يرى الجيل الجديد من الشباب الإسرائيلي أن الخدمة العسكرية صارت مصدرًا للخجل أكثر مما هي مصدر للتفاخر والكبرياء الوطني؛ فقد تحول الجيش الإسرائيلي من جيش مدرّب تدريبًا عاليًا على الحروب النظامية إلى جيش مطالب بمطاردة الأطفال والشباب في الأزقّة الفلسطينية، وتكسير عظامهم؛ حيث ظهر ذلك جليًّا في انتفاضة 1987، وكذلك في انتفاضة الأقصى 2000 التي دخلت الآن في شهرها السابع.

خسائر وصفعات متتالية

وأكثر ما يثير الخجل بالنسبة للجندي الإسرائيلي أنه بالرغم من معدّاته القتالية الفائقة، وبالرغم من التدريب العالي، فإنه قد صار صيدًا سهلاً أو ممكنًا، سواء على الصعيد اللبناني أو الفلسطيني.

وقد تجلى ذلك بوضوح بداية من شهر أكتوبر الماضي، حيث ابتُلي الجيش الإسرائيلي بخسائر فادحة ومكثفة، واحدة تلو الأخرى: ففي 7 من أكتوبر قام “حزب الله” بتوجيه صفعة إلى إسرائيل من خلال أسر 3 جنود بأراضي مزارع شبعا المحتلة، وبعد يومين قام أبطال الانتفاضة الفلسطينية بالإمساك بعنصرين من جنود فرقة المستعربين التابعين للجيش الإسرائيلي، كانا يعملان في الخفاء في الأراضي الفلسطينية بـ”رام الله”، وقتلوهما.

ولم يلبث أن مضى أسبوع واحد حتى قام “حزب الله” بأسر ضابط إسرائيلي برتبة عقيد، وهو إنجاز نوعي جديد؛ فلم يحدث من قبل أن تمكنت المقاومة الإسلامية من أسر ضابط بهذه الرتبة العالية، ومن ثَم كانت هذه العملية صفعة قوية للمؤسسات والأوساط الأمنية الإسرائيلية.

وقد أفقدت هذه العمليات قدرة إسرائيل على التوازن؛ والدليل على ذلك سياسة “إيهود باراك”  رئيس الوزراء السابق  التخبطية التي أتبعت تلك العمليات؛ فرأيناه يطيح يمينًا وشمالاً بين ضرب قوات الشرطة الفلسطينية من ناحية، وضرب منازل الفلسطينيين من ناحية أخرى، لكن بدون تحقيق شيء يذكر.

وبعد أحداث أكتوبر رأينا مسلسل الخسائر يستمر في شهر نوفمبر، ولكن هذه المرة في قلب مدينة “الخضيرة” بشمال إسرائيل؛ حيث تم تفجير حافلة إسرائيلية، الأمر الذي أكد فشل سياسة باراك الأمنية، وهو ما بيّنه المراسل العسكري “ألون بن دافيد” للقناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي، قائلاً: “إن كل ما تقوم به إسرائيل الآن هو خطوات تظاهرية غير قادرة على تحقيق نصر واضح على الفلسطينيين، وعلى باراك وهيئة أركان جيشه أن يبحثوا عن عقول أخرى لعلها تتفتق عن فكرة تنجح في وضع حد للعمليات التي يقوم بها الفلسطينيون”.

وفي أول هذا العام (2001) ابتليت الحكومة الإسرائيلية بهزة عنيفة أخرى تمثلت في انفجارات ثلاثة متعاقبة بمدينة “ناتانيا” الساحلية أطلق عليها اسم “تفجيرات الإثنين الأسود”؛ أدت إلى إصابة 40 إسرائيليًّا وتدمير عشرات السيارات والمحال التجارية.

ثم جاءت الضربة الكبرى عندما قام المقاومون الفلسطينيون – لأول مرة منذ عام 1967 – بقصف مناطق داخل إسرائيل بالقذائف الصاروخية مساء الأحد 18/3/2001. وتعتبر هذه العملية – التي ضربت موقعًا عسكريًّا إسرائيليًّا في داخل إسرائيل بمحاذاة “كيبوتس ناحل عوز” – تطورًا خطيرًا للمقاومة الفلسطينية أصاب القيادتين الأمنية والسياسية في دولة الاحتلال بصدمة كبيرة، بعدما تحولت الأراضي اللبنانية إلى فخ كبير لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأخيرًا رأينا الهجمة “الثلاثية” التي قامت بها المقاومة في داخل القدس؛ وذلك على هامش قمة عَمان الأخيرة. وكان مغزى تلك الهجمة هو إرسال تحذير إلى القادة العرب المجتمعين في عمان من إعادة القضية إلى طاولة المفاوضات.

استطلاعات الرأي: نعم للانسحاب

تبين استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن حملة الانسحاب من لبنان توسعت بشكل كبير؛ حيث كان 15% من الإسرائيليين في 1996 يؤيدون الانسحاب من طرف واحد، ثم تصاعدت هذه النسبة إلى 50% في عام 1999، حتى تم الانسحاب أخيرًا. واعتبر خروج جيش الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب اللبناني إنقاذًا لصورته، بعدما اهتزت في أعين الجمهور الإسرائيلي.. وقد اعتبر باراك الانسحاب من لبنان تكتيكًا عسكريًّا لإخراج الجيش من أزمته، لا لإخراج إسرائيل من أزمتها.

وقد قامت حركة الأمهات الأربع – التي تمثل أمهات الجنود الإسرائيليين – بدور ملموس في المطالبة بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان. وفي 20/11/2000 قامت الحركة بمظاهرة أمام وزارة “الدفاع” الإسرائيلية، مطالبة بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني، والعودة إلى طاولة المفاوضات تحت شعار: “نتساريم أولاً”، حيث تطالب بألا يتحمل جنود الجيش تكاليف الاستيطان الأمنية، في الوقت الذي ينعم فيه المستوطنون بالرفاهية.

وكما قامت هذه الحركة من قبل بإخراج الأبناء الإسرائيليين من جنوب لبنان؛ فهي عازمة أن تخرجهم بالمثل من الخليل؛ بعد أن أثبتت المقاومة الفلسطينية أنه لا يمكن إخضاع شعب بقوة السلاح، وأنه من الأحسن أن يوفّر الشعب الإسرائيلي على نفسه وعلى الفلسطينيين المزيد من الضحايا وسفك الدماء، كما أنها تعارض فساد القيم الأخلاقية لدى الشباب الإسرائيلي، نتيجة خضوعه لسلطة الاحتلال، ونقله ذلك الفساد إلى بيوتهم.

وبالرغم من صرخات الأمهات الإسرائيليات على أبنائهن؛ فإن الإعلام الإسرائيلي لا يرغب حقيقة في توصيل ذلك النبض الأمومي؛ حيث يعتبر ذلك اعترافًا بفشل السياسة الأمنية، واضمحلال قدرة الجيش الذي يعتبر العمود الفقري للمشروع الصهيوني.

باختصار: إن الإعلام الإسرائيلي لا يريد الاعتراف بتحلل الصهيونية داخل الدولة الصهيونية، وهو ما سيكون له انعكاسات جوهرية على قدرة هذه الدولة على الاستمرار.

تحلل الصهيونية

بيد أن إخفاء تلك الحقيقة لا يجدي طويلاً؛ فآجلاً أو عاجلاً ستضطر الحكومة الإسرائيلية للاعتراف بالواقع الأليم، الذي لم يَعُد سرًّا على أحد، فها هو “يعقوب بيري” الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة الإسرائيلية يعترف بذلك الواقع، معلنًا أسفه لهروب نسبة كبيرة من الإسرائيليين إلى أوروبا وأمريكا.

وفي تصريحات للإذاعة الإسرائيلية في نوفمبر 2000 قال “بيري”: “إن هناك ما يدعو للقلق حقًّا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية؛ مما أدى إلى إلحاق ضربة كبيرة بمعنويات الإسرائيليين”، كما أعرب عن قلقه من تعرض روح الصهيونية للحظات اختبار قاسية، ثم أكمل آسفًا على الحالة الانهزامية التي وصل إليها الجنود الإسرائيليون: “إن عدد الفلسطينيين الذين سقطوا في الانتفاضة حتى الآن هو أضعاف عدد اليهود، ومع ذلك فإنه لم يُبْد أحد من الفلسطينيين رغبة في مغادرة بلاده؛ فكيف بهؤلاء الانهزاميين يهربون على هذا النحو؟!”.

وهنا نرى تجاهل الفارق بين المستوطن الذي تجذبه إلى فلسطين مكاسب الاحتلال – ويتركها عندما تتحول العلاقة إلى علاقة خاسرة ويبحث عن مكان أفضل – والفلسطيني الذي يعتبر الدفاع عن وطنه واجبًا مقدسًا.

وقد أظهر رئيس الوزراء السابق إيهود باراك خيبة الأمل نفسها، من خلال خطابه بوزارة الدفاع الإسرائيلي في أكتوبر 2000، موضحًا تشاؤمه من الوضع الداخلي، ومن الفجوة الآخذة في التقلص في ميزان القوى العسكري بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية. وقد عبّر باراك عن ذلك الوضع قائلاً: “الحالة المتقدمة للعفونة وترهّل القيم تقوض وتحطم معنويات الجمهور الإسرائيلي، وتنعكس على الجيش الإسرائيلي، وليس سرًّا أن قوات الاحتياط التي تمثل ثلث القوات المقاتلة في حالة انهيار!”.

تهرّب الجنود يتصاعد كلما ازدادت المقاومة

إن تهرب الجنود الإسرائيليين من الخدمة العسكرية يتصاعد باستمرار كلما امتدت الفترة الزمنية للانتفاضة، وتزايدت معها الخسائر البشرية من الطرفين. وقد كشفت حركة “يوجد حد” – وهي منظمة تكونت بهدف رفض الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة عام 1967 – في ديسمبر الماضي أنها تملك قائمة بأسماء المئات من جنود وضباط الاحتياط الذين أعلنوا عدم استعدادهم لأداء خدمتهم العسكرية في الضفة وغزة أو في السجون العسكرية؛ وذلك لأنهم غير مقتنعين بسياسة القمع الإسرائيلية، ويؤمنون بحتمية إخلاء الضفة والقطاع من المستوطنات والمستوطنين.

وأكدت الحركة أنه تم اعتقال 170 ضابطًا وجنديًّا؛ بسبب مواقفهم الرافضة تجاه القمع الإسرائيلي لفلسطينيي غزة والضفة. هذا بالإضافة إلى عشرات الرافضين الذين تم نقلهم إلى مهمات لا علاقة لها بالفلسطينيين. وتبعًا لمصادر الحركة؛ فقد وصل عدد الجنود والضباط المعتقلين الذين يتبنون هذه الدعوة إلى 180.

هذا إلى جانب إحساس جنود الاحتياط بأنهم كبش فداء يتم التضحية بهم من قبل سلطة الاحتلال.. ففي قاعدة “عوفي” العسكرية عند مدخل “رام الله”، قام جنود الاحتياط بتقديم الشكاوى ضد الجيش الإسرائيلي؛ بسبب تعرضهم للإهمال وعدم تلقي التدريبات الكافية والتجهيزات اللازمة لحمايتهم؛ مما يضطرهم أحيانًا إلى تأدية الحراسة دون ارتداء الستر الواقية، أو حمل البنادق بدون رصاص، أو التحرك في سيارات عسكرية غير مصفحة. ويكون الرد دائمًا أن هناك نقصًا في التجهيزات، وقد عبّروا عن تلك الحالة قائلين: “الجيش الإسرائيلي أهملنا، ونشعر كأننا البط في مرمى النيران”.

وخلاصة القول: إن المقاومة الفلسطينية أثبتت بالفعل أنه لا يمكن إخضاع شعب بقوة السلاح، وأنه من الأحسن أن يوفر الشعب الإسرائيلي على نفسه وعلى الفلسطينيين المزيد من الضحايا وسفك الدماء. وقد فطنت “الأمهات الإسرائيليات” إلى هذه الحقيقة، وأقررن بها.. فهل سيأتي يوم وتُقر الحكومة الإسرائيلية بنفس الحقيقة؟