انتهت حقبة وبدأت أخرى، غادر عرفات إلى مثواه الأخير، وجاء أبو مازن خلفاً له.

كثيرون رأوا في ذلك مرحلة جديدة، حيث كانوا يعتبرون ياسر عرفات عقبة أمام التسوية السياسية.

وابتهج العديد بقدوم السيد أبو مازن الذي أعلن مذ كان رئيساً للوزراء في عهد الراحل ياسر عرفات وما زال يعلن رفضه لعسكرة الانتفاضة، ويرى أن التفاوض أو الدبلوماسية لوحدها ـ حسب ظنه ـ هي الوسيلة الأنجع لاسترجاع الحق الفلسطيني المفقود!.

وعلى هذه القناعة عمل السيد أبو مازن بجد ومثابرة، وانعقد حوار القاهرة في آذار/ مارس من هذا العام، وأعلن المجتمعون التزامهم التهدئة المشروطة، لإتاحة “الفرصة الضائعة” ـ كما يتصور البعض ـ للسيد أبو مازن علّه يثبت ويحقق شيئاً على الأرض.

وبين لقائه بوش في واشنطن في السادس والعشرون من أيار/ مايو، ولقائه شارون في القدس الغربية في الحادي والعشرين من يونيو/ حزيران، خرج أبو مازن ممسكاً بالسراب، ولم يحقق أدنى حد من الحقوق الفلسطينية، بل تلقى تعنيفاً وسوء لياقة دبلوماسية (وقاحة) من شارون، الذي كال الاتهامات بالتقصير للسلطة الفلسطينية، مطالباً إياها بإجراءات أمنية متشددة مع فصائل المقاومة رغم التهدئة من طرف واحد (الطرف الفلسطيني).

الأمر الذي أحرج السيد أبو مازن، وكشف الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان، أن المشكلة تكمن في الاحتلال الصهيوني -وليس في المقاومة أو غياب الشريك السياسي الفلسطيني كما يدعون- الذي يمارس ساديته على الشعب الفلسطيني لإرغامه على الركوع وقبول كل ما يلقى له من فتات المبادرات السياسية (الأمنية).

فكان الجديد الذي حققه أبو مازن، هو القديم الذي أنجزه ياسر عرفات. لا شيء جوهري أمام عناد وتشدد شارون واستمرار إرهاب آلته العسكرية، إن قاوم الفلسطينيون أم شرعوا بتهدئة أو هدنة، لأن لدى شارون أجندة ومشروعاً سياسياً يسعى لتحقيقه منفرداً على أعين القوم.

واقع جديد..

أمام هذا الواقع الذي انجلى بسراب الوعود السياسية التي بنى عليها السيد أبو مازن سياسيته وتوقعاته، يقف الشعب الفلسطيني اليوم على أعتاب مرحلة حرجة تحمل معطيات ومستجدات خطيرة، بعض منها بفعل الاحتلال، والبعض الآخر شأن فلسطيني داخلي إن لم يحسن الفلسطينيون التعامل معها فقد تزيد من تعقيد وتأزيم الوضع ومستقبل القضية الفلسطينية، ومن هذه المعطيات:

قرار الاحتلال الانسحاب من غزة، وبعض المستوطنات في شمال الضفة:

جاء هذا القرار كثمرة للمقاومة وانتفاضة الأقصى المباركة، وليس نتيجة لأي اتفاق سياسي. وهو بذلك انتصار فلسطيني بامتياز. الأمر الذي جعل حكومة شارون تعمل جاهدة على تفريغ هذا الانتصار من مضمونه، وتحويله إلى سجن كبير يضم المدن الرئيسية عالية الكثافة السكانية، في مقابل ضم المجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة ومعظم أراضي القدس للكيان المحتل، وبالتالي ترك الفلسطينيين يتحملون المسؤولية عن إدارة شؤون حياتهم بعد أن يتركهم في كانتونات معزولة وأرض سلبت خيراتها ومياهها وقد دمر الاحتلال البنى التحتية فيها، واستبقى أمن الحدود تحت سيادته، وذلك كحل مؤقت طويل الأمد قد يتطور لاحقاً ليكتسب صفة دولة دون مقومات حقيقية.

جدار الفصل العنصري:

أصبح واضحاً اليوم أن الجدار في مراحله المتقدمة يعتبر ركناً رئيساً في تصور شارون لمستقبل القضية الفلسطينية.

فالجدار يصادر أكثر من 50% من أراضي الضفة الغربية التي تمتاز بالخصوبة ووفرة المياه، ويحاصر بين جدرانه معظم سكان الضفة الغربية.

إذن الانسحاب من غزة بالإضافة للجدار يوضحان الصورة النهائية التي يحلم شارون بتحقيقها من خلال عزل الفلسطينيين في أقل مساحة من الأرض وبالتالي يحافظ على “نقاوة” الدولة العبرية اليهودية ويتخلص من المشكلة الديموغرافية التي تؤرق قادة الاحتلال ومستقبل الدولة.

أما بالنسبة للقدس فإن توقيت إعلان حكومة الاحتلال بأن مسار جدار الفصل في القدس سينجز في مدة أقصاها الأول من سبتمبر/ أيلول، فيه إشارة مباشرة إلى العلاقة بين الانسحاب من غزة وطبيعة الجدار ومقاصده، حيث سيستغل الاحتلال انشغال العالم والإعلام بالانسحاب من غزة ليكمل ضمه لمعظم أراضي القدس، وعزل ما يقارب من 125 ألف فلسطيني من سكان القدس عن مدينتهم ليصبحوا خارج الجدار تابعين ديموغرافياً للضفة الغربية. بمعنى آخر تهويد مدينة القدس، فإذا علمنا أن الفلسطينيين حسب بعض التقديرات يشكلون 280 ألف من أصل 800 ألف نسمة يسكنون المدينة أي ما نسبته 35%، فإن التواجد الفلسطيني بعد عزل الـ 125 ألفاً خارج الجدار سيصبح نسبته 20% تقريباً، والباقي (80%) يهود.

والهدف هو تهويد مدينة القدس، وفرض واقع صعب أمام أية مفاوضات سياسية قد تجري في المستقبل.

اللاجئون الفلسطينيون:

يتعرض اللاجئون في لبنان لضغط غير مباشر قد يمهد الطريق لتوطينهم، فالقرار الدولي 1559 الذي صدر بدعم أمريكي – فرنسي يطالب بنزع سلاح المخيمات والمليشيات اللبنانية في الوقت الذي يطالب فيه القرار بضمان حدود الكيان الصهيوني!.

ومما يعزز القلق، موقف رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس في أثناء زيارته لبيروت حيث اكتفى بالإشارة إلى أن مسألة سلاح العودة في أيدي اللاجئين في لبنان هو مسألة لبنانية داخلية، في إشارة منه إلى عدم معارضة نص القرار 1559 المتعلق بشق منه بمسألة اللاجئين في لبنان.

هذا بالإضافة إلى مفاجأة رئيس السلطة محمود عباس اللاجئين الفلسطينيين والدول العربية في العاشر من هذا الشهر، عندما طالب (أو لم يمانع) بتجنيس اللاجئين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم بالدول العربية، معتبراً أن هذا الطلب لا يتنكر لحق العودة!! (صحيفة “البيان” الإماراتية، 10/ 7 /2005).

فساد السلطة الفلسطينية، وغياب المرجعية:

تعيش السلطة الفلسطينية حالة من الفساد والفلتان إلى حد الاحتكام إلى السلاح في النزاع حول الصلاحيات والامتيازات.. وأضحى الوضع المعيشي والأمني داخل الضفة والقطاع يرثى له حيث تسوده العائلة أو العشائرية أو الحزبية..

ويعود تفسير هذه الظاهرة لأمرين أساسيين:

الأول: يكمن في الاحتلال الذي استهدف المؤسسات ودمر الحياة المدنية، وحاصر المدن والقرى عقاباً للشعب الفلسطيني وضغطاً على السلطة لتقف في وجه المقاومة.

العامل الثاني: يبرز في أحادية اللون السياسي للسلطة التي قامت على اختزال منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية عامة للفلسطينيين في الداخل والخارج لصالح احتكار القرار السياسي في الداخل الفلسطيني، الأمر الذي قلل من مناعة السلطة السياسية أمام قوة الهجمة الصهيونية المدعومة أمريكياً.. وأوصلها على ما هي عليه من ضعف وعدم قدرة على الصمود السياسي، وإخفاقها في حماية أمن المواطن علاوة على الفشل في تحقيق استقراره الاقتصادي والاجتماعي.

متطلبات المرحلة..

يقف الشعب الفلسطيني على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخ صراعه مع العدو الصهيوني، تتسم بما يلي:

– الجمود السياسي بحكم أن الإدارة الأمريكية تريد فقط إتمام شارون لخطوة الانسحاب من غزة، والاتحاد الأوروبي عاجز عن التأثير الفاعل، والشعب يعيش أوضاعاً صعبة في ظل حصار متواصل وفساد في السلطة.

– الحراك الصهيوني النشط باتجاهين:

الأول: سياسياً على المستوى الخارجي من خلال إبقاء الانحياز والدعم الأمريكي في حدود دعم مشروع شارون للانفصال الأحادي الجانب.

الاتجاه الثاني: صناعة الوقائع على الأرض واستغلال الوقت الذي يلتفت فيه الرأي العام إلى أمور ومشكلات دولية أخرى، وهذا ما تضمنه قول شارون في اجتماع حكومته في العاشر من هذا الشهر لمناقشة مسألة الجدار الفاصل في القدس عندما قال لوزرائه: “من المهم جداً الإسراع والعمل لاستكمال ما يحتاج إلى الاستكمال. هناك أشياء يمكن فعلها اليوم ولا يمكن فعلها غداً”.

وهنا يبرز السؤال. كيف يستطيع الفلسطينيون إدارة شؤونهم السياسية.. والمحافظة على إنجازاتهم الوطنية ومن ثم مواجهة مخطط شارون لالتهام وضم معظم أراضي الضفة والقدس، بعد ترك الفلسطينيين محاصرين شرق الجدار في جزر معزولة؟.

هذا الواقع يتطلب حصانة ومنعة فلسطينية داخلية تتجسد بالضرورة في وحدة وطنية ميدانية ووحدة في الموقف السياسي، ولا شك أن هكذا حالة لا يكفي فيها التنسيق ولقاء قيادي هنا أو هناك على أهمية ذلك، لان المستهدف هنا الشعب والقضية في الداخل والخارج.

فالأمر يتطلب البحث في آلية واضحة يجمع ويجتمع عليها الفلسطينيون كافة داخل الضفة وغزة والشتات، وهذا ما قد أشار إليه إعلان القاهرة عقب اجتماع الفصائل الفلسطينية كافة برعاية مصرية في آذار/ مارس الماضي من ضرورة تشكيل لجنة على مستوى الأمناء العامين للبحث في كيفية إعادة بناء وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية جامعة تمثل الشتات والداخل الفلسطيني.

وهذا كان مبعث أمل لدى كثير من الفلسطينيين. ولكن بطء التنفيذ، وخاصة من طرف فتح/ السلطة الفلسطينية عكس جواً من الشك لدى الآخرين عززه تأجيل أبو مازن لانتخابات المجلس التشريعي لأجل غير مسمى، ومن ثم الدعوة لحكومة وحدة وطنية مهمتها معالجة آثار الانسحاب الصهيوني من غزة، وكأن هناك نوايا للالتفاف حول المتطلب الأساس (المرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني) والدخول في تفاصيل على أهميتها قد تحرف المسار المطلوب. وهنا تكمن الخطورة حيث يجري تغليب مصلحة فئوية أو حزبية ضيقة على الهم الوطني ووحدة الشعب الفلسطيني وموقفه السياسي الذي يجب أن يعلو على أي مصلحة أخرى تراهن على حسن نوايا شارون، ووعود بوش الخادعة.

المتطلب الآخر الذي يفرضه الواقع هو التمسك بسلاح المقاومة كخيار استراتيجي بيد الفلسطينيين، وعدم التخلي عنه تحت أي ظرف، لأنه الشوكة القادرة على الدفاع عن وجود الشعب الفلسطيني، وفرض واقع على الكيان الصهيوني المحتل رغم طول وارتفاع الجدار، ودفعه إلى المزيد من الانسحابات الأخرى، فبالمقاومة أصبحت هناك “سلطة” وعاد الآلاف من الفلسطينيين إلى فلسطين، وبالمقاومة اعترف الأمريكان والعالم بحق الشعب الفلسطيني في دولة، وبالمقاومة فكر شارون (أبو الاستيطان) بهدم مستوطنات في غزة وشمال الضفة والانسحاب خلف الجدار، وبالمقاومة يمكن تحقيق المزيد خاصة إذا اجتمع الفلسطينيون على كلمة سواء وصهرهم إطار جامع.