطلا منذ خمسة عشر عاما، والقضاة يتعرضون لتخويف وتهديد بقانون الطوارئ الصادر عام 1956 والمحاكم الاستثنائية التي أحدثت في نفس العام، ورئيس الدولة هو من يصدر قرار تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا، هذا الأخير الذي قد يتولى رئاسة اللجنة العليا للانتخابات، كما حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة…

والكثير من القضاة المصريين يعانون، كغيرهم، مما هو أخطر من ذلك، وليس أخطر من ذلك إلا ضعف الإرادة وخوار الهمة وغياب الوازع الديني والأخلاقي. ليس أخطر من كل ذلك إلا اتباع هوى النفس، التي قال فيها الله عز وجل: “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”.

ومع ذلك فقد كشفت الانتخابات الأخيرة بمصر عن قضاة من ذوي المروءات، أبَوا إلا أن يغتنموا ما أتيح من فرص للعمل عل منع تزوير إرادة الناخبين. اغتنموا فرصة كونهم الجهة الوحيدة المخول لها بقوة القانون  الدستور والتعديلات الأخيرة التي أدخلت على قانون مباشرة الحقوق السياسية- مراقبة الانتخابات من خارج المؤسسات الرسمية التابعة للسلطة التنفيذية. واغتنموا فرصة تشكيل جبهة سياسية معارضة تدفع في اتجاه النزاهة والشفافية، وفرصة المراقبة الدولية والمتابعة الإعلامية ومواكبة المجتمع المدني لما يجري… اغتنموا تلك الفرص وغيرها، لتكون لهم كلمتهم المشرفة في الانتخابات البرلمانية، بل ليكون لهم عملهم الذي أقل ما يستحقون عليه تحية احترام وتقدير…

خاض القضاة الفضلاء في مصر معركة مشرفة من أجل ضمان احترام إرادة الشعب، رغم تغول الحزب الحاكم وسيطرته. أدانوا بشدة عمليات فرز الأصوات وعدها في غياب المرشحين ووكلائهم ومندوبي منظمات المجتمع المدني.. وأقروا بوضوح عدم حياد السلطة وانحيازها المفضوح للحزب الحاكم، ونددوا بعدم تدخل الشرطة لحمايتهم من اعتداءات بعض الجماعات المسلحة(1)، وطالبوا بالسماح للجيش بالتدخل لحماية العملية الانتخابية، وهددوا في حالة استمرار إصرار السلطة على التزييف والتزوير برفض الإشراف على المرحلة الثالثة من الانتخابات التي ستجري يوم 1 دجنبر 2005 والإعادة التي ستجري يوم 12 دجنبر 2005، وشددوا على ضرورة إلغاء نتائج الانتخابات في أي دائرة يثبت وقوع اعتداءات أو أعمال “بلطجة” في أي لجنة فرعية بها وعدم الاكتفاء فقط بإلغاء صندوق اللجنة الفرعية، وأوقف بعض القضاة المراقبين عمليات الاقتراع في بعض الدوائر احتجاجا على منع الشرطة الناخبين من التصويت خلال جولة الإعادة في المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية. وأصدر القضاء الإداري عدة قرارت منصفة، من ذلك قبول الطعن المقدم من مرشح الإخوان المسلمين، بدائرة “هيهيا والإبراهيمية” بمحافظة الشرقية، والقضاء ببطلان القيد الجماعي.. والحكم ببطلان انتخابات الدائرة الخامسة بالقاهرة” الزاوية الحمراء والشرابية”، نتيجة طعن بسبب ما شاب الانتخابات بهذه الدائرة من عمليات تزوير واسعة النطاق…(2)

إن هذه المواقف الشجاعة للقضاة من ذوي المروءات جعلت السلطة تشن حربا عليهم، حيث تم تسليط مسلحين لانتزاع الصناديق من أيديهم، وتم منع بعضهم من إدخال الناخبين إلى اللجان، كما تم حبس آخرين داخل مقرات اللجان، وبقرار من وزير العدل، صدر بتاريخ 27 نونبر 2005، تم منع القضاة من الإدلاء بتصريحات صحفية، الأمر الذي اعتبره نادي القضاة قرارا لمنعهم من فضح ممارسات الدولة في العملية الانتخابية…(3)

معركة بين سلطة تحتكر النفوذ وتملك كل وسائل الضغط وقضاة لا يملكون إلا شرفهم وتأييد الشرفاء من أبناء وطنهم لهم. والحق، رغم كل الظروف الحالكة، يعلو ولا يُعلى عليه.

ورد في بيان للإخوان المسلمين صدر بتاريخ 23 نونبر 2005: “نقرُّ بالفضل في تحقيق هذه النتائج لقضاء مصر الشامخ العظيم بكافة هيئاته، والذي أثبت أنه الحصن الحصين للإرادة الشعبية، ولقد آن الأوان أن يقف الشعبُ كلُّه معهم في مطالبهم العادلة بإصدار قانون السلطة القضائية وِفق إرادة القضاة الشرفاء، وإذا كانت هناك استثناءاتٌ قليلةٌ فهي تُثبت قاعدةَ نزاهتهم ورجولتهم وأدائهم لواجبهم بشرف وإخلاص.”

ما أجمل أن يكون القضاء في كنف الأمة، يحميها من الجور والظلم والطغيان وتحميه من تدخل المتنفذين. بكل تأكيد لم يتحقق هذا المثال المنشود في مصر، وأنى له أن يتحقق والبيئة موبوءة والإرادات مستلبة. دوننا وذلك الأفق المتوخى في بلادنا الإسلامية جهود طويلة مضنية تضاعفت بتضاعف قرون العض وسنيين الجبر في تاريخ أمتنا. لكن موقف بعض القضاة الشرفاء في الانتخابات المصرية الأخيرة يعد نقطة عدل مضيئة وسط ظلام دامس تكاثفت فيه طبقات الفساد والظلم والتزوير…

يا سعد ثم يا سعد من تحمل أمانة القضاء، وهو يستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القضاة ثلاثة، إثنان في النار وواحد في الجنة. رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار”.

لا خير في قضاء لا يقضي بين الناس بالحق والعدل. ولا خير في قضاء لا يدعم الشورى ولا يصون الشعوب من جور الحاكمين وتسلطهم. ولا حق ولا عدل ولا شورى إلا بالإحسان. والإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وعلى قدر النيات تعظم الأعمال. ” فاعتبرو يا أولي الأبصار”.

الهوامش:

(1) من آخر الأمثلة على ذلك اعتداء “بلطجية” الحزب الوطني، بحماية الشرطة، على ثلاثة قضاة وهم المستشارون: خالد عبد العزيز وهاني مختار وأحمد عبد العزيز، وذلك في لجنة أبو دشيشة بدائرة بلقاس بالدقهلية. تم ذلك خلال هذا اليوم أي 1 دجنبر 2005.

(2) كان مرشح الإخوان المسلمين ممدوح مصطفى حلاوة قد حصل في الانتخابات على 6700 صوتا من خلال محاضر الفرز، في حين تم إعلان النتيجة على 5550 صوت.

(3) أعربت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن رفضها لمطالبة مجلس القضاء الأعلى بالتحقيق مع بعض القضاة بسبب تصريحاتهم الأخيرة، وأكدت أن الدستور قد أوكل إليهم مهمة الإشراف على الانتخابات.