رغم رد الفعل الوحشي الصهيوني على الانتفاضة الفلسطينية والخسائر الظاهرة التي يتكبدها الفلسطينيون، فإن الحصيلة النهائية بعد ثمانية شهور من الانتفاضة تؤكد أن الانتصار حتى الآن من نصيبها، وأن خسائر الإسرائيليين في المقابل لا تقل فداحة.

الانتفاضة خيار استراتيجي فلسطيني

لعل أهم ما يميز الانتفاضة الحالية هو الطابع الشعبي العام، والرغبة في استمرارها أيا كانت خسائرها؛ حتى أصبحت تمثل لدى الفلسطينيين علامة انتصار، ودليلا على حياة هذا الشعب، وأدلة ذلك كثيرة منها:

– التنسيق بين فصائل الانتفاضة، وعدم التصادم، والإصرار على استمرارها كهدف استراتيجي.

– الدعم الشعبي الواضح، الذي يبرز في أكثر من موقف، مثل: الجنازات، والمسيرات التي تخرج من المساجد – خاصة بعد صلاة الجمعة – وآخرها المسيرة التي زاد عدد المشاركين فيها على المائة ألف، في أثناء تشييع جنازة 11 شهيدا من شهداء القصف الإسرائيلي لنابلس، عقب عملية “نتانيا” التي نفّذها الشهيد “محمود مرمش” الجمعة 18/5/2001.

– تزايد راغبي الاستشهاد، حتى أصبحت العمليات الاستشهادية أملا لكل فلسطيني وفلسطينية، وهو ما أكده الأستاذ خالد مشعل – رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس – في خطابه أمام مسيرة ضخمة، نظمتها الحركة في نابلس؛ إذ صرّح بأن الحركة تلقّت مئات الطلبات من شباب وفتيات لتنفيذ تلك العمليات.

والأغرب أن أسر الاستشهاديين تستقبل المهنئين باستشهاد أحد أبنائها، ومن ذلك أسرة الشهيد “محمود مرمش” الذي أكدت أخته أنها “فخورة به؛ لأنه شهيد، ومأواه الجنة”، وقامت والدته بتوزيع التمر على النساء اللاتي قدمن لتهنئتها باستشهاد ولدها، وقامت حماس بتوزيع الحلوى على المواطنين في المساجد والمسيرات فرحًا باستشهاد مرمش.

خسائر الإسرائيليين

لقد أدى استمرار الإصرار الفلسطيني على مواصلة المقاومة بهذه الروح إلى ارتباك شديد في صفوف الجانب الإسرائيلي، وتصاعد خسائر الإسرائيليين في أكثر من مجال على النحو التالي:

1- خسائر معنوية وبشرية

– فرئيس الوزراء الإسرائيلي “شارون” الذي أكد أنه سيقضي على الانتفاضة خلال مائة يوم، اعترف مؤخرا بأن “من يدعي أن هناك حلولا سهلة أو سريعة للوضع المعقد الحاصل؛ فهو يضلل”، وصرّح أكثر من وزير إسرائيلي أن الكيان الصهيوني سيواجه حربا تمتد لسنوات، وقد تتحول إلى حرب إقليمية بسبب الانتفاضة.

– ولم يعد يخفى أن الصهاينة أصبحوا يسعون لعودة المفاوضات مع الفلسطينيين، شرط وقف الانتفاضة التي فشلت القوة الإسرائيلية في وأدها.

– تدهور معنويات الصهاينة وتزايد الشعور بعدم الأمن، فالمستوطنات أصبحت شبه خاوية (مستوطنة كريات نطاقيم فارغة تماما)، هجرها المستوطنون إلى داخل الكيان الصهيوني، بل – وبعد العمليات الاستشهادية الناجحة – تزايدت معدلات الراغبين في الهجرة تمامًا من الكيان الصهيوني إلى الولايات المتحدة.

فقد ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن عدد الإسرائيليين الذين تقدموا بطلبات عن طريق مكتب الهجرة الأمريكي هذا العام فاق 10 أضعاف نظرائهم في الفترة المماثلة من العام الماضي.

– كما أن معدل الهجرة إلى الكيان الصهيوني خلال عام 2000 شهد انخفاضًا نسبته 20% عن العام السابق.

– وساعد امتداد عمليات القصف الفلسطيني بالهاون والعمليات الاستشهادية إلى قلب الكيان الصهيوني ذاته على تدهور معنويات المستوطنين الصهاينة. ففي استطلاع للرأي أجراه معهد “برندمان” بمناسبة “الاستقلال” (ذكرى النكبة) أكد 50% من الإسرائيليين أنهم لا يرغبون في العيش في الكيان الصهيوني، وأشار 28% منهم أنهم غير راضين عن الوضع الأمني الحالي، وكشف استطلاع آخر للرأي أن 83% من الإسرائيليين قلقون من الانفجارات بأنواعها، وأنهم يخشون وقوع ضرر ما لهم ولأقاربهم.

– بعد 6 أشهر من الانتفاضة وصل عدد القتلى الإسرائيليين إلى 83 قتيلا (حتى منتصف آيار/ مايو 2001)، وأكثر من 600 جريح (وذلك مقابل أقل من400 جريح خلال 6 سنوات هي عمر الانتفاضة الأولى).

وفي استطلاع رأي عشوائي أجراه التليفزيون الإسرائيلي، أكد 61% من الإسرائيليين (بعد 6 شهور من الانتفاضة) أنهم باتوا يشعرون بالخوف في أثناء تحركهم في المدن داخل الكيان؛ بسبب عمليات التفجير التي تنفذها المقاومة الفلسطينية، وكشف 45% منهم عن تغييرهم لنظام حياتهم على ضوء تلك العمليات، وحسب الشهادات التي جمعها التليفزيون الإسرائيلي، تبين أن العديد منهم تحولوا لاستخدام القطار كوسيلة نقل بدلا من الأوتوبيسات التي يرون أنها أصبحت مخاطرة يجب تجنبها بعدما كانت الوسيلة الأفضل لديهم.

– وبسبب ذلك تأثرت شركتا النقل الحكوميتان: “إيغد” و”دان” سلبيا، كما شهدت الأسواق التجارية الكبرى تراجعا واضحا في عدد مرتاديها بسبب الخوف من تنفيذ عمليات استشهادية داخلها أو بالقرب منها، خاصة بعد تأكيد المخابرات الإسرائيلية أن المراكز التجارية تعتبر الأهداف المفضلة لعمليات حركات المقاومة؛ لضمان وجود أكبر عدد من اليهود فيها.

2- خسائر اقتصادية

وعلى المستوى الاقتصادي، توقّف 65% عن عمل السياحة في إسرائيل، وتوقف قطاع البناء تماما، كما أن مقاطعة المنتجات الإسرائيلية داخل الضفة وغزة فقط كلّفت الكيان الصهيوني ملياري دولار، إضافة إلى تعطيل علاقات ومشاريع اقتصادية مع الدول العربية والإسلامية (منها مشروع تسليحي لتركيا بقيمة 6 مليارات دولار)، إضافة لحملة المقاطعة العربية والإسلامية، وملايين الدولارات الإضافية اللازمة لاستدعاء الاحتياط.

كل ذلك أدى إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وبدأت بعض الشركات تعلن فعليا إفلاسها؛ فشركة الطيران الوطنية الإسرائيلية “العال” باعت 6 من طائراتها، وألغت بعض خطوط طيرانها لعدد من دول العالم، وقامت بفصل وإعفاء 630 موظفا ومهندسا من وظائفهم بسبب خسائرها.

3- خسائر عسكرية

وعلى المستوى العسكري، كسرت الانتفاضة محرمات كثيرة فرضتها الاتفاقات الأمنية الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية، كبقاء القوة الفلسطينية مسلحة بالبنادق الخفيفة فقط، واعتبار الحدود الاحتلالية في الأراضي الفلسطينية حدًّا لفعل المقاومة، فجاءت قذائف الهاون وامتداد عمليات القصف والتفجير إلى أراضي 1948 لتكرس حقيقة أن المقاومة لن تعدم الوسيلة لتجاوز عراقيل الإمكانات، والتفوق العسكري للاحتلال.

وأدى ذلك إلى تردي معنويات الجيش الإسرائيلي بشكل فاضح؛ ففي تقريرين لصحيفتي “معاريف” و”تل أبيب تايمز” الإسرائيليتين، أكدا وجود بوادر تمرد في صفوف جيش الاحتلال بسبب الانتفاضة.

ورصد التقريران حالة سخط وانهيار في قوات الاحتياط بلغت حد التهديد بالإضراب، وأكدا أن الجنود يريدون خفض مدة الاحتياط السنوية لأقل من شهر (كانت سابقا 60 يوما)؛ لأن الشهر من الخدمة لا يطاق في ظل الظروف الحالية.

بل ونشأ تنظيم باسم “نوبة صحيان” رفع أنصاره عبارة “قوات الاحتياط الإسرائيلية أصبحت مجموعة من الحمقى”، واحتشد المئات منهم في أحد المخيمات الاحتجاجية لإعلان رفضهم استمرار دفعهم للخطوط الأمامية في مواجهة الانتفاضة. وقال أحدهم- كما تؤكد صحيفة “البيان” الإماراتية نقلا عن التقريرين-: “إن الساسة في إسرائيل ينظرون إلينا على أننا حمير يركبون عليها بدون حتى كلمة تقدير – قوات الاحتياط توشك على الانكسار والانهيار”.

وأكدت صحيفة “تلجراف” البريطانية أن جيش الاحتلال اضطر لسجن 600 من جنود الاحتياط يرفضون المشاركة في قمع الانتفاضة. وأضافت الصحيفة أنه “خلال 6 شهور من الانتفاضة، فإن ما لا يقل عن 2500 من جنود الاحتياط الصهاينة تغيبوا عن الالتحاق بصفوف الجيش من دون إبداء أسباب، فيما اختلق عدة آلاف منهم أعذارا صحية وشخصية؛ هربا من العودة للخدمة العسكرية”.

وأضافت الصحيفة أن “حالة التهرب تلك تعود لسببين: أولهما مقتل عدد منهم (الاحتياط) خلال الانتفاضة الحالية، وثانيهما يتمثل في عدم اقتناعهم بضرورة إلقاء أنفسهم إلى التهلكة من أجل حماية حفنة من المستوطنين المتطرفين”.

وتقول جماعات صهيونية: إن الانتفاضة الفلسطينية المسلحة زادت من أعداد جنود الاحتياط الرافضين للخدمة العسكرية، لا سيما بعد تعرض مستوطنات قطاع غزة لقذائف الهاون الفلسطينية.

ونقلت “التلجراف” عن “إيشاي مناحيم” الذي يشغل منصب آمر دبابات في الاحتياط، ويترأس جماعة “هناك حدود” قوله: إن “جنود الاحتياط غير معينين بالمناطق الفلسطينية؛ معظمهم أصبح في الأربعينيات، ولديهم عائلات ودراسات وتجارة ينبغي الاهتمام بها”. وأضاف: “لذلك فإنهم لن يخاطروا بحياتهم من أجل قضية لا يؤمنون بها”.

وتبعا لمصادر الحركة؛ فقد وصل عدد الجنود والضباط الذين يتبنون هذه الدعوة إلي 180.

دعم عربي وإسلامي

ورغم أن معدل الاستجابة العربية الرسمية لم يرق بعد لمستوى النصرة اللازمة للانتفاضة، فإن الفعاليات الرسمية وغير الرسمية تزداد تجاوبا معها نتيجة استمرارها.

فعلى المستوى الرسمي: تم عقد قمتين عربيتين خلال انتفاضة الأقصى (تشرين أول/ أكتوبر عام 2000 بالقاهرة، وآذار/ مارس عام 2001 بعمان). وإن كانت نتائجهما وقراراتهما ليستا على مستوى الحدث، فإن انعقادهما في حد ذاته يؤكد وجود مؤشرات تحوُّل (إيجابية) في الخطاب العربي الرسمي، وشبه إدراك للخطر الذي يمثله التعامل الصهيوني الحالي مع الانتفاضة.

وأعقب القمتين زيارات عربية رسمية لدول عدة، كانت تمثل سابقا مصدرا لسلاحها، إضافة للزيارات العربية الرسمية المتبادلة والمكثفة.

كما عقدت جامعة الدول العربية أكثر من اجتماع على مستوى الوزراء (الخارجية – الاقتصاد- العمل… إلخ)، ولجان المتابعة والمندوبين الدائمين؛ للبحث في سبل دعم الانتفاضة، واتخاذ مواقف أكثر تشددا من الكيان الصهيوني، وقررت قطع الاتصالات السياسية مع الكيان نهائيا.

كما أقيم في طهران المؤتمر الدولي الثاني لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وشارك فيه رؤساء وفود البرلمانات الوطنية والاستشارية والفصائل الفلسطينية وبعض الأحزاب العربية والإسلامية، وحشد من العلماء والمفكرين والوجوه العلمية والثقافية والسياسية من مختلف دول العالم خلال شهر نيسان/ إبريل عام 2001م.

وعلى المستوى غير الرسمي: تزايدت المؤتمرات الشعبية والنقابية المؤيدة للانتفاضة (مؤتمر القدس في ماليزيا، ومؤتمر القدس في صنعاء)، وغيرها من المؤتمرات الداعية لدعم الانتفاضة ومقاومة تهويد القدس.

كما تزايدت معدلات المطالبة بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، ووقف جميع خطوات التطبيع، وإحياء المقاطعة العربية والإسلامية (الرسمية وغير الرسمية) الشاملة للكيان الصهيوني.

وشهد العالم العربي نشأة وتفعيل العديد من المنظمات المناهضة للتطبيع والصهيونية، مثل: اللجنة المصرية لمواجهة الصهيونية ومقاومة التطبيع بمصر، وحركات مقاومة التطبيع بالكويت كالحركة الدستورية، والمؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني في الخليج، وغيرها.

وأصدر حوالي 300 من القيادات الدينية والسياسية والفكرية العربية بيانا بذلك في ذكرى النكبة، ونجحت تلك الدعوات في تثبيت الخسارة لعدد من الشركات الأمريكية والبريطانية العاملة في الدول العربية.

كما تزايدت دعوات جمع التبرعات لدعم المقاومة في جميع الدول العربية (لجان الإغاثة والجمعيات الدينية والتطوعية ومنظمات الهلال الأحمر).

كما قامت المسيرات الضخمة المطالبة بتحرك عربي أكثر فعالية لمناصرة الانتفاضة (المظاهرة الألفية لجبهة العمل الإسلامي في الأردن، الجمعة 11 من آيار/ مايو 2001)، وغيرها من ظواهر الغضب والدعم الشعبي العربي التي بدأت بالفعل تمثل ضغوطا قوية على الأنظمة العربية الرسمية، التي شهد خطابها السياسي تجاه العدوان الصهيوني قدرًا أكبر من التشدد.